كتب المحرر السياسي:
لا شك أن ما حدث في بيروت، ولها، في ليل الثلاثاء الأسود، في الرابع والعشرين من آب، كان بشعاً وخطيراً، وأن نتائجه كانت أخطر بما لا يقاس من مسبباته التي كان يمكن ـ بل وكان يجب ـ أن تعالج بطريقة مختلفة تماما عما حدث، فتسبب في ترويع أهلها، فضلا عن سقوط ضحايا بين «رفاق السلاح»، وعن تخريب ودمار امتد من الأبنية والممتلكات الى قيم معنوية وشعارات جهاد مكتوبة بدماء الشهداء.
ولا شك أن من يملك الرصيد الأكبر هو من تحمل الجزء الأكبر من الخسائر المعنوية، وبالتالي، فإن «حزب الله» هو في خانة الخاسر الأعظم، بغض النظر عن التفاصيل، كالمسببات ومن افتعل الإشكال أو ما ســبقه من إشكالات ومن أطلق الرصاصة الأولى ومن الذي عجز عن ضبط العناصر ومن الذي ورّط من، قبل أن تتسع «الورطة» لتشمل بعض مناطق العاصمة ومن ضمنها مراكز دينية وسياســية، إضافة الى أملاك المواطنين واطمئنانهم الى أمور حياتهم في يومهم وفي غدهم، من دون إغفال «الصورة» التي أريد تثبيتها للعاصمة، في ذهن الجمهور اللبناني العريض، لا بل الجمهور العربي الكبير، كأحد أوكار العصابات وقطاع الطرق...
ولا شك أن أطرافا سياسية عدة ساهمت في توسيع دائرة ما حصل، مادياً ومعنوياً، والأخطر سياسيا، خصوصا أن خصوم «حزب الله» والمتضررين من صورة وهوية «لبنان المقاوم» والمطالبين بحياد لبنان، قد وجدوها فرصة ذهبية للاندفاع في الحملة على الحزب وعلي أي شعار للمقاومة إلى حدها الأقصى، فكان شعار «بيروت مدينة منزوعة السلاح»...
هو شعار برّاق وجميل جدا، وربما كان البعض يؤيده محبة ببيروت وأهلها، وربما البعض الآخر لا شبهة حول تمسكه بهوية بيروت العاصمة العربية المقاومة التي تمكنت من هزيمة الجيش الذي لا يقهر، ولكن رافعي الشعار، في معظمهم، جاءوا من خارج هذه البيئة، بدليل من تولى قيادة المناقشات في مجلس الوزراء ومن ثم في المنابر السياسية والإعلامية، وربما كان قصد هذا البعض الأخير أن يجعل بيروت مدينة مفتوحة تجسيدا لشعار «الحياد» التاريخي الذي أعيد الى الطاولة فجأة، بينما آثار الحرب الإسرائيلية على لبنان بكل مناطقه، ما تزال قائمة، وهذه هي إعلانات تل أبيب عن مناوراتها الجديدة على حدودنا وتهديداتها المستمرة للبنان بشعبه وجيشه ومقاومته وحكومته، إنما تؤكد نيتها وقرارها بالمضي نحو جولة جديدة من العدوان... عندما تتوافر لها الظروف المناسبة والتوقيت المناسب... ولا بأس للبعض أن يستعيد السيناريو الذي عرضه رئيس تكتل التغيير والإصلاح ميشال عون على الرئيس السوري بشار الأسد وعلى عدد من القيادات السياسية اللبنانية.
ليس خافيا على أحد، أن المتضرر الأكبر سياسيا من أي خلل أمني، وبالذات في العاصمة بيروت، ـ بعد الشعب ومعه ـ هو «حزب الله»، فالمقاومة التي يعتبر عمودها الفقري، تعيش بالتفاف الناس من حولها ودعمهم لها وتبنيهم منهجها وهو مكلف بطبيعته، اليوم وربما غداً، لكنه يؤسس بطبيعة الحال لوطن، قرر أن يغادر المقولات التاريخية القائلة إن قوته في ضعفه، وأن يصبح البلد النموذج لمقاومة الاحتلال ومقارعته وصولا الى تحرير كل شبر من أرضه بلا تقديم أي تنازل من أي نوع كان.
