أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الحريري في دمشق والهدنة في خطر

الإثنين 30 آب , 2010 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,716 زائر

الحريري في دمشق والهدنة في خطر

سباق محموم قائم بين الاتصالات السياسية والتوتر القائم سياسياً والمنعكس مزيداً من الاحتقان في الشارع. ولعل البارز هو الزيارة التي قام بها الرئيس سعد الحريري ليل أمس إلى دمشق، يرافقه مدير مكتبه نادر الحريري، حيث التقى الرئيس بشار الأسد للتباحث في الأوضاع اللبنانية ومتابعة نتائج القمة الثلاثية التي عقدت في بيروت بين الأسد والرئيس ميشال سليمان والملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز قبل شهر من الآن.
ويبدو أن النتيجة السياسية الأبرز لاشتباك برج أبي حيدر، يجري صرفها خارج جدول أعمال طرفي النزاع. إذ أظهرت المواقف والاتصالات والمواقف البارزة خلال الأيام القليلة الماضية، أن ما عرف بـ«تهدئة القمة الثلاثية» قد تعرضت لاهتزاز عنيف أطاحها، أو هكذا تتجه الأمور، مع تصاعد السجال بين «حزب الله» وحلفائه من جهة، وتيار «المستقبل» وحلفائه من جهة ثانية. ولو أن الأمر لم يلامس حدود إعلان سقوط التهدئة رسمياً، وسط معلومات عن نية الرئيس ميشال سليمان والرئيس نبيه بري العمل بالتعاون مع النائب وليد جنبلاط على منع حصول الانفجار.
في هذه الأثناء، الوضع في شوارع بيروت بشع. وما يزيد بشاعة مشاهد العاصمة بعد اشتباكات برج أبي حيدر، هو السجال السياسي الحاصل، فيما أهالي العاصمة يترنّحون بين اللعب السياسية وحروبها الصغيرة. تحولت أحداث الثلاثاء الماضي الى منصة للهجمات المتبادلة. فيما واصلت الشرطة العسكرية في الجيش اللبناني تحقيقاتها مع خمسة من أصل 13 شخصاً أوقفوا على خلفية أحداث برج أبي حيدر، وأخلي سبيل ثمانية منهم، وأبقي مشتبهون في علاقتهم بالاعتداء على مسجد البسطا. وكان لافتاً لمصادر سياسية في بيروت أن الموقوفين ليسوا من عناصر «أمل» أو «حزب الله».
وفي الشق السياسي، بدا أن شخصيات وقوى من فريق 14 آذار اتخذت من حادثة الثلاثاء الماضي، باباً لإثارة ملف السلاح من جديد. ويتكل هؤلاء على أن مطلب نزع السلاح من بيروت محل ترحيب سياسي وشعبي عام، لكن المشكلة هي في إطار هذه المطالب وخلفيّاتها، التي تخفي الكثير. وإذا كان هؤلاء يرفعون شعار «بيروت منزوعة السلاح» بعيداً من تسمية حزب الله وأنصاره، فإنّ النقاشات الجارية في المجالس البيروتية التابعة أو القريبة من «المستقبل» تعكس أجواءً شبيهة بما قبل 5 أيار 2008. حيث يردد نواب ومسؤولون من «المستقبل»، أن أحداث برج أبي حيدر «بروفا لما يمكن أن يحصل في الشوارع في حال صدور القرار الاتهامي».

كان لافتاً أن الموقوفين ليسوا من عناصر «أمل» أو «حزب الله»

 

