أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

توجس وخوف من الغد في أحياء استيقظت بعد «ليلة حرب»

الخميس 26 آب , 2010 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,271 زائر

توجس وخوف من الغد في أحياء استيقظت بعد «ليلة حرب»
تكشفت، مع انبلاج الضوء أمس، مخلفات الاشتباكات التي اندلعت مساء أمس الأول في منطقة برج أبي حيدر بين عناصر من «حزب الله» وآخرين من جمعية «المشاريع الإسلامية»، بسبب إشكال فردي ما زالت تفاصيله مدعاة للتناقض بين الطرفين، إن من حيث السبب الحقيقي لبداية الإشكال أو لسبب توسعه ووقائع ما تخلله، في حين بدأت الأجهزة الأمنية المختصة تحقيقاتها على الأرض، بإشراف النائب العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا.

ولا تنحصر مخلفات أي إشكال أو اعتداء، بحصيلة الأرواح التي تزهق أو عدد الجرحى الذين يسقطون، أو الأضرار المادية التي تنجم عنه، على فداحتها. فالذين عاشوا «ليلة الحرب» تلك، كما وصفوها، كانت لديهم مطالب حسّية تدين ما حصل ولكنها تتصل بما سيحدث: «لقد عشنا ليلة تفوق في هولها ليالي حرب تموز.. ثم تبين أن الأمر «تافه»؟ أين الدولة؟ ما هي الضمانة ألا تتكرر مثل هذه الأمور التافهة - القاتلة؟» كانوا يسألون.

وقائع ليلة دامية

صباح أمس، بدت بيروت كأنها رمت جانباً كاتم الصوت الذي رافق ليلتها الأليمة، والتي أسفرت عن سقوط ثلاثة قتلى وعدد من الجرحى، لتعلن عبر أهلها أنها ضاقت ذرعاً: «من يقوى، من المسؤولين اللبنانيين، على تحمّل فكرة أن يكون أحد أبنائه هو من يعيش في أي من المنازل الموجودة في عمق اشتباكات أمس؟ لقد كان ابني، وهو مراهق لم يتجاوز السادسة عشرة، وحيداً في المنزل الواقع خلف مسجد برج أبي حيدر، وأنا كنت في محلة سليم سلام». يقول سميح منقارة.

كان منقارة يبكي عند حافة الرصيف ليل أمس الأول، وهو يعجز عن دخول المنطقة للاطمئنان على ابنه. ويوم أمس، كان يتنقّل بين السيارات التي احترقت، وبين المنازل التي دمغت جدرانها برشقات الرصاص، متخيلاً كيف نجا ابنه بأعجوبة. كان الرجل الخمسيني واقفاً على ناصية الطريق، أمس الأول، يتحدث على هاتفه الخلوي بصوت متهدج «أرجوك.. سأفقد أعصابي. انه في المنزل لوحده.. أرجوك».

حينها، أقفل الرجل المكالمة الهاتفية مع قريبة له، طلب منها أن تتوسط له عند الجيش اللبناني. من أجل ماذا؟ كان الوالد يريد الدخول إلى قلب المعركة حيث الاشتباكات، بغية إنقاذ ابنه. والرجل، الأب، ظلّ واقفاً ينتظر الرد حتى العاشرة ليلاً. هو، أمس، كان سعيداً. لم ينس.. ولن ينسى.

الروايات مازالت متناقضة

يتذكر أحد عناصر الجيش اللبناني أن زميله توجه إلى الدكان لابتياع غرض ما، فيلتفت لعنصر آخر قائلاً: «هل اختطف فلان يا تُرى؟ لقد تأخر أكثر من خمس دقائق». قد تدل هذه العبارة على الجو الذي ساد أحياء برج أبي حيدر على امتداد يوم أمس، والتي على الرغم من تأكيد طرفي الإشكال أن ذيولها قد طوقت، إلا أن معالم الاحتقان، والتوجس، بدت واضحة على أكثر من سحنة، فضلاً عن سعادة طلوع الفجر من دون سقوط عدد أكبر من القتلى.

يبعث الانتشار الكثيف للجيش اللبناني بعض الاطمئنان في نفوس أهالي المنطقة، الذين جالوا بين السيارات المتضررة والمهشمة بنظرات تفقدية مستهجنة، فيما بدا مسجد «برج أبي حيدر» أقلّ تأثراً مما كان متوقعا إذ صوّر على انه كان وجهة المعركة الأساسية. فقد تبّين ان المسجد لم يصب بأضرار كبيرة مقارنة بالروايات التي نسجت حوله في الليلة ما قبل الماضية.

