أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

بيــروت تعيــش اليــوم الأول مــن شــهر الخيــر: طقوس الصوم تحلّ على المدينة من دون أن تغيّرها فعلاً

الخميس 12 آب , 2010 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,571 زائر

بيــروت تعيــش اليــوم الأول مــن شــهر الخيــر: طقوس الصوم تحلّ على المدينة من دون أن تغيّرها فعلاً
كل شيء مختلف في اليوم الأول، ويكون كذلك عادة في الأيام التسعة والعشرين المقبلة. مواعيد الحياة والصبحيات تختفي، ويختفي معها فنجان القهوة اليومي. مواعيد النهوض والنوم والأكل والعمل وحتى التسوق تختلف. فالشهر يضع قواعده الخاصة، التي ترضخ لها الأغلبية. قواعد تتجلى بالممارسات الدينية الخاصة بكل فرد، وتتجلى بطقوس اجتماعية تنتشر بين أهل المدينة.
يطل اليوم الأول من باب السحور، مغرياً الناس بطيبات وملذات ما اعتادوا تناولها في هذا الوقت، لكن قلة يقاومونها أمام التزام بالصيام بعدها لخمس عشرة ساعة متواصلة. هنا، في الطريق الجديدة، يتظهر الإغراء برائحة القطر والجبن الذائب الشهية. إنها الثالثة صباحاً، وهذه «صدور» الكنافة لدى محل «صفصوف» الشهير للحلويات تتحضر لزبائن متلهفين دوماً لها.
الصورة تقليدية: ازدحام وطابور طويل من المنتظرين، أمام موظفين نشطين يتقاسمون مهمات اقتطاع الخبزة المدورة، ثم إشباعها بالقطر المغلي، ثم دس الجبن والكعك في بطنها، وتغليفها أخيراً. اللاتقليدي في مشهد أمس، كانت تلك العيون النعسة التي خرجت من النوم لتوها، وتستعد لتسرق بعض ساعاته المتبقية بعد أذان الفجر.
سكون الصباح.. يتبخر
عند الصباح، تخرج المدينة إلى نهارها الطويل، بهدوء وبعزم صائم يخشى اليوم الأول ويتحمس له في آن. المدينة تصوم ولا تتغير فعلاً، تُبقي على زحمة ناسها واختناقهم لساعات في شوارعها. السمة المختلفة في هذا الصباح هي سكون يحتاجه الجميع، ويجيب ما أو من قد يزعجه بدعاء أساسي: «اللهم اني صائم». السكون هذا قد يُتخلى عنه عما قليل، مع اشتداد الحر، والزحمة، ضغط في العمل، وألم في الرأس، تساهم فيه معدة خاوية.
هنا، عند تقاطع الرويس - الحي الأبيض، حيث تتقاطر الفانات ناقلة سكان المنطقة من أعمالهم وإليها على طول الطريق المؤدي إلى الحمراء، أو بالاتجاه المعاكس إلى الحدث - الشويفات، تجد الناس في الفانات ينطلقون بنهارهم بتحيات صباحية مختصرة، من «صباح الخير» إلى «السلام عليكم»، وبمعايدات الاحتفال ببداية الشهير الكريم. الهدوء المسيطر هذا، حتى في طريقة قيادة الفانات، يفرض تعليقاً من العجوز المبتسم والجالس في المقعد الأمامي: «ان شاء الله بتنعاد عليكم أجمعين، وكل رمضان وأنتم بألف خير، وإن شاء الله كل يوم بيكون رمضان ليضل الله ناعمكم بهل الهداوة».
هنا، في الضاحية الجنوبية لبيروت، في الشارع وداخل سيارات وفانات الأجرة ستتحرر رائحة الجو من دخان السجائر الممنوع بطبيعة الحال في وقت الصيام. كما سيُلحظ خلو الكثير من الأيادي لتلك الحقيبة الصغيرة التي عادة ما تحمل «زوادة» النهار من فطور أو غداء في العمل.
يزداد المشهد حماسة مع تقدم ساعات النهار. وشيئاً فشيئاً، تمتلئ الشوراع بالأمهات وربات المنازل وحتى الموظفات، «يهربن» من أعمالهن لفترة كفيلة بالتسوق من أقرب سوق خضار، للتزود بمكونات طبخة اليوم الأول الرئيسية، وطبعاً «عدة» الفتوش المتنوعة. الدردشات السريعة نفسها، والحاجيات نفسها و«العجقة» نفسها تتكرر في أسواق الخضار الشعبية في بيروت، صبرا و«عين السكة» مثلاً. الأكياس البلاستيكية السوداء أو تلك الشفافة تُملأ عشرات المرات بتلك الرزم الخضراء الأساسية لطبق الفتوش: