آب اللهاب تجاوز حدوده كثيراً وبات لهيب حر "فحل الصيف" لا يطاق، ويكاد يلامس مناخ الخليج العربي وافريقيا والانحاء الحارة من عالمنا، الامر الذي لم يعتده اللبنانيون سابقاً، ولكن يبدو أن عليهم ان يتوقعوا الاكثر، خصوصاً متى تجاوزت درجة الحرارة في بلاد الصقيع والدب الروسي الـ 40 درجة مئوية واندلعت الحرائق في غاباتها الخضراء.
انه التغيّر المناخي، الذي يتجاهله اللبنانيون بغالبيتهم هم وحكومتهم، محاولين تجاوزه الى القضايا المصيرية الاكثر اهمية، وكأن جفاف ينابيع لبنان وتقلص حجم مصادره المائية ويباس ما تبقى من طبيعته الخضراء ليس بالامر المصيري، ولا يعني اللبنانيين، ويتناسون القول المأثور: "اذا غضب الله على قوم جعل صيفهم شتاءً وشتاءهم صيفاً".
يقول مدير مصلحة الابحاث الزراعية ميشال افرام الخبير في شؤون المناخ واحواله، "ان فصلي الخريف والربيع انتهيا الى غير رجعة في لبنان، الذي دخل في دائرة التغير المناخي الذي يضرب العالم. وعلى اللبنانيين ان يستعدوا للبدء بتغيير نظام حياتهم ومجتمعاتهم والتأقلم مع المعطيات المناخية الجديدة او التغير المناخي الذي يجتاح العالم، والذي حوّل باكستان والصين والهند سيولاً جارفة من الفيضانات المدمرة، وروسيا المجاورة للقطب المتجمد الشمالي الى غابات مشتعلة بلهيب الحرائق".
ودلالة على صحة ما يقوله، يدعو الى العودة بالذاكرة الى شهري كانون الثاني وشباط الفائتين حين وصلت درجة الحرارة غير المسبوقة شتاءً الى 30 درجة مئوية وتسببت بموجة حر لم يعتدها اللبنانيون. ثم أعقبتها ايام من الامطار الغزيرة جداً تجاوزت كميتها خلال 24 ساعة معدل 80 ملليمتراً، وكانت تهطل على مدى شهر كامل في الايام العادية.
اكثر فئات المجتمع تأثراً بموجة الحر المرتفعة هم المزارعون في البقاع، والذين ادت موجة الحر المرتفعة منتصف تموز الفائت الى احتراق مواسمهم بصورة شبه كاملة، والادهى ان الكرامين كانوا قد عمدوا جرياً على عادتهم في تموز الى "تفريك" اشجار الكرمة، اي تخفيف اوراقها لكي تلوّحها اشعة الشمس، فكان ذلك سبباً اضافياً في احتراقها تحت لهيب موجة الحر المباغتة. وثمة ضحية اخرى للحر اللاهب هي البندورة التي يعتقد غالبية اللبنانيين ان اسعارها ارتفعت بسبب شهر رمضان، لكن الحقيقة ان موسم البندورة اللبنانية تعرض لهجوم مدمر من فراشة صغيرة اسمها "عثة الطماطم"، حملتها الريح من سهول اميركا الجنوبية الى اميركا الشمالية ومنها الى لبنان حيث حطت رحالها في البساتين المزروعة عند الساحل والمناطق المتوسطة الارتفاع، واكلت كل ما في طريقها من شتول بندورة، بحيث تتحول الشتلة من اللون الاخضر الى الاصفر وتموت تدريجاً. والانكى من كل ذلك ان هذه العثة تتكاثر بمعدل 12 جيلاً في السنة، اي بعدد اشهر السنة، وجحافلها وصلت الى اعالي الجبل اللبنانية التي يفترض ان تكون في منأى عنها بسبب برودة الطقس، لكن الحرارة المرتفعة التي تضرب كل المناطق سهلت وصول العثة الى البساتين الجبلية.