نعم بيروت، كعنوان لكل لبنان وربما لكل العرب، والحاضنة لنصف أهل البلد، بيروت التي ناصرت ثورة الجزائر وقضية فلسطين وثورة جمال عبد الناصر وباقي الثورات العربية والأممية، هي البحر الذي تسبح فيه المقاومة، هي السياج الحامي، هي القلب النابض، بما هي عاصمة الوحدة الوطنية ومركزها والتجسيد الحي لوحدة الشعب والدولة ومناعة المقاومة.
وليس خافيا على أحد أن مقتل المقاومة، أية مقاومة، يكون بالانشقاقات على قاعدة طائفية أو مذهبية... وبين أحد أبرز أسباب نجاحها في الإنجاز والاستمرار والحياة، أنها وبرغم أن بيئتها الأولية، في هذه الأوقات تحديدا، ذات لون مذهبي محدد، إلا أن أهدافها وطنية، ثم إن سلوكها العام الذي تمثل في انصرافها الى مواجهة العدو، قد استقطب لحمايتها أكثرية اللبنانيين، وجعل جمهورا عربيا عريضا من الرباط الى صنعاء، مرورا بالقاهرة والقدس ودمشق وبغداد، يرفع صور قادتها وشهدائها وأعلامها...
بهذا المعنى، يصبح الكل حريصا على بيروت، بأمنها وناسها وكل أسباب استقرار الحياة فيها، كعنوان لاستقرار لبنان، الذي يأتي كثمرة للتوافقات العربية الكبرى، ومن ثم التفاهمات السياسية الداخلية، بما تشكله من قاعدة فعلية للوحدة الوطنية والحكم باسمها.
بل إننا نفترض أن مصلحة «حزب الله» على وجه التحديد، أن تكون بيروت، بما هي المركز والحاضنة الوطنية للمقاومة، مدينة آمنة، تتجلى في يومياتها وشوارعها وأهلها، آيات الوحدة الوطنية، المجسدة في حكومة وفاقية، ترى في المقاومة قوة حماية للبنان من مخاطر الاعتداءات والأطماع الاسرائيلية.
ومن مصلحة «حزب الله» أن يقوم حكم وطني قوي قاعدته الشعبية تضم مختلف القوى والفئات والتيارات السياسية على ركيزة صلبة من التفاهم السياسي العام حول القضايا الوطنية الكبرى، وفي طليعتها موقع لبنان الإقليمي، في ساحة الصراع الكبرى في المنطقة.
إن تضخيم حادثة برج أبي حيدر ومحاولة استثمارها بالسياسة وجعلها سببا جوهريا لتحول جذري في السياسات الداخلية، ستكون له نتائج وخيمة على البلاد لا حصر لها، تماما كما حاول البعض استثمار جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري لإحداث تحول جذري في العلاقات اللبنانية السورية.
إن الشعار الجميل والبرّاق «بيروت مدينة منزوعة السلاح» هو المدخل المزخرف لإسقاط حالة الوفاق، بتمهيد من الأمر الدولي المتمثل بالقرار 1559، حيث صارت خلافات اللبنانيين دولية بامتياز، إذ إنه يفرض إعادة النظر جذريا بقواعد الواقع الوفاقي، عبر إعادة النظر بمشروعية انتساب أطرافه إليه... وربما يؤدي إلى تشجيع بعضهم على البحث عن اتفاق جديد...