البقدونس، الخس، الحبق، البقلة، الزعتر، الجرجير. ثم بالخضار الملونة: الفجل، الطماطم، الفليفلة، والخيار وغيرها. أما الأصوات الصادحة من هنا وهناك فتعلن أن «ضمة» الخس تباع لدى هذا البقال مقابل 1750 ليرة بدلاً من 2000، وكيلو الطماطم مقابل 1250 ليرة بدلاً من 1500 ليرة. التنزيلات هذه، مغرية لكثر، من دون أن يعني ذلك أن باب «المفاصلة» مع البائع غير متاح دوماً. فتتطاير في سماء السوق جمل متكررة من نوع: «راعينا يا حاج»، و«بدك تسايرنا»، و«خاف الله يا عم، مبارح كان الكيلو بألف!».
في ساعات ما بعد الظهر، تكون المدينة وأهلها قد دخلا في دوامة طويلة من الاختناق، تتجلى في طوابير لا تنتهي من السلاحف السيّارة: موظفون ينهون أعمالهم وفق دوام باكر عن العادة، تبعاً لخصوصية شهر رمضان، عائلات تستعجل شراء نواقص مكونات الإفطار في اللحظات الأخيرة، باعة يوضبون عرباتهم ويتوجهون إلى منازلهم في مناطق مختلفة في بيروت وضواحيها.
المدينة الآن تحاول أن ترتاح، وعلّ الساعات الأخيرة من يوم الصيام تنقضي سريعاً. هكذا، تخفت حركة السير وتخف تدريجياً حركة المارة في أحياء العاصمة، باستثناء مناطق مختلفة، يصعب على ناسها أن يفارقوها. الحمراء واحدة من هذه المناطق، حيث يُلحظ تدني حركة سكان المقاهي من دون أن تنعدم كما في مناطق شعبية أخرى. فتبقى صورة الزبون التقليدي المتمركز أمام جريدة وفنجان قهوة منتشرة وثابتة.. لا تهزها أي مناسبة خارج الحدود الحمراوية.
كلاج وقبيلة فتوش
ساعة فقط تفصل الناس عن الموعد المنتظر.
كيفما جلت في بيروت، ستزكم أنفك روائح شهية لطبخات تنضج على النار، وتتسلل خارج حدود المنازل. روائح البصل كمكون أساسي لمعظم اليخانات اللبنانية، والشعيرية التي تقلى بانتظار الأرز الأبيض وطبعاً الخبز المحمص أو المقلي الذي سيوزع عما قليل فوق «وجه» صحن الفتوش كتاج الملك فوق قبيلة الخضار المقطعة بدقة. الرائحة المفقودة في هذه التركيبة هي تلك التي تعود لحساء الخضار أو العدس الذي لا غنى عنه على مائدة إفطار رمضان.. لكن ربما في السنوات المقبلة، عندما يزورنا الشهر خارج هذا اللهيب القاسي.
روائح مشابهة أيضاً تتسلل من مطابخ مطاعم مختلفة في العاصمة، تُعدّ وجبات مركبة بأسعار مختلفة لزبائن يدللون أنفسهم وأصدقاءهم وزملاءهم بدعوات وإفطارات تبدأ بالأساسيات وتنتهي بالحلويات و«نفس» نرجيلة لا بد منها في السهرات اللبنانية.
ساعة إذاً على موعد الإفطار. إنها السابعة مساءً، أصحاب محال الحلويات الذين ينتظرون هذه الشهر كـ«رزقة حلال» كما يقال، يُركزون على صنع حلوى الكلاج المحشوة بالقشطة الطازجة والمشبعة بالزيت المقلي. هذه حلوى اللحظة الأخيرة، التي لا بد من شرائها ساخنة وطازجة وإلا فقدت طعمها المميز. أما محال بيع العصائر فتضيف إلى قائمتها ومنتجاتها عبوات من الجلاب والتمر الهندي وعرق السوس الجاهز المحلى.
أخيراً، «ضرب» المدفع.
رُفع الأذان. المدينة نائمة. أو كأنها نائمة. بيوتها تحضن سكانها، حول موائد مباركة، يختلف حجمها وتتنوع أصنافها تبعاً لمستوى معيشي يحددها، من دون أن يؤثر ذلك على تلك التعابير المرتاحة التي تُرسم على وجه كل صائم أفطر لتوه.
بعد قليل، تعود الحياة إلى الشارع، قسم من الناس يحيونها بصلوات وأدعية، قسم آخر «بكزدورة» عند كورنيش المنارة، أو بتجمع عند مدخل البناية.. يتناقشون خلاله بنوع سحور اليوم الثاني لشهر رمضان.. لا بد أن الفول المدمس لدى «مطعم العيسى» في الطريق الجديدة، أو طبق الحمص الممزوج بالطحينة لدى «مطعم السلام» في بئر العبد.. هو الخيار الأمثل!
جهينة خالدية

Script executed in 0.20289206504822