«إيه نعم، سافر». بهذه العبارة يجيب أبو عبد عن سؤال قريبته عن ابنه علي. جاء صوته لاهثاً بعد صعوده خمس طبقات على قدميه، وهو الذي يعاني من مرض القلب. يمسح عرقه بمنديل ورقي، ويتابع كلامه «شو بدو يبقى يعمل هون؟ يرفع ديجنتير ويتكّ ديجنتير». علي الذي سافر إلى السويد، ثلاثيني. متزوّج وله أولاد. باع بيته والأثاث وهاجر إلى بلد لا يعرف عنه شيئاً. يعرف فقط أنه هناك قد يستطيع تأمين مستقبل أفضل لأولاده.
يمرّ هذا الحديث عابراً في منزل حسين حيدر في برج البراجنة، ليل أول من أمس. لكنه لا يمكن إلا أن يعلق في الأذهان. أبو عبد يحكي عن ابنه علي الذي نجح في السفر، في منزل فراس الذي حاول السفر، وفي حضور صديقه الذي جاء قبل أيام من ألمانيا وسيعود إليها بعد انتهاء شهر رمضان. تنظر حولك في الغرفة الصغيرة فتشعر بأن الجميع هنا معلّق على دولاب طائرة. يمكنك أن تتخيّل ماذا كان ليحدث لو أن فراس نجح في ما خطّط له.
الجالسون في الغرفة كانوا قد حضروا للمواساة بعد الإعلان عن وصول جثمان فراس حيدر إلى مطار بيروت. لكن أحداً من أهل المنزل لم يكن موجوداً إلا علي، الشقيق الكبير لفراس. بقية أفراد العائلة رضخوا للضغوط ونزلوا ضيوفاً عند الأقارب كي لا يكونوا وحدهم.
يستقبل علي المواسين، الذين لم يعرفوا أين سيقدّمون واجب العزاء. منهم من عرف أن الجثة وصلت من خلال رسالة إلكترونية وصلته عبر الهاتف، ومنهم من سمع منادي المسجد يعلن موعد الدفن في اليوم التالي في بلدته الجنوبية مركبا. يخبر علي تفاصيل الإجراءات التي سيشهدها يوم الدفن (أمس) ويعتذر عن الإجابة عن أي سؤال يتعلق بشقيقه. «اسألوا أمي وأبي، إذا استطاعا الكلام».
علي (جامعي)، كبير أربعة إخوة. فراس (كان يدرس المحاسبة والمعلوماتية)، وسيم (الثانوي الثاني)، فاطمة (أول متوسط) ومهدي (خامس ابتدائي). الوالد حسين يعمل سائق تاكسي. والأم هناء، ربّة بيت. حرصت على إدارة شؤون بيتها الصغير وفق الإمكانات. هذا ما تقوله عنها نساء قريتها اللواتي يصفنها بالقديرة والصابرة.
الصفة الأخيرة تشبهها كثيراً وهي التي احترق قلبها قبل 39 يوماً، وصبرت في انتظار أن يصل جثمان ابنها إليها. وصبرت أمس وهي تنظر إلى تابوته من خلف زجاح السيارة التي ستقلّه إلى مركبا. «لم أره. ما خلّوني» تقول. عيناها متورّمتان من البكاء كأنها سمعت خبر الوفاة أمس، لا قبل شهر وأسبوع. التأخير في وصول الجثمان جدّد العزاء.
محمود شحيمي، قريب العائلة، يعيد سبب التأخير إلى الإجراءات القانونية والروتين الإداري. ثلاث مرات أعلن عن موعد تسلّم الجثمان، ثم أجّل. كلّ يوم يطلبون ورقة مختلفة، أو يقدمون حجة جديدة. في البداية كانوا ينتظرون الانتهاء من التحقيق، وبعدها صارت المعاملات الإدارية هي المشكلة، وآخرها كان تحديد اسم الشخص الذي سيتسلّم الجثمان، إضافة إلى الحقيبة التي كان يحملها. وهنا لا يفوت شحيمي، وأفراد العائلة، الإشارة إلى أن الجالية اللبنانية في السعودية هي التي أمّنت كلفة نقل النعش على متن الطائرة التي أقلّته ليل أول من أمس، فيتوجهون بالشكر لها، كما إلى السفير اللبناني مروان زين «الذي تصرّف تصرّفاً إنسانياً». شحيمي يقول إن «كلّ هدف فراس كان الوصول إلى أيّ بلد أجنبي. هو لم يكن يعرف أن الطائرة التي تعلّق بها ذاهبة إلى السعودية، وكان يعتقد بأنه سيصل حيّاً وخصوصاً أنه كان قد اطّلع على قصة مماثلة عبر الإنترنت». ويرجح أن يكون فراس قام بما قام به لأنه كان يرغب في السفر والعودة ناجحاً بشكل يتيح له تحسين وضع أهله «لكن مع الأسف، الشي اللي عمله لم يكتب له النجاح، وصل جثة إلى مطار الرياض»، موضحاً أن التقارير الشرعية أكدت أن وفاة فراس جاءت نتيجة نقص في الأوكسيجين مع بعض الرضوض، وأنها تمت في الفضاء. ويسأل عن سبب عدم تأخر إقلاع الطائرة مع أن أكثر من راكب رأوا فراس وأبلغوا عنه، لماذا لم يتصل ببرج المراقبة؟ لماذا لم يهبط مجدداً؟ كلها أسئلة يجب أن نعرف إجابات عنها.