إن هذا الشعار ينسف قاعدة الوفاق الوطني التي تستند إليها مؤسسات الحكم منذ الطائف حتى الآن، وبالذات في ظل الواقع الملتبس لمعظم مؤسسات الدولة. ولا بأس هنا من السؤال: هل يجوز أن تكون في بلد واحد وعلى طاولة حكومة واحدة استراتيجيتان سياسيتان تحددان الموقع الاقليمي للبلد ودوره وهويته؟ هل يجوز أن يكون لبنان بلد مواجهة وحياد في آن معا؟
هل يجوز أن يكون هناك استراتيجيتان أمنيتان، بمعنى أن لا توافق ضمن الأجهزة العسكرية والأمنية على الخيارات الاستراتيجية الكبرى، هل يستطيع أن يجيب هذا الجهاز أو ذاك عن تناغمه مع استراتيجية محمود عباس أو قوى المقاومة في الساحة الفلسطينية والأمثلة كثيرة؟
هل يجوز في بلد واحد أن يكون هناك من يريد بلده على صورة هانوي بالمعنى الاقتصادي الاجتماعي وفي المقابل، هناك من يتمسك بهونغ كونغ؟
هل يستطيع أن يقول لنا أهل الدولة، على سبيل المثال لا الحصر، ما هو موقفهم من استئناف التفاوض الفلسطيني الاسرائيلي المباشر، وأي ارتدادات محتملة سيرتبها على لبنان في حال الفشل الأكيد أو النجاح المستحيل؟
في اللحظة التي تشتد الحملة الدولية على «حزب الله» مداورة أو مباشرة، دوليا وعربيا، وفي اللحظة التي توجه فيها «الدول» من خلال منصة المحكمة الدولية، الى الحزب، مداورة أو مباشرة، تهماً خطيرة كالضلوع، بشكل أو بآخر، في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لدمغه بالإرهاب، في هذه اللحظة، تنبري بعض القوى السياسية المؤثرة في لبنان، الى ملاقاة هذا الاتهام السياسي بامتياز، عبر تصوير الحزب، بوصفه «خارجا عن القانون» و«طريد عدالة»، وبذلك يصبح رأس الحزب مطلوبا من العالم بأسره ومعه أولا الشعب اللبناني.
لم يكن مفاجئا ما حصل في برج أبي حيدر... ولن يكون مفاجئا أن يتكرر في غير منطقة لبنانية. هذه ليست دعوة لتعميم العنف والعنف المضاد. بل هو منطق الأمور في بلد مشرّع بأمه وأبيه على الخارج، كل الخارج.
هي الأزمة الوطنية التي يعيشها لبنان منذ احتلال العراق، وما شكله من زلزال عربي كبير، أسس لصدور القرار ـ الفتنة الرقم 1559، ومهد للرابع عشر من شباط 2005، الزلزال اللبناني الأكبر في تاريخ هذا البلد.
وطالما ظل سلاح المقاومة هدفا أميركيا ـ إسرائيليا، بتشجيع من بعض «الاعتدال العربي» و«اللبناني» أيضا، فإن لبنان، سيبقى أسير مشروع فتنة يريد إضعاف هذا البلد وإفقاده عناصر قوته ومنعته وجعله مطواعا وقابلا للتجاوب مع ما يرسم للمنطقة ومن ضمنها لبنان من سيناريوهات حيث لإسرائيل كبير الأطماع في أرضه ومياهه وصيغته واقتصاده...
الأزمة الوطنية ما زالت كبيرة وعلاجها لا يتم بالشعارات البراقة والمسكنات المؤقتة ولا باستمرار التكاذب الوطني المفتوح على حسابات خارجية متناقضة.. آن الأوان لصحوة وطنية صارت مطلبا حقيقيا لكل متعطش للاستقرار، ولكنها ويا للأسف، ما زالت بعيدة جدا عن حسابات أهل السلطة وكل صيغ توافقهم الشكلية وحواراتهم الوطنية التي تسقط دائما عند الامتحانات الجدية، في لبنان كما في المنطقة.
