تسجّل المجالس السياسية حالة من الإحباط يمكن تعميمها على مختلف القوى. فلم تنجح القِمم والمساعي والاتصالات في استخلاص الحلول وترجمتها في هذه البلد الصغير، بما فيها القمة السعودية ـــــ السورية. لا حديث في النقاشات الضيّقة عن حلّ زهري للأزمة التي أطلقها القرار الاتهامي للمحكمة الدولية، مع إقرار الجميع بأن الخروج من هذه الأزمة يتطلّب تغييراً ما، وخصوصاً أن الحل الذي وعد به الملك السعودي، بتأجيل إصدار القرار الاتهامي، لم يلق استحساناً لدى القيادة السورية وحزب الله وتجاوباً منهما.
في الصالونات السياسية، يعود التركيز اليوم على التغيير الحكومي، بعد أن كثر الحديث عن هذا الموضوع قبل أشهر. ويهدف التغيير إلى إعداد طاقم وزاري تترأسه شخصية قادرة على رفض القرار الاتهامي رسمياً، ما يعجز عنه الرئيس سعد الحريري، وتكون هذه الحكومة على غرار حكومة الرئيس نجيب ميقاتي عام 2005، انتقالية ومصغّرة، ولها أهدافها المحددة، منها المحافظة على التماسك الداخلي عند إعلان الرفض اللبناني لقرار المحكمة الدولية.
يتحدث روّاد تلك الصالونات عن أن التغيير الحكومي سيكون برضى الرئيس الحريري والسعودية، إذ إن المملكة ستقرّ بفشلها في تقديم الحلّ وتسير في الحد الأدنى من المطلوب لتجنيب لبنان والمقرّبين منها فيه أيّ خضّة مرتقبة. يضاف إلى ذلك النقطة التي سجّلها الرئيس السوري بشار الأسد على الملك السعودي، حين وصل الأسد إلى بيروت في الطائرة الملكية، كأنه تحت «العباءة السعودية». وهي نقطة سيكون لها مقابلها لدى الطرف السعودي الذي بات «يَدين» للسوري في الشكل والمضمون.
مع استمرار عرض سيناريوهات التغيير، يبرز اسما الوزير محمد الصفدي ورئيس كتلة اللقاء الديموقراطي وليد جنبلاط، كبطلين لسيناريوهين محتملين. يُتحدّث عن هذين الرجلين بكثافة، مع الإشارة إلى دور كلٍّ منهما قبل منتصف أيلول المقبل.
ففي السيناريو الأول، ينتقل الصفدي من رتبة «معالي» إلى «دولة»، وسيكون الرئيس القادر على رفض القرار والوقوف إلى جانب حزب الله. فالرجل الطرابلسي، ذو العلاقة الجيدة بالمملكة، بات يحسن تلقّي الإشارات، يفكّكها ويضعها في حساباته ويعمل وفقها. أما المقرّبون منه فينفون أن يكون الصفدي قد وُضع في أجواء ترؤسه الحكومة، ويصرّون على ما قاله الوزير من الرابية إنّ «كل كلام عن تغيير حكومي يصبّ في مصلحة إسرائيل». إلا أنّ ما يضيفه المطّلعون على أجواء الصفدي، يؤكد أن ثمة ما يجري إعداده، إذ علّق أحد العارفين بأوضاع الوزير الطرابلسي على اللقاء الأخير الذي جمعه بنائب رئيس مجلس الوزراء السوري للشؤون الاقتصادية بالقول: «بالطبع لم يناقش معه موضوع إنتاج الكوكا كولا وتوزيعها وكيفية تصنيع غطائها».
رغم نفي الصفدي أيضاً، فإنّ المحيطين به يشددون على ميزاته وعن موقعه كـ«رجل ثانٍ في الطائفة السنيّة بعد الرئيس الحريري»، ويشيرون إلى قيمته السياسية والشعبية وقدرته على تحمّل أعباء أيّ منصب يتسلّمه. وحركة الوزير الصفدي، في الداخل والخارج، تدعم هذا السيناريو، فهو جال خلال الأسابيع الثلاثة الماضية على العماد ميشال عون والوزير سليمان فرنجية، والتقى السفير الإيراني غضنفر ركن آبادي، والأمين العام لقصر الإليزيه، كلود غيان، في فرنسا، ثم عاد قبل أيام واجتمع بنائب رئيس مجلس الوزراء السوري للشؤون الاقتصادية، عبد الله الدردري.