والدته تبحث عن إجابات لهذه الأسئلة، هي المتأكدة من أمر واحد، «فراس سافر لأن كان حابب يعمل شي لأهلو وإخواتو». تؤكد لها النسوة هذا الأمر عندما يحكين لها كيف رأينه في المنام. قالت لها قريبتها إن فراس زارها في المنام وقال لها: «قولي لأمي أن لا تبكي، وأن تسامحني». كما رأته خالته. كان باسم الوجه ويقود شاحنة مليئة بالهدايا. تنفرج شفتا الأم عندما تعيد السيدة ذكر هذا المنام أمامها، وتقول «هو فراس كان هيك. يحب أن يأتي بالهدايا للجميع». تذكر أنه كان يعمل في فندق الموفنبيك ويتقاضى نحو 500 دولار «لم يكن يشتري شيئاً لنفسه، كان يحب أن يدخل البيت وهو يحمل شيئاً لإخوته أو للبيت». خالته تقول إنه بهذا السلوك حرم أمه من أن تجد شيئاً خاصاً به يذكّره بها «حتى الثياب، كان يرتدي ملابس إخوته ويرفض أن يشتري ثياباً جديدة له» تقول.
الحديث عن فراس بهذا المضمون يريح الأم. تريد أن تعرّف الناس إلى ابنها الذي قيل عنه الكثير من أناس لا يعرفونه. شائعات كثيرة انتشرت، واتهامات وجّهت، والعائلة صامتة. لا يتكلمون خوفاً من عدم وصول الجثمان إليهم. أما وقد عاد فراس، فلم لا يحكون عن أحلام هذا الشاب «اللي كانت الدنيا مش سايعيتو. طموح وبدو يوصل. كان دايماً يقللي حابب أعمل شي». تذكر أمه ابتسامته الدائمة التي تزيّن وجهه وحلمه بالسفر إلى أميركا «وكنت أقول له دائماً خلّص دراستك وسافر».
في الأيام الماضية، لم يعد فراس إلى الحديث عن السفر. كان قد تقدّم إلى الامتحانات الرسمية في المحاسبة والمعلوماتية، وينتظر النتيجة. أخبر أمه أنه أخفق في مادة واحدة، لكنه لم يبد قلقاً أمامها. هي كانت تتمنى نجاحه، لكن النتيجة التي صدرت قبل أيام حاملة النتيجة معاكسة لم تزعجها «كنت رح انقهر أكثر» تقول وكأنها تواسي نفسها. ثم تعود إلى حديث السفر، تؤكد أنها لم تشكّ 1% في احتمال أن يكون فراس هو الشاب الذي أُعلن عنه لولا صديقه. «اتصل صديقه بعلي وقال له إن فراس كان قد أخبره بأنه ينوي السفر إلى فرنسا بهذه الطريقة». الصديق لم يأخذ كلام فراس على محمل الجدّ، اعتبره يمزح فلم يخبر أحداً به، إلى أن سمع الخبر. «ليته جاء وأخبرنا» تختم حديثها.
لم يزر مركبا منذ الربيع
مركبا ــ داني الأمين
عاد فراس حيدر محمولاً على الأكفّ، الى بلدته مركبا، التي تجمّع أهلها للمشاركة في التشييع. في تمام الساعة الرابعة من عصر أمس، شيّعت جثّة فراس التي عثر عليها معلّقة في إطار الطائرة السعودية، إلى المثوى الأخير في جبانة البلدة، وسط حضور لافت من أبناء البلدة وخصوصاً الآتين من بيروت، إضافة الى مشاركة من أبناء القرى والبلدات المجاورة.
وقد أمّ الصلاة عن روح الفقيد إمام البلدة السيد حيدر الحسني. وكما الحزن خيّم على البلدة، فإن الصمت كان سيد الموقف عند أسرة فراس، فيما أكد عدد من أبناء البلدة المقرّبين من العائلة، أن «كل ما تحدثت به وسائل الإعلام عن الأسباب التي جعلت فراس يتعلق بالطائرة هي أخبار لا حقيقة لها، فهذه الأسباب أصبحت لغزاً دفن مع فراس، ولا أحد يعرفها سوى فراس». ويجزم أبناء مركبا بأن «الفقيد كان مهذباً وعاقلاً وليس مجنوناً أو مصاباً بعاهة عقلية، وهو كان يتردد من حين إلى آخر على البلدة. لذلك، فإن طريقة وفاته أحدثت صدمة عند الأهالي هنا، الذين شاركوا جميعاً في التشييع»، لكن ما يمكن جزمه، بحسب أحمد عطوي أن «وفاة فراس كانت لأسباب اقتصادية، بعدما تأزم وضع أبيه الاقتصادي، وهذا يفسّر حالة شباب اليوم الذين يريدون العمل أو الهجرة بأي طريقة كانت».
ويروي أحد تجار البلدة أنه «يعرف فراس جيداً، فهو الذي كان يأتي على دراجته النارية لشراء بعض حاجاته، عندما يكون في البلدة». وتقول زوجة عم فراس «فراس شاب مهذّب ولا سوابق سيئة له، وهو كان يتردّد أسبوعياً الى هنا، وكان يرافق مجموعة من الشباب الذين يأتون معه من بيروت الى هنا، وهو ليس مصاباً بأي مرض ولا يبدو عليه كذلك، لكنه منذ مطلع الربيع لم يأت الى البلدة».