لا شك أن ما حدث في بيروت، ولها، في ليل الثلاثاء الأسود، في الرابع والعشرين من آب، كان بشعاً وخطيراً، وأن نتائجه كانت أخطر بما لا يقاس من مسبباته التي كان يمكن ـ بل وكان يجب ـ أن تعالج بطريقة مختلفة تماما عما حدث، فتسبب في ترويع أهلها، فضلا عن سقوط ضحايا بين «رفاق السلاح»، وعن تخريب ودمار امتد من الأبنية والممتلكات الى قيم معنوية وشعارات جهاد مكتوبة بدماء الشهداء.
ولا شك أن من يملك الرصيد الأكبر هو من تحمل الجزء الأكبر من الخسائر المعنوية، وبالتالي، فإن «حزب الله» هو في خانة الخاسر الأعظم، بغض النظر عن التفاصيل، كالمسببات ومن افتعل الإشكال أو ما ســبقه من إشكالات ومن أطلق الرصاصة الأولى ومن الذي عجز عن ضبط العناصر ومن الذي ورّط من، قبل أن تتسع «الورطة» لتشمل بعض مناطق العاصمة ومن ضمنها مراكز دينية وسياســية، إضافة الى أملاك المواطنين واطمئنانهم الى أمور حياتهم في يومهم وفي غدهم، من دون إغفال «الصورة» التي أريد تثبيتها للعاصمة، في ذهن الجمهور اللبناني العريض، لا بل الجمهور العربي الكبير، كأحد أوكار العصابات وقطاع الطرق...
ولا شك أن أطرافا سياسية عدة ساهمت في توسيع دائرة ما حصل، مادياً ومعنوياً، والأخطر سياسيا، خصوصا أن خصوم «حزب الله» والمتضررين من صورة وهوية «لبنان المقاوم» والمطالبين بحياد لبنان، قد وجدوها فرصة ذهبية للاندفاع في الحملة على الحزب وعلي أي شعار للمقاومة إلى حدها الأقصى، فكان شعار «بيروت مدينة منزوعة السلاح»...
هو شعار برّاق وجميل جدا، وربما كان البعض يؤيده محبة ببيروت وأهلها، وربما البعض الآخر لا شبهة حول تمسكه بهوية بيروت العاصمة العربية المقاومة التي تمكنت من هزيمة الجيش الذي لا يقهر، ولكن رافعي الشعار، في معظمهم، جاءوا من خارج هذه البيئة، بدليل من تولى قيادة المناقشات في مجلس الوزراء ومن ثم في المنابر السياسية والإعلامية، وربما كان قصد هذا البعض الأخير أن يجعل بيروت مدينة مفتوحة تجسيدا لشعار «الحياد» التاريخي الذي أعيد الى الطاولة فجأة، بينما آثار الحرب الإسرائيلية على لبنان بكل مناطقه، ما تزال قائمة، وهذه هي إعلانات تل أبيب عن مناوراتها الجديدة على حدودنا وتهديداتها المستمرة للبنان بشعبه وجيشه ومقاومته وحكومته، إنما تؤكد نيتها وقرارها بالمضي نحو جولة جديدة من العدوان... عندما تتوافر لها الظروف المناسبة والتوقيت المناسب... ولا بأس للبعض أن يستعيد السيناريو الذي عرضه رئيس تكتل التغيير والإصلاح ميشال عون على الرئيس السوري بشار الأسد وعلى عدد من القيادات السياسية اللبنانية.
ليس خافيا على أحد، أن المتضرر الأكبر سياسيا من أي خلل أمني، وبالذات في العاصمة بيروت، ـ بعد الشعب ومعه ـ هو «حزب الله»، فالمقاومة التي يعتبر عمودها الفقري، تعيش بالتفاف الناس من حولها ودعمهم لها وتبنيهم منهجها وهو مكلف بطبيعته، اليوم وربما غداً، لكنه يؤسس بطبيعة الحال لوطن، قرر أن يغادر المقولات التاريخية القائلة إن قوته في ضعفه، وأن يصبح البلد النموذج لمقاومة الاحتلال ومقارعته وصولا الى تحرير كل شبر من أرضه بلا تقديم أي تنازل من أي نوع كان.
