بدا اشتباك برج أبي حيدر ضيفاً غير مرغوب فيه على الساحة السياسية، وسط غموض لا يزال يكتنف أسبابه. الطرفان عقدا أكثر من لقاء أمس، وأكدا السعي إلى تخطّي ما جرى، مع تأكيد متانة العلاقة التي تربطهما. إلا أن تصريحات بعض مسؤوليهما أوحت أن الأمر أكبر من «خلاف فردي»
لعل أفضل توصيف للاشتباك الذي وقع أول من أمس في برج أبي حيدر أطلقه الرئيس الأسبق للحكومة سليم الحص، عندما قال إن «ما حصل كان بمثابة الكفر بقيمة الإنسان». فاللبنانيون ناموا على خبر معركة وضحايا، ليستيقظوا ويروا آثار التدمير الذي لحق بمنازل وسيارات ومؤسسات تجارية ودور عبادة. ورغم أن طرفي الاشتباك، جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية وحزب الله، أصرّا في معظم الخطابات على أن الاجتماعات التي تجرى بينهما برعاية استخبارات الجيش «إيجابية جداً»، إلا أن ذلك لم يلغ الحذر الذي ظهر في بعض مواقفهما.
وعلمت «الأخبار» أن وفداً من الجمعية زار العاصمة السورية دمشق، والتقى بعد ظهر أمس رئيسَ فرع الاستخبارات العسكرية في دمشق وريفها اللواء رستم غزالي. وبحسب مصادر مطلعة، فإن الوفد وضع غزالي في صورة ما جرى، مؤكداً وقوف الجمعية في «خندق واحد مع المقاومة في لبنان». وشدد أعضاء الوفد على أن ما جرى لم يكن في مصلحة الجمعية ولا حزب الله، وأنه لا وجود لأي خلفية له. وقد تمنى الوفد على غزالي أن ينقل هذا الموقف إلى الرئيس السوري بشار الأسد. وأكد غزالي في المقابل ضرورة توحيد الصفوف وتمتين العلاقة مع حزب الله. ومن المنتظر أن يعقد اجتماع موسع بين قيادتي الحزب و«المشاريع»، وجرى التداول بإمكان أن يقوم وفد من الجمعية بزيارة للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله.
جمعية المشاريع كانت، منذ اللحظة الأولى للاشتباك، تقول إن الخلاف الذي أشعل المعركة هو «خلاف تافه»، وترى أن تطور الأمور جرى على نحو «غير مفهوم»، مصرّة على وضع ما جرى «وراءنا والتطلع إلى الأمام وأخذ العبر من الحادث الأليم»، بحسب تعبير المسؤول الإعلامي في الجمعية عبد القادر الفاكهاني.
ورغم إصرار الطرفين على مرجعية التحقيق الذي يجريه الجيش اللبناني، فإن الفاكهاني أكد في أكثر من تصريح قبل ظهر أمس أن الجمعية «كانت في موقع المعتدى عليها» وأن أفرادها «لم يطلقوا النار على أحد»، وأن لديها أشرطة تسجيل من كاميرات المراقبة الموجودة في مكان الإشكال تؤكد ذلك. وفي موقف لافت، قال الفاكهاني: «إننا موجودون في الشارع السني لحمايته، ولأن هذا منهجنا نصرّ على وأد الفتنة لأن هذا من مصلحة البلد». ورداً على سؤال، قال الفاكهاني إن ثلاثة من أفراد الجمعية تعرضوا لـ«الخطف» خلال الاشتباك، وأعيدوا سالمين.
ولاقاه في تصريحه القيادي في الجمعية، النائب الأسبق عدنان طرابلسي، الذي قال صباح أمس إن «مركز الجمعية في برج أبي حيدر تعرض لهجوم، كذلك تعرضت معظم المراكز لإطلاق نار كثيف»، مشيراً في حديث إلى المؤسسة اللبنانية للإرسال إلى أن الجمعية طلبت تدخل «الجيش ليوقف الهجوم».
من جهة حزب الله، وخلال تشييع أحد ضحايا الاشتباك، علي جواد في بلدته كفرفيلا، كان لافتاً قول رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد إن «الحادثة التي حصلت أمس في برج أبي حيدر كشفت سيناريوات وبروفات»، لافتاً إلى أنّ «الله أراد على ما يبدو أن ينبه الناس جميعاً على مخاطر الاستدراج والاندفاع». وقال رعد إن «من غير المبرر أن يقضي بعض الشباب في نيران صديقة وأن يكون هناك استخفاف في الضغط على الزناد في موقع غير موقع مواجهة مع إسرائيل. وإذا كان هناك من التباسات، نعرف الطريق لمعالجتها، وخصوصاً إذا كانت بين الأصدقاء والحلفاء».
وبدت تصريحات الطرفين إعلاناً بإخراج الاشتباك من «الطابع الفردي» الذي تحدثا عنه ليل الاشتباك وصباح أمس. إلا أن أياً منهما لم يعطِ هوية سياسية للحادث الذي وقع.
ورفض مسؤولون في جمعية المشاريع التعقيب على كلام رعد، باستثناء ترحيبهم بالجملة الأخيرة. وحرص الفاكهاني، في اتصال مع «الأخبار»، على تأكيد أن اللقاءات التي جمعت الطرفين خلال اليومين الماضيين كانت «إيجابية جداً، وهي لقاءات مصارحة فتحنا فيها قلوبنا. وما حصل هو «قطوع» جرى تجاوزه». ولفت إلى «أننا لن نقف على الأطلال ونقضي وقتنا بالعتاب»، مؤكداً عدم السماح لأي كان باستهداف المقاومة. أما عضو المكتب السياسي في حزب الله، الشيخ عبد المجيد عمار، فأكد أن العلاقة بين الحزب والجمعية لن تتأثر بأي حادث.
