في اليوم الثامن، سلّم حزبُ الله المدعي العام في المحكمة الدولية القاضي دانيال بلمار، عبر القضاء اللبناني، القرائن التي كان قد أدلى بها الأمين العام للحزب السيّد حسن نصر الله قبل أكثر من أسبوع، واتهم بها إسرائيل بالضلوع في اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وسيمثّل هذا الإجراء، بناءً على طلب بلمار، أفضل فرصة جدّية للمدعي العام كي يؤجل صدور القرار الاتهامي بضعة أشهر إلى ما بعد السنة الجديدة، بعدما كان رئيس المحكمة الدولية القاضي أنطونيو كاسيزي قد لمّح إلى توقع صدور القرار قبل نهاية السنة الجارية، ثم أوحى لمَن راجعه في دوافع إعلانه هذا ـــــ وهو يدخل في اختصاص بلمار وصلاحياته دون سواه ـــــ أنه يتوخى حضّ المدعي العام على استعجال إصدار القرار الاتهامي. سمعت هذا التبرير شخصيات لبنانية قانونية بارزة على صلة دائمة بالمحكمة الدولية.
وسواء عُدّ تصرّف حزب الله خبراً مفرحاً أو لا، في معرض إبراز تجاوبه مع طلب بلمار أولاً، ثم انسجاماً مع جدّيته هو في السعي إلى كشف مسؤولية إسرائيل ـــــ كفرضية محتملة ـــــ عن اغتيال الرئيس السابق للحكومة، فإن الخبر المحزن هو ما قد ينتظر مجلس الوزراء في جلسته اليوم، في بيت الدين، إذا أصرّ وزراء قوى 8 آذار على طرح موضوع شهود الزور، والطلب من مجلس الوزراء وضعه في سلّم أولوياته، بدءاً بإحالته الملف على القضاء اللبناني ثانياً. تالياً نقل السجال على المحكمة الدولية والقرار الاتهامي، ومعهما على شهود الزور، من الوسطين السياسي والإعلامي إلى قلب السلطة الإجرائية بكل تناقضاتها. وهو أمر يشير إلى إرباك حتمي لمجلس الوزراء، إذ يقرّر الخوض فيه، بسبب تعذّر توصّله في جلسة اليوم الأربعاء، كما في أي وقت آخر مستقبلاً، إلى تحقيق توافق بين رئيس الحكومة سعد الحريري وحلفائه الوزراء، وبين وزراء الطرف الآخر، على وضع هذا الملف في عهدة القضاء اللبناني.
ويرتبط هذا الإرباك بالمعطيات الآتية:
1 ـــــ إن الخلاف على شهود الزور، كما الخلاف على القرار الاتهامي، بين أفرقاء حكومة الوحدة الوطنية من شأنه إحراج لبنان على أبواب السنة الثالثة من عمر المحكمة الدولية في آذار 2011. ذلك أنه سيتعيّن على مجلس الوزراء قبل ذلك التاريخ، كما على مجلس النواب، تجديد لبنان تسديد حصته في تمويل المحكمة الدولية البالغة نسبتها 49 في المئة من أجل المضي في أعمالها وكشف قتلة الحريري الأب. وكان لبنان قد سدّد حتى الآن قسطين بهذه النسبة عن عمل المحكمة الدولية في سنتيها الأوليين عامي 2008 ـــــ 2009 و2009 ـــــ 2010. أما الرصيد الجديد فيستحق في آذار المقبل. إلا أن الخلاف بين قوى 8 و14 آذار داخل حكومة الحريري يضع تخصيص المبلغ في مهب الريح، نظراً إلى أن السابقة المحيطة بالمحكمة الدولية الخاصة بلبنان، تجعله يموّل نسبة قريبة من النصف، والدول الأخرى التي يزيد عددها على 20 دولة تموّل نسبة 51 في المئة، بغية تفادي هيمنة البلد المعني ـــــ وهو لبنان ـــــ على عمل المحكمة الدولية.
كانت بعض الدول قد دفعت قسطي السنتين الأوليين، وتعهّدت دول أخرى دفع القسطين نفسيهما ولم تفعل، ودول ثالثة التزمت دفع قسط السنة الثالثة الذي لم يحن بعد، وهي السنة الأخيرة للمحكمة الدولية تبعاً لما ينص عليه قرار مجلس الأمن 1757 من عام 2007 المتعلق بإنشائها.