يعرب شبان «حزب الله» عن تأثرهم لفقدانهم لمسؤولهم محمد فواز. يقولون انه لم يكن مسؤولاً فحسب، بل انه كان صديقا لمعظمهم، واقترن اسم الرجل، وفقاً لآراء شبان «الحزب» وأهالي المنطقة، بحلّ المشاكل: ففي حال وقوع أي مشكلة، كان فواز هو الحل، ليس بالضرورة عبر تواجده على الأرض، بل كان يكفي استخدام اسمه في بعض المرات في الإشكالات كي يصار إلى حلها فوراً، لأنه كان يتمتع بشعبية كبيرة».

بمحاذاة المسجد، يقف بعض سكان المنطقة يتجاذبون أطراف الحديث مع ممثلين عن الوسائل الإعلامية. روايات متناقضة عن سبب الإشكال وكيف بدأ: الاتفاق على الوقت، خلاف على هوية البادئ للاعتداء. ولكن هناك إجماعا على أن ما حدث لم يكن «تافها»، كما ان هناك خوفا مشتركا من الأيام المقبلة.

يكرر المسؤول الإعلامي في «جمعية المشاريع» عبد القادر الفاكهاني أن سبب الإشكال هو خلاف على وقوف إحدى السيارات، لافتاً إلى أن الجمعية كانت قد دعت في تلك الليلة «حركة أمل» للإفطار، مشيراً إلى انه توجد كاميرات تؤكد أن شبان المشاريع لم يهجموا على أحد قبل تعرضهم للهجوم من قبل شبان «الحزب»، وذلك في رد على رواية «الحزب» التي تشير الى أن أحد عناصرهم فوجئ بتعرّض شبان من الجمعية له ولعائلته بالضرب المبرح، بمجرد أن قال لهم أنه يريد المرور. ومع ذلك، يصر الفاكهاني على أن ما حصل قد دُفن إلى غير رجعة».

تتناثر قطع من الزجاج التي تعود لأكثر من ثلاث سيارات كانت مركونة عند جانبي الطريق، طريق الاشتباكات، ممزوجة بزجاج وقع عن واجهة صالون للحلاقة الرجالية، يرفض صاحبه الإدلاء برأيه لأنه «لا أريد أن أفيد أحدا من وسائل الإعلام!»

ما خفي كان أعظم

كانت حركة المارة والسير عادية، مصحوبة بنظرات استهجان وتفقد، فيما كانت حركة دوريات الجيش اللبناني تزداد توسعاً.

خلف الشوارع الضيقة الواقعة بين الأزقة المتفرعة في المحلة، ونزولاً خلف المباني، يظهر مشهد مخالف للأضرار «البسيطة» البادية على الطريق العام: منزل فسيح، ارتفاعه نحو أربعة أمتار، تنبعث منه رائحة نتنة سببها احتراقه عن بكرة أبيه في خلال الاشتباكات. مازال حسين أحمد الحمبلي، صاحب المنزل، غير مصدّق لما يراه.

تروي زوجة الحمبلي انه في أثناء وجودهم، هي وزوجها وأولادها، في داخل غرفة صغيرة يعلوها لوح من «الزينكو» قبالة المنزل الذي يعود إلى أكثر من 150 عاماً، عقب فرارهم من المنزل وتحضيراً للانتقال إلى مكان آخر أكثر أماناً، فوجئوا بوقوع قذيفة من نوع «أر. بي. جي» بالقرب من المنزل، امتدت نيرانها لاحقا إلى جدران البيت «كان يحترق أمام نظرنا، لكننا لم نقو على القيام بأي خطوة، في ظل انهمار الرصاص والقذائف».

تضيف السيدة التي كانت تحمل ابنتها الصغيرة: «من سيعوض علينا؟ الحزب أم الأحباش أم الدولة؟ أو لا أحد؟ من كان سيعوض عني هذه الطفلة لو قتلت، أو في حال قتل زوجي؟ كانوا سيقولون انه إشكال تافه؟ ثم ماذا؟».

تضيف: «حسنا، لقد خسرنا كل ما نملك في هذا المنزل، من أثاث أثري إلى تحف وحليّ، فضلاً عن مبالغ مالية كبيرة كان يدخرها زوجي، وكل المستندات والأوراق الثبوتية. الآن، لا نملك حتى قطعة ثياب! لقد احترق المنزل بالكامل!».