نعم بيروت، كعنوان لكل لبنان وربما لكل العرب، والحاضنة لنصف أهل البلد، بيروت التي ناصرت ثورة الجزائر وقضية فلسطين وثورة جمال عبد الناصر وباقي الثورات العربية والأممية، هي البحر الذي تسبح فيه المقاومة، هي السياج الحامي، هي القلب النابض، بما هي عاصمة الوحدة الوطنية ومركزها والتجسيد الحي لوحدة الشعب والدولة ومناعة المقاومة.
وليس خافيا على أحد أن مقتل المقاومة، أية مقاومة، يكون بالانشقاقات على قاعدة طائفية أو مذهبية... وبين أحد أبرز أسباب نجاحها في الإنجاز والاستمرار والحياة، أنها وبرغم أن بيئتها الأولية، في هذه الأوقات تحديدا، ذات لون مذهبي محدد، إلا أن أهدافها وطنية، ثم إن سلوكها العام الذي تمثل في انصرافها الى مواجهة العدو، قد استقطب لحمايتها أكثرية اللبنانيين، وجعل جمهورا عربيا عريضا من الرباط الى صنعاء، مرورا بالقاهرة والقدس ودمشق وبغداد، يرفع صور قادتها وشهدائها وأعلامها...
بهذا المعنى، يصبح الكل حريصا على بيروت، بأمنها وناسها وكل أسباب استقرار الحياة فيها، كعنوان لاستقرار لبنان، الذي يأتي كثمرة للتوافقات العربية الكبرى، ومن ثم التفاهمات السياسية الداخلية، بما تشكله من قاعدة فعلية للوحدة الوطنية والحكم باسمها.
بل إننا نفترض أن مصلحة «حزب الله» على وجه التحديد، أن تكون بيروت، بما هي المركز والحاضنة الوطنية للمقاومة، مدينة آمنة، تتجلى في يومياتها وشوارعها وأهلها، آيات الوحدة الوطنية، المجسدة في حكومة وفاقية، ترى في المقاومة قوة حماية للبنان من مخاطر الاعتداءات والأطماع الاسرائيلية.
ومن مصلحة «حزب الله» أن يقوم حكم وطني قوي قاعدته الشعبية تضم مختلف القوى والفئات والتيارات السياسية على ركيزة صلبة من التفاهم السياسي العام حول القضايا الوطنية الكبرى، وفي طليعتها موقع لبنان الإقليمي، في ساحة الصراع الكبرى في المنطقة.
إن تضخيم حادثة برج أبي حيدر ومحاولة استثمارها بالسياسة وجعلها سببا جوهريا لتحول جذري في السياسات الداخلية، ستكون له نتائج وخيمة على البلاد لا حصر لها، تماما كما حاول البعض استثمار جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري لإحداث تحول جذري في العلاقات اللبنانية السورية.
إن الشعار الجميل والبرّاق «بيروت مدينة منزوعة السلاح» هو المدخل المزخرف لإسقاط حالة الوفاق، بتمهيد من الأمر الدولي المتمثل بالقرار 1559، حيث صارت خلافات اللبنانيين دولية بامتياز، إذ إنه يفرض إعادة النظر جذريا بقواعد الواقع الوفاقي، عبر إعادة النظر بمشروعية انتساب أطرافه إليه... وربما يؤدي إلى تشجيع بعضهم على البحث عن اتفاق جديد...
