مَن استدرج مَن في مجلس الوزراء أمس؟
هل وقعت المعارضة في فخ الاستيعاب المبرمج من جانب الفريق الآخر، عبر قبول مناقشة اقتراح محاكمة شهود الزور، ورمي الملف في حضن وزير العدل إبراهيم نجار المحسوب على 14 آذار ومن خلفه النائب العام التمييزي سعيد ميرزا المشكوّ من عدم حياديته في الملف، ومن ثم أجهزة أمنية محسوبة على الفريق نفسه، وبالتالي العودة إلى مسلسل الإطالة والتكتم والتضليل؟
أم هل وقع فريق المحكمة الدولية في فخ المعارضة، بأن استدرج إلى موافقة على ملف شهود الزور، ما سيضطر الحكومة إلى مطالبة هذه المحكمة بتسليمها المعلومات الموجودة في حوزتها عن الملف، ما يعني عودة لبنان عن قراره السابق بترك اختصاص الملف برمته إلى المحكمة الدولية؟
بمعنى آخر، هل استُدرج فريق المعارضة إلى رمي سلاحه بيد الخصم، أم أن فريق المحكمة استُدرج إلى فتح الباب لإعادة ملف المحكمة إلى القضاء اللبناني؟
هذه الأسئلة مردّها ما حصل في مجلس الوزراء أمس، حيث تبين لمصادر واسعة الاطلاع أن «خللاً ما» شاب سلوك وزراء المعارضة، وكان مدار بحث ليل أمس بين قيادات الصف الأول، بينما عبّر رئيس الحكومة سعد الحريري عن ارتياحه إلى مسار الأمور، وهو أكد من جديد أنه ليس في العالم من يؤثر على عمل التحقيق الدولي.
في قاعة الشيخ حليم تقي الدين في المقر الرئاسي الصيفي في بيت الدين، حيث عقدت الجلسة الأولى لمجلس الوزراء، منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، طرح وزير حزب الله حسين الحاج حسن، من خارج جدول الأعمال المتضمن 94 بنداً، قضية شهود الزور، مقدماً مطالعة قانونية مكتوبة على 3 صفحات، بشأن صلاحية القضاء اللبناني في ملاحقة هؤلاء الشهود. وقال إنه يطرح هذه القضية «من باب الحرص على التحقيق، لكونها قضية وطنية»، ودعا إلى محاكمة كل الذين شهدوا زوراً والتحقيق معهم، سائلاً: إذا كانت المحكمة الدولية تقول إنه لا علاقة لها بهؤلاء الشهود، فلماذا لا يُحاكمون؟ ووصف هذا الملف بأنه سياسي بامتياز، له تداعيات قضائية وأمنية وسياسية، وقال حرفياً: «معرفتنا بمن ضلّل التحقيق توصلنا إلى معرفة من ارتكب الجريمة»، واقترح تأليف لجنة وزارية لمتابعة القضية من وزير، أو وزيرين أو أكثر.
وتحدث بعده وزير الطاقة والمياه جبران باسيل ووزير الدولة يوسف سعادة، فأثنيا على المطالعة. ولفت الأول إلى أن موضوع شهود الزور سبّب مشكلة وأزمة في لبنان.
ومن الفريق الآخر، كان وزير العدل أول المتحدثين، فقدم مطالعة قانونية طويلة، رأى في نهايتها أن الملف قضائي، لكن بصفته الوزير المعنيّ يقترح متابعة الموضوع. ومما قاله إنه يريد درس هذا الموضوع من كل جوانبه القانونية، لأن القضاء اللبناني كان قد ادعى على محمد زهير الصديق، لكن يجب معرفة نوع الادعاء عليه في 13 تشرين الأول 2006 من النائب العام التمييزي، هل هو ادعاء بالإدلاء بإفادة كاذبة أم ادعاء بالمشاركة في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري؟ وبرر نجار بأنه يحتاج إلى تفاصيل أدق عن كل ما يتعلق بالمحكمة الدولية، والاتفاقيات التي وقعها لبنان في هذا المجال، لتكوين صورة أكثر وضوحاً عن هذا الموضوع.
