الذهول نفسه يغمر الجميع هنا، أمام مسجد برج أبي حيدر، فتية وشباناً ورجالاً وكبار في السن. يقفون بصمت، بينما يخاطب إمام المسجد المشيّعين. يستعير الشيخ جميل حليم (من جمعية المشاريع) أحاديث تحضّ المؤمنين على الصبر والسكينة. ويؤكد على تمسك الجمعية بألا يكون أبناءها أدوات فتنة وخراباً للبلد.
في الخارج، يقف من لم تتسع لهم باحة المسجد المحتشدة بالمصلين. يولّون وجوههم نحو القبلة، ويشرعون في أداء صلاة الجنازة. وإلى جانبي الطريق، كان شباب لا تتجاوز أعمار كثير منهم عمر الضحية، يمسحون عيوناً لوّنها الدمع بالأحمر، ويتمتمون عبارات الاستنكار.
في الجهة المقابلة كانت الأدلة الجنائية التابعة للشرطة العسكرية تقيس المسافة بين جانبي الطريق، وتعاين المكان الذي استقرت فيه بعض الرصاصات في الجدران القريبة. إلى جانبها عناصر من الجيش اللبناني، انتشرت بكثافة في محيط المسجد والطرقات الفرعية المؤدية إليه.
هذه العناصر ستواكب الجنازة، بحضور متواضع، على طول الطريق المؤدي إلى كورنيش المزرعة، وصولاً إلى جسر الكولا، ثم إلى الطريق الجديدة ثم إلى «مدافن الشهداء» في «قصقص». وستتولى أيضاً، بمساعدة من قوى الأمن الداخلي، فتح الطريق أمام سيارة إسعاف تابعة لـ«مجلس الأعيان» الكردي. في الجهة الخلفية من السيارة، وضع نعش الضحية، بعدما رفعته أكفّ المشيعين لأمتار. خلف السيارة التي تهادت ببطء بين الناس المتجمهرين على طرفي الطريق، رفع المشيعون قبضات في الهواء على وقع عبارة واحدة ظلّت تتردد بصوت مرتفع وغاضب طيلة مسير موكب التشييع: «لا إله إلاّ الله..».
بصوت أقل ارتفاعاً، تدور أحاديث سريعة بين مجموعات من الشبان تسير إلى جانب الموكب. لا شيء يبرر، بحسب هؤلاء، ما حدث ليل أمس الأول. تختلط في الأحاديث أخبار عن اعتداءات جرت على مسجد، وأخرى عن تأخر تدخل الجيش في السيطرة على الأرض. ما لن يفهمه هؤلاء كيف يمكن لحادث «فردي» أن يشلّ المنطقة بأسرها تحت نيران الرصاص والقذائف.
يتابع الموكب سيره على وقع الأحاديث الخافتة ونداء التشييع الغاضب. في منطقة الطريق الجديدة ينضمّ إليه عشرات الوافدين من الأحياء القريبة. ومن على الشرفات تطلّ نساء وقفن يراقبن الموكب الطويل: عشرات السيارات التي تسبق سيارة الإسعاف، وخلفها مئات المشيّعين سيراً على الأقدام، ثم عشرات الدراجات النارية التي تنقل الشبان من برج أبي حيدر إلى «قصقص».
أمام مدافن الشهداء، يحتشد العشرات من سبق ووصلوا قبل نعش الشاب. تحيط بهم آليات للجيش وعناصر حضرت بكثافة هذه المرة، وقطعت جميع الطرقات المؤدية إلى الساحة. يصل النعش على أكف المشيّعين المرتفعة في الهواء، ويدخل إلى المدافن. في المدخل يقف بعض الرجال من أقرباء الضحية وأصدقاء العائلة. يتقبلون تعازي القادمين بذهول.. فيما يوارى جسد الفقيد في الثرى.