إن هذا الشعار ينسف قاعدة الوفاق الوطني التي تستند إليها مؤسسات الحكم منذ الطائف حتى الآن، وبالذات في ظل الواقع الملتبس لمعظم مؤسسات الدولة. ولا بأس هنا من السؤال: هل يجوز أن تكون في بلد واحد وعلى طاولة حكومة واحدة استراتيجيتان سياسيتان تحددان الموقع الاقليمي للبلد ودوره وهويته؟ هل يجوز أن يكون لبنان بلد مواجهة وحياد في آن معا؟
هل يجوز أن يكون هناك استراتيجيتان أمنيتان، بمعنى أن لا توافق ضمن الأجهزة العسكرية والأمنية على الخيارات الاستراتيجية الكبرى، هل يستطيع أن يجيب هذا الجهاز أو ذاك عن تناغمه مع استراتيجية محمود عباس أو قوى المقاومة في الساحة الفلسطينية والأمثلة كثيرة؟
هل يجوز في بلد واحد أن يكون هناك من يريد بلده على صورة هانوي بالمعنى الاقتصادي الاجتماعي وفي المقابل، هناك من يتمسك بهونغ كونغ؟
هل يستطيع أن يقول لنا أهل الدولة، على سبيل المثال لا الحصر، ما هو موقفهم من استئناف التفاوض الفلسطيني الاسرائيلي المباشر، وأي ارتدادات محتملة سيرتبها على لبنان في حال الفشل الأكيد أو النجاح المستحيل؟
في اللحظة التي تشتد الحملة الدولية على «حزب الله» مداورة أو مباشرة، دوليا وعربيا، وفي اللحظة التي توجه فيها «الدول» من خلال منصة المحكمة الدولية، الى الحزب، مداورة أو مباشرة، تهماً خطيرة كالضلوع، بشكل أو بآخر، في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لدمغه بالإرهاب، في هذه اللحظة، تنبري بعض القوى السياسية المؤثرة في لبنان، الى ملاقاة هذا الاتهام السياسي بامتياز، عبر تصوير الحزب، بوصفه «خارجا عن القانون» و«طريد عدالة»، وبذلك يصبح رأس الحزب مطلوبا من العالم بأسره ومعه أولا الشعب اللبناني.
لم يكن مفاجئا ما حصل في برج أبي حيدر... ولن يكون مفاجئا أن يتكرر في غير منطقة لبنانية. هذه ليست دعوة لتعميم العنف والعنف المضاد. بل هو منطق الأمور في بلد مشرّع بأمه وأبيه على الخارج، كل الخارج.
هي الأزمة الوطنية التي يعيشها لبنان منذ احتلال العراق، وما شكله من زلزال عربي كبير، أسس لصدور القرار ـ الفتنة الرقم 1559، ومهد للرابع عشر من شباط 2005، الزلزال اللبناني الأكبر في تاريخ هذا البلد.
وطالما ظل سلاح المقاومة هدفا أميركيا ـ إسرائيليا، بتشجيع من بعض «الاعتدال العربي» و«اللبناني» أيضا، فإن لبنان، سيبقى أسير مشروع فتنة يريد إضعاف هذا البلد وإفقاده عناصر قوته ومنعته وجعله مطواعا وقابلا للتجاوب مع ما يرسم للمنطقة ومن ضمنها لبنان من سيناريوهات حيث لإسرائيل كبير الأطماع في أرضه ومياهه وصيغته واقتصاده...
الأزمة الوطنية ما زالت كبيرة وعلاجها لا يتم بالشعارات البراقة والمسكنات المؤقتة ولا باستمرار التكاذب الوطني المفتوح على حسابات خارجية متناقضة.. آن الأوان لصحوة وطنية صارت مطلبا حقيقيا لكل متعطش للاستقرار، ولكنها ويا للأسف، ما زالت بعيدة جدا عن حسابات أهل السلطة وكل صيغ توافقهم الشكلية وحواراتهم الوطنية التي تسقط دائما عند الامتحانات الجدية، في لبنان كما في المنطقة.