«قمة التفاهة»!

كان القاسم المشترك بين أهالي محلة برج أبي حيدر ومنطقة سليم سلام، هو صوت الرصاص والقذائف، على اختلاف جذري تجلى بوقع الصوت والجزع في نفوس قاطني بقعة الاشتباكات، فيما زرع خوف من نوع آخر عند أهالي سليم سلام تجلى بانتقال أو توسع الاشتباكات إلى منطقتهم.

لم تتخيل أميرة بكداش، السيدة الستينية، ان يكون سبب الرصاص الذي سمعوه مع ارتفاع أذان المغرب هو لاشتباكات فعلية. كانت تتحلق حول مائدة الإفطار مع أفراد عائلتها فخاطبتهم قائلة: «الحمد لله اننا تذكرنا بأن «السيد» سيتحدث اليوم، واعتقدنا أن ما نسمعه هو صوت ألعاب نارية تطلق للمناسبة، فأكملنا إفطارنا بدون أن نشك بما يجري نصف ساعة، والرصاص يقوى صوته أكثر فأكثر. قذائف صاروخية!».

بعد نصف ساعة، عرفت السيدة وأفراد أسرتها بما كان يجري فعلا عاشوا بعدها لمدة أربع ساعات في خوف كبير، بموازاة خوف الأقرباء الذين راحوا يتصلون بهم من كل حدب وصوب بغية الاطمئنان.

تقول أميرة: «التافه في الموضوع، انهم اعتبروا الحادث تافها! من يكون التافه في هذه الحالة؟».

تبدو دوريات الجيش اللبناني أقل عدداً هنا، في شارع «الأوزاعي» الواقع في منطقة كورنيش المزرعة، على الرغم من ضراوة الاشتباكات التي شهدتها المنطقة، وخصوصاً إحراق محلات «الديوان» المحسوبة على «المشاريع»، بالإضافة إلى إحراق عدد من السيارات والدراجات النارية.

سعاد، الفتاة المغربية التي تعمل في محل للألبسة مقابل التعاونية، توشك على اتخاذ قرار ارتجالي، يقضي بإقفال المحل والمغادرة، من دون الاستئذان من صاحبة المحل. تقول الفتاة انها خائفة، ويزداد جزعها عندما «أتذكر كيف مرت علينا، زوجي وأنا، تلك الليلة الشعواء: تخيلنا ان القذائف ستنهمر على رؤوسنا بين الفينة والأخرى».

تضيف سعاد، بحسرة: «ما أجمل لبنان. أعني كم كان جميلاً. كان يشبه بسويسرا. أما اليوم فإن إشكالاً على أفضلية المرور أدى إلى ما أدى إليه. حرام...».

بالقرب من المحل الذي تعمل فيه سعاد، احترق محل آخر للألبسة، تقول سعاد أنه يعود لـ«مدام عيتاني»، مشيرة إلى انها، أي المدام، لم تقو على رؤية المشهد في الصباح، فغادرت باكية حزينة. وأمام المحل، كان يقف إبراهبم كسّار محدقاً بمشهد السيارة والدراجات النارية المحترقة.

ولدان. لكسار ولدان اثنان، كان يمكن ان يفقدهما ليلة أمس الأول، عندما اندلعت الاشتباكات في هذا الحي عند الساعة التاسعة مساء، واستمرت حتى الثانية فجراً. فرضية ان يخسر ولديه، هي نفسها التي رافقت تفكير الناس أمس، تزامناً مع استذكارهم لتلك الليلة. ليلة الحرب.

يقول كسار انه رأى بعينيه مشهد المسلحين يترجلون من سيارات رباعية الدفع، موجهين بنادقهم إلى البنايات، فيما القوى الأمنية غائبة عن المكان، لافتاً إلى انه عمد إلى إطفاء أضواء المنزل كلها، وأحكم إقفال باب المنزل ومكث مع أولاده وزوجته في غرفة واحدة.

كان يمكن لتلك الغرفة ان تحترق، تماماً كما احترق منزل الحمبلي، الذي غادره مع عائلته قبل دقائق من تعرضه للقذيفة. كان لهذه العائلة ان تقتل، بسبب إشكال فردي.. تافه.

Script executed in 0.19259095191956