ربما انتظرت طويلاً قبل التعرف مباشرة على أساليب التحقيق. وأفضل طريقة هي الاختبار المباشر. لكن المزحة السمجة هي في اتهامي بأنني عميل لإسرائيل. والسبب هو ما ورد في مقالتي أمس في «الأخبار» عن ظروف فرار العميل غسان الجد الذي اتهمه الأمين العام لحزب الله باحتمال تورّطه في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري
حسن عليق
بعد ساعات من الانتظار في الطبقة الثالثة من مبنى مديرية استخبارات الجيش في اليرزة، بدأ وزير الدفاع الياس المر مؤتمره الصحافي. المعلومات المتوافرة من الزملاء تؤكد أن الاجتماع الذي سبق المؤتمر، والذي ضم وزير الدفاع إلى قائد الجيش وأعضاء المجلس العسكري في الجيش ومدير الاستخبارات ومساعدَيه، سيكون على رأس جدول أعماله، انزعاج وزير الدفاع من المقال الذي نشرته «الأخبار» أمس.
يأتي رئيس فرع التحقيق في استخبارات الجيش، (الصديق) العميد طلعت زين. يصطحبني كمشتبه فيه إلى مكاتب الفرع الواقعة أسفل الدرج المظلل. لحظات من الانتظار في المكاتب التي تشبه المنازل الجاهزة، تتخللها اتصالات بالمحامي نزار صاغية، وبالزميل إبراهيم الأمين، وبأحد أفراد العائلة. يرفض المحققون وجود محامٍ برفقتي داخل مكتب زين. آخر ما يصل إلى المسامع من المؤتمر الصحافي أن الوزير، الذي لم تدفعه معركة العديسة للعودة إلى لبنان، يريد إرسال فرع المكافحة لتوقيف «المصدر المطلع» الذي ورد ذكره في مقالة أمس، كائناً من كان. نبرة المر تعيد إلى الأذهان ذلك المؤتمر الصحافي الذي عقده، يوم كان وزيراً للداخلية، بعد الانتخابات الفرعية في المتن الشمالي عام 2001. حينذاك، أغدق المر «ياء النسبة» على كل ما ورد في كلامه: وزارتي، منطقتي، أجهزتي، والدي، شقيقتي، عمي... أحصاها له الراحل جوزف سماحة في واحدة من مقالاته. ومع مقالة سماحة، استذكار لمقالة بعنوان «عودة البطل»، كتبها الزميل جهاد بزي في «السفير».
محادثة قصيرة مع زين الذي أضاف إلى مكتبه الصغير سريراً. فكثرة انشغالاته تدفعه في أحيان كثيرة إلى النوم في مركز عمله. يدخل ضابط برتبة عقيد، بناءً على أوامر زين، حاملاً في يده قلماً وملفاً كتبت على الصفحة الأولى منه كلمة «ملف». يحاول العقيد أن يفرض وهرته منذ البداية. يطلب مني إخباره سبب استدعائي إلى وزارة الدفاع! طلبت تسجيل تحفظ على هذا الإجراء غير القانوني، فيتجاهله العقيد. تلخيص سريع للمقالة، يتبعه سؤال العقيد عن هوية المصدر المطلع. الجواب الوحيد كان رفض كشف هوية المصدر. إصرار وإصرار متبادل يقطعه دخول زين إلى مكتبه متجهماً. يسأل عن نتيجة بداية «الدردشة». أجيبه بأنني لن اكشف هوية المصدر. تزداد لهجة زين صرامة: خذوه إلى فوق!.
