وفي وقت ذكرت فيه المعلومات أن الموقوف يحافظ على هدوئه، ويقدم أكثر من رواية يحاول من خلالها التخفيف من التهمة، فإنه لا يزال مصراً على أنه دخل إسرائيل مرة واحدة وحسب، عام 1992 هرباً من «الجهاز الأمني اللبناني ـــــ السوري» الذي كان يتهمه بالوقوف وراء التفجيرات التي طالت مراكز عسكرية سورية. ولا يزال فايز ك. يحصر عمله مع الاستخبارات الإسرائيلية في الفترة اللاحقة لعام 2005. وأقرّ بأنه كان يلتقي مشغّليه الإسرائيليين مرة كل ثلاثة أشهر، في فرنسا، حيث كان يسلّمهم معلومات «سياسية» عن اللقاءات التي تجرى في الرابية، إضافة إلى معلومات عن شخصيات بارزة في التيار الوطني الحر ومن يلتقي بهم العماد ميشال عون، فضلاً عن معلومات يطلبها المشغلون عن شخصيات محددة من حزب الله. وأشار الموقوف خلال التحقيق معه، بحسب مصادر مطلعة، إلى أن الإسرائيليين طلبوا منه استغلال علاقات جيدة تربطه ببعض قياديي حزب الله، من أجل الحصول على معلومات تفصيلية عن مسؤولين أمنيين من الحزب.
تبقى نقطة شديدة الحساسية يجري التدقيق بها، مفادها البحث في ما إذا كان الموقوف فايز ك. يعلم بمواعيد اللقاءات التي كانت تعقد بين رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، إضافة إلى اطلاعه على تفاصيل خاصة عن تلك اللقاءات.
وبقيت قضية توقيف العميد ك. محور اهتمام أنصار التيار الوطني الحر. وإن دل تفاعل العونيين مع اتهام القيادي في التيار الوطني بالعمالة لإسرائيل على شيء، فعلى حجم التحول العوني في النظرة إلى إسرائيل. فقبل نحو ثلاث سنوات، كان يمكن الدخول في نقاشات جدية مع العونيين بشأن مفهوم العمالة لإسرائيل، وتحديد من هو العميل. وبعض البرتقاليين كان سيكدّ في البحث عن مبررات تنتزع صفة العمالة عمن «تخلّت عنه الدولة ولم يبقَ له إلا إسرائيل للاستمرار حيّاً»، وعمن «شجعته الظروف على زيارة تل أبيب للتعرف على معالمها الثقافية»، وعمّن «لا ذنب له إن كان ولد في إسرائيل أو التقى صدفة بأهلها في أحد مقاهي العالم».
ورغم إصرار الأدبيات العونية على وصف إسرائيل بالعدو، فإن العداء العوني بقي سنوات طويلة منصبّاً على الجيش السوري في لبنان واستخباراته. وحتى حين كان العونيون يحرجون في السؤال عن سبب تركيزهم على «الاحتلال السوري» وتجاهلهم الاحتلال الإسرائيلي، كانوا يقولون إن هناك ما يكفي من الانتقاد لإسرائيل، وعليهم التركيز على «الاحتلال» الآخر. أما أمس وقبله، فظهر حجم التحول العونيّ: وقف العونيون مذهولين. كثيرون شككوا في صدقية الخبر، لا لسبب إلا لأن الثقة العونية باتت مطلقة بأن «إسرائيل عدو»، «العمالة لإسرائيل لا تشبهنا» و«لأننا شركاء مع حزب الله في رأس حربة المقاومة».
لاحقاً، بعد المعلومات المتناقلة عن اعتراف ك. بالعمالة، كان الذهول أشمل؛ كأنه عار ما بعده عار، أن يخرج من بينهم عميل لإسرائيل. لم يبحث أحد من العونيين، علانية على الأقل، عن مبررات هذه العمالة، ولم يعرض أحد منهم أسباباً تخفيفية. والشبان أنفسهم الذين كانوا يعتقدون قبل الظهر عبر الفايسبوك أن الجنرال ك. ضحية فيلم يخرجه فرع المعلومات، عادوا بعد الظهر إثر تيقّنهم من اعترافه بالتعامل مع إسرائيل ليوزعوا صورة ك. كتب عليها «اعدموه». وهكذا، فإن التنقل من صالون عوني إلى آخر، وسماع الشتائم التي توجه غيابياً للقيادي العوني المحبوب، يسمح بالاستنتاج أن البيئة العونية ليست غير حاضنة للعملاء فحسب، وإنما متمسكة باحتضانها لثقافة المقاومة حصراً، مع العلم بأن الأنباء عن اعتراف الجنرال ك. بالتعامل مع إسرائيل هي السبب الأساسي لتخلي العونيين عن رفيقهم بهذه السرعة. وقد أدى رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون دوراً كبيراً أمس في إعادة ثقة العونيين بأنفسهم، حين استفاد من مشاركته في مؤتمر لجنة الانتشار في التيار الوطني الحر ليخاطب الجمهور راوياً أنه