ويشرح افرام ان اللبنانيين اعتادوا ما يصفونه بـ"الشلهوبة" في فصل الصيف اي موجة حر تمتد خلال يومين او ثلاثة او اسبوع على ابعد تقدير، لكنهم لم يعتادوا الحر اللاهب طيلة شهر بكامله كما جرى في آب". ويضيف ان مقارنة بسيطة بين درجات الحرارة نهاراً في البقاع والجبال والتي تبلغ 36 او 40 درجة مع 13 درجة ليلاً، تظهر بوضوح ان مناخ لبنان لم يعد معتدلاً البتة".
ويلفت الى "ظاهرة اخرى لم يعتدها اللبنانيون، تتمثل في الغبار الذي يلفّ لبنان في صورة شبه دائمة على مثال المناطق الصحراوية ومناخ الشرق الاوسط، وهو ما سيؤثر في حياة اللبنانيين برمتها، اذ لا "بواحير امطار" يركنون اليها ولا دورة مناخية كاملة، وحتى الارصاد الجوية تقف عاجزة عن رصد التقلبات بين الصبح والعشية".
في حسابات مصلحة الابحاث الزراعية ان المعدل العام للامطار في لبنان تراجع بنسبة 20 في المئة عن السنين السابقة، وهذا ما جرى خلال فصل الشتاء الفائت. لكن الادهى ان كمية الامطار المتساقطة على الجغرافيا اللبنانية ليست واحدة، بل تختلف بين منطقة واخرى، واذا كانت المراصد سجّلت هطول 1000 ملليمتر على بيروت وضواحيها، فإن مراصد البقاع سجلت هطول كميات ادنى بكثير في البقاع والجنوب، الامر الذي يفرض على سكان البقاع التكيف مع هذا الوضع الجديد على ما يقول افرام، الذي يدعو مزارعي بعلبك الى استبدال زراعة القمح بالشعير لأنه يحتاج الى كمية اقل من المياه. اما الزيتون فيحتاج الى ما يسميه "الري التكميلي" لاعطاء الأشجار ما تطلبه من كميات مياه. لكنه يستدرك أن بساتين الزيتون الساحلية قد لا تكون في حاجة الى الري بسبب الرطوبة في المناطق المتاخمة للبحر.
الخبر الجيد وسط لهيب هذه الاخبار السيئة ان لبنان استعد لهذا التغير المناخي من خلال شبكة من مراكز الرصد المناخي الحديثة جداً تغطي كل الاراضي اللبنانية، ولا مثيل لها في الشرق الاوسط، وهي تقدمة من "شعب الولايات المتحدة الى اللبنانيين".
ويشرح افرام "ان هذه الشبكة تساهم في الانذار المبكر للمزارعين اللبنانيين من خلال مراقبة حركة الحشرات المرتبطة بالتغيرات المناخية على امتداد الاراضي اللبنانية. وتؤمن هذه المراكز الانذار المبكر من الحرائق ورصد مؤشرات اسباب اندلاع النيران، ومنها: مستوى الرطوبة والحرارة والهواء واتجاهات الريح وخصوصاً الرياح الشرقية الجافة المسبّبة للحرائق على نقيض الرياح الغربية المشبعة بالرطوبة". اما الخبر الثاني الجيد، على ذمة افرام، فهو ان "لا رابط بين الحر الشديد والزلازل، وقد ثبت علمياً ان نقص المياه الجوفية لا يتسبب بمشاكل في القشرة الارضية ولا يؤدي الى زلازل".
وفي رأي مصلحة الابحاث الزراعية، ان إهدار المياه لم يعد جائزاً في لبنان، ولا مفر من ترشيد استهلاك المياه وبناء السدود والحفاظ على كل نقطة مياه قبل ان يتحول البلد صحراء ويخسر غطاءه النباتي.