وهكذا، في ظلّ الانقسام الداخلي وغياب الإجماع الوطني على المحكمة الدولية، شأن غياب الإجماع الوطني على سلاح حزب الله، يصبح متعذراً على مجلس الوزراء اتخاذ قرار المشاركة في تمويل المحكمة الدولية، تحت وطأة شكوك فريق رئيسي في حكومة الوحدة الوطنية في مسارها وجدّية رغبتها في كشف قتلة الحريري الأب. وخلافاً لحكومة الرئيس فؤاد السنيورة عندما فرضت في غياب الرئيس إميل لحود واستقالة الوزراء الشيعة الخمسة ـــــ بالتعويل على الغالبية الحكومية الموالية ـــــ طلب تأليف محكمة دولية عام 2005، وكذلك طلب إقرار المحكمة الدولية تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وانطلاقها عام 2007، لا يسع حكومة الحريري خيار كهذا. وما يتطلبه مجلس الوزراء، يتطلب نظيره مجلس النواب المدعو بدوره إلى الموافقة على تمويل السنة الثالثة من المحكمة الدولية، لكون المبلغ سيقتطع من الموازنة العامة الخاضعة للرقابة كما إقرارها لسلطة البرلمان.
ورغم أن صدور القرار الاتهامي حتى آذار 2011 احتمال وارد، إلا أن إدخال الخلاف على المحكمة الدولية إلى مجلس الوزراء على نحو مبكر كهذا، يعكس اتجاهاً لم يعد ضمنياً ولا مستوراً لدى حزب الله وحلفائه، وهو أن الأوان قد يكون حان لبدء معركة تفكيك المحكمة الدولية، سواء صدر قرار اتهامي برأ حزب الله من اغتيال الرئيس الراحل، أو قرار آخر جرّمه، أو لم يصدر القرار الاتهامي على الإطلاق.
بذلك تصبح مواجهة القرار الاتهامي جزءاً من مواجهة أكثر اتساعاً وأعمّ خطورة، كذلك الأمر بالنسبة إلى فتح ملف شهود الزور الذي لم يعد يعني، في نهاية المطاف، إلا تقويض ما بقي من مرحلة 2005 ـــــ 2008 برموزها بعد ملفاتها.
2 ـــــ إلى الآن، بعد سنتين على إبصارها النور في آذار 2008، ووضعها موضع التنفيذ في حزيران 2008، لم يسع المحكمة الدولية إلا تأسيس ملاكها وموظفيها وتأهيل مبناها ووضع قواعد عملها الإداري، ولم تنجز في نطاق مهمتها المعلقة حتى الساعة على صدور القرار الاتهامي، إلا قرارين لا ثالث لهما: الأول إطلاق الضباط الأربعة من الاعتقال التعسفي في 29 نيسان 2009، بعد ثبوت بطلان التهمة التي سيقت إليهم وبرّرت اعتقالهم في 30 آب 2005. والثاني التئام المحكمة الدولية في 14 تموز 2010، بناءً على طلب اللواء الركن جميل السيّد، حاضّاً على تزويده الملفات المتعلقة بإفادات شهود الزور الذين سبّبوا الاعتقال التعسفي، وتجاهلت المحكمة الدولية محاكمتهم على تضليلهم التحقيق في مراحله الأولى. إلا أن المحكمة الدولية استمهلت حتى النصف الأول من أيلول لإجابة السيّد إيجاباً أو سلباً عن طلبه، بناءً على قرار قاضي الإجراءات التمهيدية في المحكمة الدولية دانيال فرانسين.
والواقع أن المحكمة الدولية باتت، إلى حدّ، أسيرة تجاذب المواقف المتناقضة منها، لبنانياً على الأقل، بين مؤيد لها ومتحفظ عنها.