هذه الحركة يفسّرها فريق الصفدي بأنها «حركة وزير نشيط». أما في السياسية، فيقول فريقه إن «المواقف التي يسجّلها الوزير هي خلاصة قراءته السياسية للمرحلة الحالية في المنطقة». فالقراءة الصفدية تشير إلى أنّ «القرار الاتهامي للمحكمة الدولية حقّق مفاعيله قبل صدوره، وهي زعزعة الاستقرار وإيقاظ الفتنة السنّية ـــــ الشيعية في لبنان»، وإنّ عمل الصفدي يتمحور اليوم حول «تفادي هذه الفتنة، عبر حماية حزب الله والمقاومة».
أما السنياريو الثاني، فيعتمد على النائب وليد جنبلاط الذي انتقل «130% إلى ضفة المقاومة». ويعود تحديد هذه النسبة (130%) إلى أوساط سورية مطّلعة على أجواء زيارة جنبلاط الماضية إلى دمشق، في 4 آب الجاري. وينقل زوار سوريا عن عدد من المسؤولين فيها أنّ هذه الزيارة، التي توّجها الزعيم الاشتراكي بمؤتمر صحافي غداتها، «كانت الأنجح من بين لقاءات ما بعد المصالحة»، إذ أكد جنبلاط قبل النقاش مع القيادة السورية أنّ المطلوب هو حماية حزب الله وعدم السماح بمحاصرته والتعرّض له. فانتقد في اليوم التالي شهود الزور، وأكّد تسييس المحكمة، ليجتمع بعد ثلاثة أيام إلى مسؤولي الحزب الاشتراكي وكوادره ومنظمته الشبابية ويعلن بوضوح: «لم نعد اليوم في الوسط، أصبحنا إلى جانب المقاومة وقوى الممانعة». وأشار إلى خطورة المرحلة ومحاولة هزّ الاستقرار في لبنان وإعادة إشعال الفتنة الداخلية.
استلزم جنبلاط سنة وبضعة أيام لينتقل من الوسط إلى محور المقاومة، دون أن يتمكّن من إحكام قبضته تماماً على توجّهات كوادره والمسؤولين في حزبه. ويشير مطّلعون على أجواء خلوة 8 آب الاشتراكية إلى أن جنبلاط واجه اعتراضات كثيرة، ولم يُجب عن أسئلة عديدة تتعلّق بالمرحلة السابقة ونضالاتها وكيفية التخلّي عن شعاراتها، ما يدفع عدداً من الاشتراكيين إلى القول: «لم ينجح جنبلاط بعد في إقناع الفئة الأكبر من أنصاره».
أكد جنبلاط في 4 و8 آب علناً أنه بات إلى جانب قوى 8 آذار، سابقاً، وهو بات يعلم أن الترجمة الفعلية لهذا الانقلاب لن تكون سوى باتخاذ الخطوات السياسية والعملية اللازمة لحماية حزب الله ورفض القرار الاتهامي. وفي هذا الإطار يُتحدّث عن سيناريو يكون فيه جنبلاط عرّاب تصفية الحكومة الحالية، عبر انضمامه وزارياً إلى ممثّلي قوى المعارضة في الحكومة والانسحاب منها، فينسف التشكيلة الحكومية الحالية ويعيد تأسيس حكومة جديدة قادرة على تحقيق الرفض السياسي للمحكمة، فيتحقق بذلك انقلاب سياسي شبيه بانقلاب 2005، مع إصرار زوار سوريا على عبارة «بلا ضربة كف»، ما يعني أن الأمور ستكون محلولة ومعدّة سابقاً مع الجهات المعنية بهذا التبديل السياسي.
إلا أنّ هذا السيناريو تشوبه تعقيدات عديدة، أبرزها أنه يتعارض مع تشديد زوار سوريا ومطّلعين على أجواء دمشق، على التمسّك بالرئيس سعد الحريري رئيساً، لكونه يوفّر الغطاء السنّي المطلوب لحماية الحكومة. ورغم هذه التعقيدات، تتابع مناقشة هذا السيناريو وتفاصيله، بما فيها إمكان عدم تمثيل حزب الله فيها بسبب غياب الحريري وكتلته عنها، وهو ما من شأنه أن يقدّم الحزب متعاطفاً ومسانداً للحريري حتى في أحرج اللحظات التي يتعرّض فيها للتجريم والهجوم الدولي