وتدخل وزير الشؤون الاجتماعية سليم الصايغ قائلاً إنه سيأخذ الأمور إلى حيث هي في الواقع من دون أي تكاذب. ورأى أن مجلس الوزراء أمام 3 خيارات: أخذ صلاحية المحكمة الدولية، أو التسليم بصلاحيتها، أو البحث بإجراءات تتخذها الحكومة لمواجهة تداعيات عمل المحكمة.
الوزير الوحيد الذي قدم مداخلة مناقضة لأساس الموضوع، كان جان أوغاسبيان الذي قال: «مين قال إنو هناك شهود زور؟»، مطالباً بـ«انتظار نتائج عمل المحكمة الدولية لتحديد ما إذا كان هناك شهود زور».
لكن رئيس الحكومة أيد اقتراح نجار بمتابعة الموضوع، وقال إن ما يهمه على الصعيد الشخصي هو اكتشاف المجرم، لا الاقتصاص من شخص لم يقم بالجريمة. ورأى أنّ على وزير العدل أن يقوم بالإجراءات المناسبة لمعالجة ملف شهود الزور، مشدداً على أنه يجب ألا تكون هناك تغطية لأحد في هذا الملف، «لكن كل شيء يجب أن يكون قانونياً». ثم تطرق إلى المؤتمر الصحافي الأخير للأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، مشيداً بتسليم الحزب للوثائق التي عرضت في المؤتمر.
وفي نهاية النقاش، قرر مجلس الوزراء، بحسب المعلومات الرسمية التي أذاعها الوزير طارق متري، الطلب إلى نجار متابعة هذا الموضوع، «ولا سيما على الصعيد القانوني للحصول، حسب الأصول، على ما يتوافر من معلومات بهدف الإجابة عن عدد من الأسئلة التي طرحت، على أن ترفع هذه المعلومات إلى مجلس الوزراء فور تلقيها». بحسب ما جاء في المعلومات الرسمية عن الجلسة التي أذاعها وزير الإعلام طارق متري. وذكر متري أن مناقشة هذه المسألة «سادها الحرص على التخاطب بموضوعية وهدوء وعلى الحوار في كل المسائل مهما كانت صعبة أو حرجة»، وأن الوزراء الذين شاركوا في المناقشة أجمعوا «على أولوية السعي إلى معرفة الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه وغيرهم من الشخصيات اللبنانية وعدم استبعاد أي معطيات أو تساؤلات».
وبعيداً عن التساؤلات عمّا حصل وخلفياته، أعربت مصادر وزارية عن اعتقادها بأن الأجواء التي سادت الجلسة، متفق عليها ضمن سيناريو التهدئة، واصفة قرار تكليف نجار بمتابعة موضوع شهود الزور، بأنه بمثابة فتح سكة لاستكمال الملف لاحقاً.
تسليح الجيش
في شأن آخر، وفي غياب المتبرع الأول، الوزير إلياس المر، حضر في جلسة أمس موضوع الجيش وتسليحه، حيث تحدث رئيس الجمهورية ميشال سليمان عمّا جرى في العديسة، مشيداً بالجيش الذي «مارس دوره بشجاعة بما يتناسب مع القرار السياسي للحكومة اللبنانية مدعوماً من التفاف المواطنين حوله». ونوّه أيضاً «بمبادرة المقاومة إلى وضع قدراتها بتصرف الجيش». ثم دعا إلى متابعة تنفيذ الخطة الأساسية للتسليح كما جاء في البيان الوزاري، وإلى وضع خطة مساعدة ترتكز على مساهمات الدول واللبنانيين الراغبين في دعم الجيش، وتتضمن حملة سياسية وإعلامية مضادة لحملة تشكيك إسرائيل بالجيش وبالدعوة إلى عدم تسليحه.
وعن الانتقادات لحملة التبرعات الخاصة بتسليح الجيش، نقلت مصادر وزارية عن سليمان قوله إن الجميع يعلم بأن تسليح الجيش لن يكون من طريق التبرعات، وأن الأمر هو عبارة عن رد على إسرائيل التي تقول إن الجيش خرج عن المألوف برده عليها في العديسة، كذلك فإن متطلبات الوحدة الوطنية تستوجب ذلك.