واقترن هذا التجاذب ـــــ الموصوف بالسخونة المقلقة ـــــ باحتمال نشوب نزاع مذهبي سني ـــــ شيعي في حال اتهام أعضاء في حزب الله باغتيال الرئيس الأسبق للحكومة. بل بدأ الترويج لتأجيل إصدار القرار الاتهامي في الموعد المرجّح، بمثابة تأثر مباشر بالمخاوف الشائعة في لبنان عن الفتنة المعلقة على القرار الاتهامي. على نحو مماثل استعجل أفرقاء قوى 14 آذار الإفادة من قرار ظني لم يصدر كأنه ظهر، وتالياً التجريم المبكر لحزب الله.
3 ـــــ بات التلازم محكماً بين القرار الاتهامي وشهود الزور، وهما المعركتان المحتملتان اللتان قرّر حزب الله وحلفاؤه خوضهما في المرحلة المقبلة. ولم يتردّد الحزب منذ المؤتمر الأول لأمينه العام، في 15 تموز الماضي، في إبراز الوجه الجديد للمواجهة مع الطرف الآخر، إلى أن بلغت الذروة في المؤتمر الصحافي الأخير في 9 آب المنصرم، عندما وجّه الاتهام إلى إسرائيل، مقروناً بما وصفه نصر الله بقرائن ومعطيات.
بيد أن هذا التصعيد ارتبط أيضاً بانقطاع الحوار بينهما منذ وضع الأمين العام للحزب شرطاً لاستقبال رئيس الحكومة، هو اتخاذه موقفاً من القرار الاتهامي من غير أن يحدّد ماهية الموقف الذي يطلبه من الحريري. ردّ فعل الأخير إصراره، في الأيام الأخيرة في إفطارات رمضان، على التزام الصمت ورفض استدراجه إلى موقف لا يريد الإدلاء به، إلا في التوقيت الذي يرتئيه. إلا أن الحريري رفع تدريجاً من وتيرة الكلام عن إسرائيل، واتهامها بالسعي إلى إذكاء فتنة في لبنان والتدخّل في الشؤون اللبنانية. في المقابل، حافظ نواب تيّار المستقبل على الوتيرة العالية من الانتقادات المتلاحقة واليومية، مذ مذاك، لما أدلى به نصر الله. وبدا هؤلاء يتكلمون نيابة عن رئيس الحكومة، في مرحلة لم يعد فيها حزب الله ـــــ ولا توهّم قبل ذلك مرة ـــــ يميّز بين ما يقوله رئيس الحكومة ومّا يقوله نواب التيّار الذي اختاره بالإجماع رئيساً له. الأمر الذي آل إلى الانتقال بالمشكلة من الاشتباك بالواسطة، إلى الاشتباك المباشر في مجلس الوزراء، على الملفين الأكثر استفزازاً للحريري.
الحريري طالب ساركوزي بتأجيل القرار الاتهامي
يجتمع مجلس الوزراء اليوم في المقر الصيفي لرئاسة الجمهورية في بيت الدين، في جلسة عادية لمناقشة جدول أعمال عادي بحسب ما صدر عن الأمانة العامة لمجلس الوزراء. وجاءت الدعوة الى جلسة عادية لقطع الطريق على أي جهة راغبة في عقد جلسة استثنائية للحكومة، كان مفترضاً أن تعقد يوم الاثنين الماضي لو وافق الرئيس سعد الحريري، العائد من رحلة استجماميّة.
وتبيّن أن إصرار الحريري على عدم الدعوة الى جلسة استثنائية ما هو إلا تأكيد لرفضه البحث في موضوع المحكمة الدولية والقرائن التي أعلنها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله على اعتبار أن لبنان لا يتدخل بعمل المحكمة والتحقيق الدولي. كذلك رفض الحريري تحويل هذه الجلسة الى مناسبة لإعادة مناقشة علاقة لبنان بالتحقيقات الدولية، وفتح ملف شهود الزور، إذ يرى الحريري أن لبنان غير معنيّ بهذا الملف وهو من اختصاص المحكمة الدولية حصراً.
وبحسب مصادر متابعة، فقد مثّل طلب المدّعي العام الدولي دانيال بلمار الأدلة والمعطيات التي كشف عنها نصر الله «حبل نجاة لفريق 14 آذار الوزاري الذي كان سيجد نفسه أمام مأزق التعامل مع هذه التطورات وخطورة عدم التعامل واتخاذ القرارات بشأنها».