ورغم التصريحات المتضاربة، فإن ما اتفق عليه الطرفان هو التحقيق الذي يجريه الجيش. وأكد الفاكهاني لـ«الأخبار» أن الجمعية ستسلم الشرطة العسكرية، خلال الساعات المقبلة، أشرطة التسجيل التي تظهر مشاهد بداية الاشتباك، والتي التقطتها كاميرات المراقبة المركّزة على مدخل مسجد برج أبي حيدر. وقد أجرت الأدلة الجنائية في الشرطة العسكرية أمس مسحاً لمناطق الاشتباك، ونظّمت تقريراً بالأضرار.
وأكدت مصادر أمنية متابعة أن الجيش سيتابع التحقيق بجدية تامة، علماً بأن قيادة المؤسسة العسكرية أصدرت بياناً أمس أكدت فيه «أنها لن تتهاون في ملاحقة المتورطين».
وقد حضرت قضية اشتباك برج أبي حيدر على طاولة مجلس الوزراء الذي انعقد برئاسة رئيس الحكومة سعد الحريري أمس، وقرر تأليف لجنة وزارية لمعالجة ظاهرة تفشي السلاح في المناطق، ولا سيما في بيروت. وقال مصدر وزاري لـ«الأخبار» إن النقاش بشأن اشتباك برج أبي حيدر أخذ حيزاً كبيراً من الجلسة. وقد طالب الوزراء سليم الصايغ وإبراهيم نجار وبطرس حرب، وبعض وزراء «المستقبل»، بأن تكون بيروت مدينة منزوعة السلاح، مستغربين وجود هذا الكم من السلاح في الشارع. في المقابل، أشار وزراء حزب الله وحركة أمل إلى أن هذا الموضوع تجب مناقشته بعد رفع تقرير أمني إلى مجلس الوزراء يشير إلى تفاصيل ما حدث، وأكدوا عدم وجود غطاء على أيّ مخلّ بالأمن.
وقد ندد رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان بالاشتباك المسلح، داعياً القوى والأجهزة المعنية إلى توقيف مسببي الحادث. وأعلنت رئاسة الجمهورية أن سليمان تلقى اتصالاً أول من أمس من أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الذي استفسر عما حصل، مبدياً الاستعداد للمساعدة.
أما رئيس مجلس النواب نبيه بري، فقد ألغى مواعيده أمس لمتابعة اتصالاته التي بدأها في اليوم السابق، مؤكداً «ضرورة إجراء تحقيق سريع وشفاف وتسليم المسببين لما جرى الى الجهات المعنية والقضاء».
واستحوذ اشتباك برج أبي حيدر على معظم أجزاء الخطاب الرمضاني لرئيس الحكومة سعد الحريري مساء أمس. وحمّل الحريري مسؤولية الاحتقان إلى «الخطاب السياسي الذي يصدر عن بعض الأقلام ومحطات التلفزة»، قبل أن يستدرك «بصراحة» ليؤكد «أن الكل ملوم، من سياسيين أو إعلاميين أو محطات تلفزة». وأكد الحريري أن «القوى العسكرية والأمنية ستتولى من الآن فصاعداً مسألة ضبط الأمن»، مشدداً على «أن انتشار السلاح في كل شارع وحيّ لم يعد مقبولاً».
وغمز الحريري من قناة حزب الله عبر القول «إننا اتفقنا في البيان الوزاري للحكومة على معادلة الجيش والشعب والمقاومة، ولكن هذا لمقاومة العدو الإسرائيلي، أما بيروت والمناطق فممنوع أن يكون فيها أي سلاح».
من ناحيته، بعد جولته أمس على المناطق التي شهدت اشتباكات، رأى الرئيس الأسبق للحكومة، نجيب ميقاتي، أن «ما حصل مؤشر خطير في توقيته ودلالاته ينبغي لجميع المعنيين تداركه ومعالجة أسبابه في العمق، لا اعتماد الحلول الموقتة أو تبريره بحادث فردي». ولفت إلى أن «أبناء العاصمة ليسوا مكسر عصا لكي يجري في كل مناسبة ترهيبهم وترويعهم».
بدوره، كرر النائب نهاد المشنوق، بعد جولة مماثلة، موقفه الذي أطلقه بعد أحداث عائشة بكار نهاية العام الماضي، عندما طالب بإعلان العاصمة مدينة منزوعة السلاح. وطالب المشنوق رئيس الجمهورية بدعوة طاولة الحوار الوطني «استثنائياً لإعلان بيروت الإدارية مدينة منزوعة السلاح». ودعا «الجمعيات والهيئات الاقتصادية» إلى عقد اجتماع طارئ لإعلان المطالبة بجعل بيروت مدينة منزوعة السلاح، بحيث تكون الاجتماعات مفتوحة للمطالبة اليومية بحماية من استبيحت كراماتهم وأرزاقهم».
وقد تكرر موقف المشنوق على لسان عدد كبير من سياسيي تيار المستقبل وقوى 14 آذار. ورأى النائب عمار حوري أن اشتباك برج أبي حيدر «يمثل خرقاً لتسوية الدوحة، ولما تعاهدت عليه الأطراف السياسية لجهة عدم استعمال السلاح واللجوء إلى العنف في حل المشاكل». بدوره، قال النائب محمد كبارة إن «ما حصل هو جريمة كبرى في حق أهل بيروت، وهي لا تقل خطورة عن جريمة 7 أيار». فيما شدد مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني ونائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان على إدانة ما جرى.