تصرّف الحريري لا يدلّ على أنه يريد أن يحكم، بل يريد استمرار الصراع والتحدّي

التحليلات والتوصيفات التي تعزز حالة الاحتقان تترافق مع مواقف، منها إعلان الرئيس سعد الحريري «أنّ الحكومة واللجنة الوزارية الأمنية ستعملان على إيجاد الحلول اللازمة لانتشار السلاح»، وأن الوزير زياد بارود العضو في اللجنة يؤكد أن «ليس بإمكان اللجنة أن تجترح العجائب». ويركز نواب «المستقبل» على أمرين: السعي للتوصل إلى صيغة لإدارة الوضع في المدينة، والإمساك بورقة نزع السلاح لتحقيق بعض المكاسب السياسية. وهذه المكاسب تُرجمت تلقائياً عبر تغيير المسار السياسي والاهتمام الإعلامي والشعبي، من قضيتي شهود الزور واتهام حزب الله إسرائيل باغتيال الرئيس رفيق الحريري، إلى ملف نزع السلاح في العاصمة.
إذا كان خطاب المستقبليين موجهاً في هذا الإطار، فثمة حول الرئيس سعد الحريري عدد من الشخصيات الواعية التي درست تفاصيل ما جرى وترى في خطة سير التيار تعزيزاً للفتنة. ويقرّ هؤلاء بأن «لا شيء جدياً ولا شيء يجري إعداده على الأرض، ما يساهم في تعزيز الاحتقان والقلق». ويقرّون بضرورة حصول لقاء بين الرئيس الحريري والأمين العام لحزب الله.
لكن قلق مصادر المستقبل يكمن في ما يسمّونه «دفتر شروط نصر الله» للجلوس مع الحريري وغيره. وهو ورد في خطابه يوم 25 حزيران، عندما رفض الجلوس مع «أي أحد في هذه الدنيا إذا أراد أن يجلس معنا ليناقشنا على قاعدة أن أحداً من عندنا متهم ونريد أن نبحث عن مخرج».
من جانب «حزب الله»، فإن التركيز قائم على أداء الحريري وفريقه «حيث يظهران أنهما هواة مواجهة»، وأنّ «تصرّف الحريري لا يدلّ على أنه يريد أن يحكم، بل يريد استمرار الصراع والتحدي». ويؤكد المقربون من الحزب أنه لم يصدر بعد قرار بشأن «كيفية التعاطي مع موضوع نزع السلاح من العاصمة»، مشيرين إلى أنّ البحث لا يزال مركزاً على أحداث برج أبي حيدر والاستغلال الذي يجري لهذا الموضوع.
ومن الأجواء التي يعكسها عدد من المطّلعين على نقاشات الحزب، أنّ «الفريق الآخر لم يتصرّف بمسؤولية وطنية لتصفية ذيول الحادثة، إنما ثمة سعي لتعميق الجروح». وتسير أجواء الحزب إلى أكثر سلبية عبر الشعور الذي يعكسه المطّلعون: «يريد الفريق الآخر التخلي عن الصيغة الحالية والعودة إلى ما قبل حكومة الوحدة الوطنية».

سجالات ومواقف

وأكد الرئيس سعد الحريري، خلال حفل إفطار أمس، أنّ «لبنان لن يكون ساحة مواجهة بين أبنائه، ونحن في موقعنا في رئاسة الحكومة سنرفض بشدة أي محاولة أو دعوة أو توجه في هذا الشأن، وسنبقى على إصرارنا بوجوب أن تتحمل الدولة وقواها الأمنية المختصة واجب الدفاع عن الأمن الداخلي، بمثل ما تحمّل ويتحمل الجيش اللبناني مسؤولية الدفاع عن السيادة الوطنية في وجه العدوان الإسرائيلي». من جهته، جدد نائب الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، التأكيد أن العلاقة بين الحزب وجمعية المشاريع «ستبقى علاقة الخندق المقاوم الواحد وهو ما ستثبته الأيام المقبلة». وأشار قاسم إلى أنّ «حملة خفافيش الليل التي استهدفت النيل من المقاومة كان الهدف منها التغطية على ملف شهود الزور واتهام إسرائيل بجريمة قتل الرئيس رفيق الحريري».
أما النائب محمد رعد فقد شدد على أن «حادث برج أبي حيدر وإن كان حادثاً لا خلفية سياسية أو مذهبية له، إلا أن ردود الفعل والتموجات التي واكبته والأرض الخصبة التي وفرها الحقن المذهبي في بيروت هي التي أسهمت في إشعال نارها وتوسيعها»، معتبراً أنّ الجولات على مناطق الاشتباكات تقع في خانة إذكاء الانقسام. وقال: «هؤلاء لا ينبغي ولا يحق لهم أن يدعوا الناس الى الهدوء إلا إذا هدأوا هم».
وكان لافتاً الموقف الذي سجّله الرئيس سليم الحص، أمس، مشيراً باسم منبر الوحدة الوطنية إلى أن «ما وقع في بيروت من اشتباكات مدمّر، وينبغي أن لا يتكرر مستقبلاً»، لافتاً إلى أن «الدعوات لإبعاد السلاح عن العاصمة إذا ما فسّرت بأنها دعوة إلى التخلي عن المقاومة فهذا عين الخطأ والضلال لأن المقاومة لا بديل منها لحماية لبنان». وجدد الحص التأكيد أن «الخطر على وجود المقاومة واستمرارها يبقى ماثلاً ما دامت بيروت معرضة لمثل هذه الأحداث».

توتّر بشرّي ــ زغرتا

تحدثت أمس النائبة ستريدا جعجع عن أن موكباً يحمل أعلام تيار المردة مرّ في قرية بعرقتا (بشري) «هي مصيف لآل طوق»، وأطلق حوالى 250 طلقة في الهواء. وأشارت جعجع في بيان لها إلى أنها قامت بالاتصالات اللازمة مع القوى الأمنية لتوقيف الفاعلين، داعية أهالي القرية إلى ضبط النفس.
إلا أنّ الوزير يوسف سعادة أكد أنّ «موكب شباب المردة لم يتخذ الطريق الذي ذكرته جعجع في بيانها، وإننا نحيل الأمر الى كل من وزير الدفاع وقائد الجيش ومدير الاستخبارات، ونتمنى عليهم أن يكشفوا للرأي العام من منّا على حق». كما استغرب النائب الأسبق، جبران طوق، ما أثير حول إطلاق نار في المنطقة، مؤكداً عدم حصول ذلك.