وتقول المصادر إن موقف بلمار «لم يكن من فراغ، إذ إن الرئيس الحريري أثار الأمر مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الأسبوع الماضي، طالباً منه التدخل لدى المدّعي العام للمحكمة الدولية للتصرف حيال ما كشفه نصر الله، لأسباب من أهمّها الحفاظ على صدقيّة المحكمة وحضورها بهذا الملف بعدما تحوّلت الى معركة رأي عام، وهذا ما حصل».
وإثر عودته الى بيروت، عاد الحريري وشدّد على مناصريه من كل المواقع عدم التطرق الى ملف المحكمة، وتولى هو الحديث عن أن موقفه سيعلن متى أراد هو، بينما أعد الأمر لنقاش خاص خلال اجتماعه ليل الأحد ـــــ الاثنين مع المعاون السياسي للأمين العام لحزب الله الحاج حسين الخليل. وقد سارع رئيس الحكومة الى الطلب من الخليل أن يعمد حزب الله الى تسليم ما لديه من قرائن وأدلة تدين إسرائيل للقضاء اللبناني، فكان أن حصل على الموافقة التي يبدو أن حزب الله قررها قبل موعد الاجتماع، والتي تلاها ما ورد في البيان الصادر عن العلاقات الإعلامية للحزب أمس، أي قيام مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في الحزب وفيق صفا بزيارة المدعي العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا، وتسليمه نسخة عن المعطيات والقرائن المذكورة، وأن حزب الله يضع ما لديه في عهدة القضاء اللبناني وأنه ليس معنياً بالتحقيق الدولي، الذي بات موقفه منه معروفاً للجميع، بينما كان ميرزا نفسه قد طلب من الأجهزة الأمنية كلها تزويده بمعلومات عن العميد المتقاعد الفار غسان الجد الذي أشار نصر الله الى احتمال تورّطه في جريمة اغتيال الحريري.
أما الموضوع الآخر الذي لم تظهر له نتيجة بعد، فهو المتعلق بملف شهود الزور، وعلم أن معاون نصر الله لم يحصل من الحريري على جواب عن كيفية التعامل مع الملف، برغم أنه أبلغه نية وزراء المعارضة المطالبة بفتح تحقيق في الأمر.
وفي المعلومات، فإن الجلسة ستستهلّ كما العادة بمداخلة لكل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة تتناول آخر التطورات السياسية، بعد ذلك سيكون لدى وزراء المعارضة طلب مباشر بالكلام عن شهود الزور. وقال مصدر وزاري معني إنه سيقال صراحة إنه «يجب فتح ملف الشهود جميعاً، لا محاسبتهم فقط، بل التحقيق معهم أيضاً لمعرفة من وراءهم، وأن يبدأ البحث بشهود الزور الموجودين على الأراضي اللبنانية داخل السجن أو خارجه (أكرم مراد، إبراهيم جرجورة وأحمد مرعي)، وصولاً الى اتخاذ الإجراءات اللازمة لملاحقة شهود الزور الموجودين خارج الأراضي اللبنانية، وفي طليعتهم زهير محمد الصديق، وهسام هسام وعبد الباسط بني عودة.
وبحسب ما أكد مصدر وزاري، فإن وزراء المعارضة «لم ينسّقوا الموقف في ما بينهم، بخلاف ما أشيع، لكن وزراء حزب الله سيطرحون الموضوع، وسيحظون بتأييد وزراء المعارضة الآخرين، وسيجري تقديم اقتراح بتأليف لجنة برلمانية وزارية قضائية، لمحاسبة شهود الزور ومحاكمتهم». فيما لم يبتّ النائب وليد جنبلاط الموقف المفترض لممثّليه داخل الحكومة، علماً بأن جنبلاط سيزور دمشق خلال اليومين المقبلين.
الملف الآخر الذي سيطرح على طاولة مجلس الوزراء هو تسليح الجيش. وقال أحد وزراء المعارضة «إنه لا بد من إخراج هذا الملف من دائرة الفولكلور السياسي، وإبعاده عن المزايدات المكشوفة، حيث سيكون الطلب واضحاً: المقتنع بضرورة تسليح الجيش والمقتنع بدور الدولة في هذا الملف، عليه أن يترجم هذا الأمر من خلال الموازنة، لا من خلال أي أمر آخر.
(الأخبار)