ولفت أن متري أعلن بعد الجلسة أن موضوع فتح حساب في مصرف لبنان لم يبحث، مشيراً إلى أن دعم الجيش من أفراد ومجموعات ودول هو كما سماه سليمان «خطة مساعدة»، فيما الخطة الأساسية «هي التي أقرتها الحكومة ويضع تفصيلها المجلس الأعلى للدفاع». وعندما سئل عن إعلان وزير الدفاع سابقاً أن مختصين من قيادة الجيش سيحضرون الجلسة لمناقشة برنامج تسليح الجيش، قال متري: «وزير الدفاع لم يكن موجوداً ولا غيره، هناك الكلام الذي قاله فخامة الرئيس». مع الإشارة إلى أن مكتب المر وزع ليل أمس، خبراً يفيد بأن الأخير غادر أمس إلى أوروبا لاستكمال علاج بدأه قبل 3 أسابيع وسيعود خلال الأيام القليلة المقبلة.
الشراكة بين القطاعين العام والخاص
أما التوافق الواضح، فظهر خصوصاً على البند الأكثر إثارة للجدل على جدول أعمال جلسة بيت الدين، وهو مشروع قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص. فبعدما أعرب أكثر من طرف سياسي عن رفضه لهذا المشروع، عمد رئيس الجمهورية خلال الجلسة إلى نزع الفتيل، قائلاً إن المشروع يتسم بحساسية كبيرة، وبالتالي يستأهل المزيد من الدرس، ما يفرض إعطاء الوزراء الوقت الكافي قبل عرضه على مجلس الوزراء مجدداً. فوافق الحريري مباشرة، واقترح أن يشارك الوزراء المعنيون والمهتمون في اجتماعات سيعقدها المجلس الأعلى للخصخصة لإعادة درس المشروع ومناقشته تمهيداً لعرضه مجدداً في جلسة مقبلة.
والمعروف أن هذا المشروع يصادر صلاحيات مجلس النواب وينطوي على تعديل دستوري مبطن، إذ إنه يجيز إبرام عقود ومنح امتيازات ونقل احتكارات عامة إلى القطاع الخاص دون الالتزام بالأحكام الدستورية التي تفرض إقرار قانون في البرلمان عند كل عملية من هذا النوع.
وبحسب المشروع، فإن قطاعات واسعة ستكون مفتوحة أمام المستثمرين، منها السجون والثكن والكهرباء والمياه والطرق والمستشفيات والمدارس والملاعب والمحميات الطبيعية وغيرها، علماً بأن الشراكة مع القطاع الخاص هي شكل من أشكال الخصخصة المقنّعة التي تهدف إلى منح الشركات الخاصة والمستثمرين فرص جباية أرباح طائلة على حساب المال العام وحقوق المواطنين.
ويزعم مشروع القانون أن الشراكة مع القطاع الخاص في تنفيذ مشاريع البنى التحتية، يفرضها عجز الدولة عن تحمّل أعباء الإنفاق الاستثماري من دون اللجوء إلى زيادة الدين العام أو زيادة الضرائب، وذلك في تناقض تام مع الخطاب السابق الذي كان يرى أن مشاريع الإعمار لم ترتب أي زيادة على الدين العام باعتبار أن قيمتها الإجمالية لم تتجاوز 8 مليارات دولار منذ عام 1992 حتى اليوم، فيما الدين الفعلي للدولة تجاوز 70 مليار دولار.
إلى ذلك، ذكر وزير الإعلام أن مجلس الوزراء قرر تكليف مجلس الإنماء والإعمار متابعة موضوع ترميم قصر بيت الدين، ووافق على زيادة مخزون القمح، وعلى تعيين العميد عدنان مرعب أميناً عاماً للمجلس الأعلى للدفاع.