«تفضل»، يقول العقيد. صعوداً على الدرج المظلل ذاته. وهذه المرة، برفقة عسكريين مسلحين من «المكافحة». «النقلة» إلى مكان أكثر وحشة، في الطبقة الأرضية من مبنى استخبارات الجيش. انتشار لأفراد المكافحة الذين يبعدون أشخاصاً مجهولين. لا يريد المحققون أن يُرى المشتبه فيه «حفاظاً عليه». دخول في رواق معتم مسيّج بشبك حديدي، وصولاً إلى غرفة بابها أرزق اللون. لا تصل إليها أشعة الشمس. في الغرفة المرتبة ثلاثة رفوف، وماكينة قهوة، ومكتب وخزائن خشبية، وسرير. وتحت التلفاز، وضَعَ شاغل الغرفة، وهو ضابط برتبة عقيد، صور زوجته وأبنائه. يدخل العقيد ليبدأ الاستجواب غير الرسمي. يلحق به زميل له، أصلع. يصعب التنبؤ بعمره. فملامحه توحي للوهلة الأولى أنه لا يتجاوز الخامسة والثلاثين. لكن التدقيق فيها يظهر أنه تجاوز الخامسة والأربعين. هو أيضاً برتبة عقيد. دخل متجهماً. أراد لعب دور «الضابط الشرير» في مقابل «الضابط الخيّر»، قبل أن يدخل العميد طلعت زين مجدداً. تكرار للسؤال ذاته: من هو مصدرك؟ لقد أهنتَ قائدَ الجيش ووزير الدفاع. أرفض هذه التهمة، وأصر على عدم ذكر اسم المصدر. بدا واضحاً أن المحققين يريدون سماع اسم محدد. «قل لنا الاسم ولن نكشفه لأحد». ساعات على هذا المنوال. ترغيب في إنهاء القضية في لحظات وترك ما يباح به طي الكتمان. أما الترهيب فبالتخلي عن «التعامل المحترم». بدا واضحاً أن التهديد غير جدي. فبين سؤال وآخر، مزحة من المشتبه فيه، او نقل للحديث إلى سياق آخر. حوار حول قانونية التوقيف وحديث سريع عن أحد الضباط الذي «تزوج مديرية الاستخبارات». «طيب قل لنا هل مصدرك مدني أم عسكري؟» يسأل الضابط «الشرير». اجيب: «أنت قضيتَ سنوات عمرك في التحقيق، وبداية الاستدراج سؤال كالذي طرحت». يضحك الضباط الثلاثة، قبل أن ينطلق كلام بين الموجودين في الغرفة عن مقالات سابقة، وعما إذا كنت كتبتها بنفسي ام لا. الكلام لا يزال يراوح بين «المزح الجد». أرفض الكلام إلا بوجود العميد عباس إبراهيم، أو بعد إجراء اتصال. يعطي العميد طلعت زين مهلة تنتهي بعد نصف ساعة، «وإذا لم تكشف مصدرك، فستنزل إلى تحت»!
تنتهي المهلة، فيؤتى بفنجان ثانٍ من القهوة. لكن لم ننزل إلى «تحت». بل صعدنا إلى «فوق»، إلى مكتب المساعد الثاني لمدير الاستخبارات، العميد عباس ابراهيم. لقاء صغير مع العميد، ينتهي بالعودة إلى الغرفة ذات الباب الأزرق. يبدأ الضباط بتنفيذ استنابة القاضي سعيد ميرزا الذي طلب التحقيق بالشكوى المقدمة من وزير الدفاع. محضر التحقيق لا يتجاوز عدد صفحاته الأربع. خلاصته إصراري على عدم كشف المصدر. ينتهي المحضر، لتليه ساعتان من الانتظار، تخللتها نقاشات حول نظرة المواطنين والإعلام إلى فرع التحقيق في مديرية استخبارات الجيش، وحديث امتد إلى ما سيرد في القرار الظني الذي ستصدره المحكمة الدولية. يصر الضباط على إحضار طعام، أعتذر وأرفض شاكراً.
في بداية التحقيق الرسمي، سُمح لي بإجراء اتصال هاتفي بالعائلة. تخبرني شقيقتي أن الوزير اتهمني بالعمالة. قلت: «ربيب إيلي حبيقة يتهمني بالعمالة»!.
إنها الساعة العاشرة مساءً. أوقع على سند إقامة. يخرجني الضابط «الشرير» من الغرفة إلى السيارة. يترك معي علبة سجائر قائلاً: اتركها معك للذكرى. وقد ترغب في التدخين في رحلة العودة.