ساعات الصباح لم تكن تحمل معها أي جواب حول مصير المسلسل، لكنّ القرار بإيقافه كان قد اتخذ منتصف ليل الخميس الجمعة وقد وضع وزير الداخلية في الجو ونقله الى رئيس الجمهورية قرابة الثانية عشرة ليلاً. فيما كان مقرراً منذ ذاك اليوم عقد رئيس اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام المطران بشارة الراعي مؤتمراً صحافياً لاستنكار عرض المسلسل وطلب توقيفه لا سيما وأنه «يمس بسرّ المسيح والعقيدة المسيحية ويؤسس لفتنة طائفية ومذهبية ويضرب الميثاق الوطني والعيش المشترك»، بحسب ما صرّح به الراعي أول من أمس.
وكان المطران رولان أبو جودة وأبو كسم قد لفتا رئيس الجمهورية ميشال سليمان، أثناء زيارته إلى الديمان أول من أمس، حول نية البعض بتنظيم تحركات اعتراضية لأن المسلسل يحمل «تشويهات لا هوتية». فكلّف الوزير زياد بارود بمتابعة الموضوع وإيجاد الحلول له، للحؤول دون تداعياته على أن لا يعالج بطريقة المسّ بالحريات الإعلامية.
تبلّغ فضل الله من بارود جوّ الاعتراض، فأعرب عن انفتاح القيمين على قناة «المنار» لمعالجة الموضوع.
لم تنقل وسائل الإعلام أياً من هذه الأجواء، بل سخّرت نفسها لسجال لم يفهم منه ما إذا كانت القناتان قد تأخرتا في عرض المسلسل على المعنيين المسيحيين، أم هؤلاء تأخروا في إبداء ملاحظاتهم عليه حتى بثت منه أول حلقتين.
وتقدّم خبر المسلسل على أخبار البلد الأخرى، والتصريح بالاعتراض لم يشمل الملاحظات الحسية عليه، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، إلى الاتهام بالفتنة والتشكيك بالنيات والخوف على «البيعة» وتصويرها على أنها مستهدفة... وإذ أريد عودة الأمور إلى نصابها، كانت النبرة عالية في الدعوة إلى المؤتمر الصحافي وفي الحشد له. وعلى عكس المعهود في لبنان سخّرت الطائفة للسياسة، في حين تُسخّر السياسة للطائفة في كل الأوقات... وتمّ التجييش للمسيح في وجه «خطأ» القناتين!.
وكان إصرار على تظهير تلك الصورة عبر الوسائل الإعلامية، التي لعبت على وتر التشويق كل لحظة بلحظة... وكانت تطرح السؤال وتعد بجواب له بعد وقت، ثم تبث المعلومة ونفيها بعد حين. ومن تلك الأسئلة هل يحضر وزير الاعلام المؤتمر الصحافي تلميحاً لدعمه لموقف المركز الكاثوليكي للاعلام؟ وهل سيعقد المؤتمر الصحافي أصلاً؟ هل أرغم الأمن العام القناتين على وقف بث المسلسل؟ أم أنهما عكفتا عنه بقرار مشترك؟
لم يصوّب أحد من المعنيين معلومات تلك الوسائل بل تركت «تسرح وتمرح» وهي تعزف على وترين: الدين والسياسة. وكان أحدهم يصرخ «أوقفوه أوقفوه» فيما هو يعلم أن القرار بتوقيف المسلسل قد اتخذ فجراً. وأن الشمس التي يصدح تحتها لن تغيب على حلقة جديدة منه.
ما كان يجري في الكواليس هو نقيض ما ظهّرته الوسائل الإعلامية، فقد نجح رئيس الجمهورية بتبريد سخونة المواقف بحكمة. وساعات الفجر الأولى حملت معها قرار وقف عرض المسلسل وذلك بعد اتصالات جمعت بارود وفضل الله وأبو كسم... وقد خلصت القناتان إلى قرارهما «استيعاباً للخصوصيات». وتردد أن الرئيس سليمان اتصل شاكراً للموقف كلاً من رئيس مجلس النواب نبيه برّي والنائب فضل الله.
في اتصال مع السفير، أشاد بارود بالتجاوب الكامل من قبل المعنيين «الذين أبدوا حرصاّ كاملاً على مراعاة المجموعات المختلفة وخصوصياتها وعلى رأسهم الرئيس بري والنائب فضل الله وقيادة حزب الله».
من جهته، لفت فضل الله إلى أنه قطعاً للطريق على اية محاولة للاستغلال والتوظيف السلبي والاستفادة في اتجاهات مختلفة، «كنا اتخذنا قراراً بوقف المسلسل على الرغم من أن لدينا وجهة نظرنا حيال المقاربة التي كان يقدّمها المسلسل والتي كانت تمجّد النبي عيسى».
واعتبر مدير عام قناة «أن.بي.أن» قاسم سويد أن المشاهد خسر قيمة فنية كبيرة ولم يعط فرصة المشاهدة للحكم على المسلسل، معلناً أن مدير عام الأمن العام اللواء وفيق جزيني لعب دوراً ايجابياً كما وزير الإعلام الذي تابع الموضوع لحظة بلحظة.
في الختام يسجل لسليمان دوره الايجابي في معالجة الموضوع، وللمحطتين انفتاحهما على الحلّ، أما للمطران بشارة الراعي فإطلالة إعلامية مميزة «شغلت» البلد ليومين.
تجدر الملاحظة إلى أن بعض المتابعين للموضوع رأوا أن قرار المحطتين أو الجهتين السياسيتين اللتين تتبعان لهما، «أمل» و«حزب الله» تمّ اتخاذه لعدم إحراج حليفهما المسيحي «التيار الوطني الحرّ»، وقد تابع موضوع المسلسل كل من النائب نبيل نقولا والوزير جبران باسيل. بينما وجدوا أن الراعي «يؤسس» للمرحلة المقبلة من حياته الأسقفية.
اذا كان الفجر قد بزغ على الحلّ، من استفاد من يوم إعلامي صاخب؟ وماذا لو حدث العكس؟
مادونا سمعان