كلام الصامت
وبعد مواقفه في مجلس الوزراء، واصل الحريري مساءً حديثه عن صمته عن الكلام، وفسّر في حفل إفطار اتحاد جمعيات العائلات البيروتية، هذا الصمت بأنه «لغة تعبّر عن نفسها أو تبحث عن أطراف الكلام بعبارات بسيطة، لا أرغب في أن تحمل أي شكل من أشكال التأويل، والتفسير». ورأى أنه رغم «الضجيج» الذي يواكب التطورات الأخيرة في ملف المحكمة الدولية، فإن بعض الأمور تتحرك في الاتجاه الصحيح «ومنها المعلومات التي أودعت النيابة العامة التمييزية». وجدد الالتزام بمسار التحقيق الدولي، وبالمحكمة الدولية «بصفتها الهيئة الصالحة لتحقيق العدالة». وبـ«خلاف هذا الخط العريض»، لم ير أن هناك «ما يوجب التعليق بأكثر من ذلك في الوقت الراهن». ونفى كل ما ينقل عنه أو ينسب إلى مقربين منه، حاصراً مواقفه بما يقوله شخصياً «أنا أتكلم باسمي».
وفي إفطار أقامته هيئة دعم المقاومة الإسلامية أول من أمس في دمشق، قال نائب الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، إنه لا أحد يستطيع اليوم، مع القرائن التي قدمها نصر الله أن ينفي اتهام إسرائيل. ورأى أن «آثار هذا الاتهام ستكون مدوية، أخذوا بالقرائن أو لم يأخذوا، قبلوا التحقيق أو لم يقبلوا، لأن كل مسار يكشف نتيجة، وهذه النتيجة ستكون ضد إسرائيل، وبالتالي ستثبت الأيام والأشهر المقبلة أن إسرائيل (...) لا يمكن أن تكون مستبعدة عن اغتيال الرئيس الحريري».
هيئة الحوار اليوم
وبعد انقضاء جلستي مجلسي النواب والوزراء، يبقى اليوم الاستحقاق الثالث في هذا الأسبوع، وهو انعقاد هيئة الحوار الوطني. وعلم أن رئيس الجمهورية استبق جلسة اليوم، بعقد اجتماع مع الزميل مصطفى ناصر للاطلاع منه على تفاصيل الاتصالات بين قريطم وحارة حريك، تحسباً لإثارة قضايا أخرى غير الاستراتيجية الدفاع على طاولة الحوار. وتوقعت مصادر أن تكون الجلسة المقبلة للهيئة يوم 15 أو 16 أيلول المقبل، أي بعد عيد الفطر وقبل سفر سليمان إلى نيويورك.
(الأخبار)
فتح الإسلام تؤكّد مقتل أميرها
أكدت حركة «فتح الإسلام» مقتل قائدها وذراعه اليمنى، بعدما أعلن الجيش اللبناني قتلهما السبت الماضي، وذلك في بيان نشرته مواقع جهادية، ونقله أمس مركز مراقبة هذه المواقع «سايت».
وأعلنت الحركة التي خاضت معارك دامية مع الجيش اللبناني في مخيم نهر البارد عام 2007 «استشهاد الشيخ المجاهد أمير فتح الإسلام أبي محمد عوض والأخ المجاهد القائد المهاجر أبي بكر مبارك». وذكرت أن القياديين قتلتهما «أجهزة الاستخبارات في الدولة اللبنانية» فيما كانا يتجهان إلى العراق للانضمام إلى صفوف «دولة العراق الإسلامية».
وكان الجيش قد أعلن السبت مقتل عبد الرحمن عوض، وتعرفه القاعدة باسم أبي محمد عوض، مع مبارك. وذكر ناطق عسكري أن «شخصين قُتلا على خلفية انتمائهما إلى خلايا إرهابية في ساحة شتورة»، موضحاً أن «دورية للجيش كانت تلاحقهما لأنهما مطلوبان إلى الدولة، فأطلقا النار عليها». وتابع أن كلاً منهما كان «يحمل ثلاث هويات مزورة».
وعوض، الذي يعتقد أنه لجأ منذ عام 2008 إلى مخيم عين الحلوة، متهم بـ«التحريض» على تنفيذ تفجيرين استهدفا الجيش في أيلول 2008 في طرابلس وأوقعا 21 قتيلاً، بينهم 13 جندياً.
وكان مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية صقر صقر، قد وافق أمس، على تسليم جثتي عوض ورفيقه، إلى ذويهما، بعدما انتهت الفحوص الطبية الضرورية. ونقلت الجثتان مساءً إلى مستشفى الهمشري في صيدا، على أن يُشيَّعا اليوم داخل مخيم عين الحلوة، وسط إجراءات أمنية اتخذتها الفصائل الفلسطينية لهذه الغاية.