رسالة إلى سيّد المقاومة

 

المختار جمال عميرات*
لم أكن أحسب يوماً من الأيام أنني سأحمل قلمي لأكتب رسالة إليك، أنت يا صاحب إنجاز التحرير عام 2000 وصاحب انتصار آب 2006... نعم لم يكن يخطر على بالي أنني سأخطّ لك رسالة أوجّهها عبر وسائل الإعلام أنعى فيها ابني الذي بلغ التاسعة عشرة من عمره، والذي كان ينتظر موعد بدء عامه الدراسي الجامعي الأول، والذي سال دمه في شوارع برج أبي حيدر على مقربة من منزله، حيث كانت أمه تنتظره على مائدة الإفطار.
أكتب إليك هذه الرسالة لا لأخبرك قصة حياة ابني أحمد، بل لأخبرك قصة هاتفه الخلوي الذي كان يحمله في جيبه حين سقط مضرّجاً بدمائه. هذا الهاتف يختصر القصة كلها، بل ويختصر رسالتي هذه ومشاعري التي أحملها.
إن ابني اليافع أبعد نفسه عن كثير من المغريات وتعلّم بعض أمور الدين... كان مواظباً على الصلاة والصيام والتردّد إلى المساجد، هو كسائر أقرانه من الشباب الصاعد الحالم المتطلّع إلى غد يصبح فيه رجلاً يخدم وطنه وأمته. وقد كان ابني أحمد يتطلّع يوماً إلى أن يصبح واحداً من أبناء المقاومة، فإن تعذّر عليه ذلك كان يطمح أن يصبح جندياً في الجيش اللبناني، وقد وعدته إنْ حصل هذا، أي إن أصبح واحداً من رجال الجيش اللبناني، أن أسعى لتكون خدمته العسكرية في جنوب وطننا الحبيب لبنان... هناك حيث المقاومة تسجل بطولاتها ويسقط أبطالها في وجه الاعتداءات والأطماع الإسرائيلية... هناك حيث العدو الصهيوني متربّص تارةً يقتلع شجرة، كما في العديسة، وتارة يدشّن موقعاً، وتارة يختطف راعياً، وتارة يزرع ألغاماً، وتارة يغير بطائراته، وأطواراً أخرى ينشئ شبكات تجسّس وعمالة وخيانة...
أحمد عميرات كان يريد أن يصبح من الشباب المدافع عن وطنه، سواء في صفوف المقاومة أو في صفوف الجيش اللبناني... كان يحلم بذلك في ليله ونهاره... كان يتمنى ذلك... كان يخطط لذلك... ولكنّ المنيّة قد وافته قبل أن تتحقق تلك الأحلام وقبل أن يرى أمانيه واقعاً ملموساً... ونحن راضون بقضاء الله وقدره.
بعد استشهاد أحمد انطفأ جهازه الخلوي... انطفأ لساعات طويلة... انطفأ لوقت امتد زمناً لا أعرف قدره، وفي لحظة بكاء اشتقت إلى سماع رنين هاتفه، فعمدتُ إلى وصله بالتيار الكهربائي... ثم فتحته وفتّشت فيه، فوجدت فيه أناشيد المقاومة الحماسية التي تبث العنفوان والقوة في نفوس الشباب... كذلك وجدت فيه صور شخص كان وما زال يلهب الحماسة نحو قتال العدو... إنها صورك أنت يا سيّد المقاومة... يا صاحب التحرير... ويا صاحب الانتصار...
ماذا أقول اليوم وقد خسرت ابني... أبحث عن الكلمات... أبحث عن الأسباب... أفكّر... أحياناً أجد أجوبة... أحياناً لا أجدها... وفي الحالين الدموع تنهمر كما دموع الأم الثكلى... وكما دموع إخوته وأحبابه من أهل بيروت الذين خسروا شاباً كان يمكن أن يكون في يوم من الأيام عنصراً في المقاومة أو جندياً في جيش لبنان المقاوم.
لقد تعلّمتُ منك يا سيّد المقاومة أن المعادلة هي: المقاومة والجيش والشعب... هذه المعادلة الثلاثية هي التي حققت الانتصارات، فإذا سقط الشعب هل تبقى المعادلة؟
أنا واحد من اللبنانيين الذين يريدون أن يكون لبنان قوياً، وأن يكون لبنان مقاوماً، وأن يكون لبنان محرّراً من العدوان الصهيوني... أنا واحد من اللبنانيين الذين يريدون أن يبقى علم المقاومة مرتفعاً خفّاقاً... أنا واحد من الشعب ولكنني خسرتُ واحداً آخر من الشعب... إنه ابني أحمد.
إن جرحي عميق وحزني كبير كما هو حزنك حين رحل ابنك هادي... إلّا أن هادي رحل وسقط وهو يقارع الأعداء. أما ابني فقد أسكتته رصاصات لم يكن يحسب يوماً أنها ستتجه إليه. رصاصات ضلّت الطريق وليتها لم تضل.
ورغم كل هذا أقول لك يا سيّد المقاومة إنني قد دفنتُ ابني وقرأت عليه الفاتحة... ولكنني لا أريد أن أدفن معه أحلامه وأمنياته... ولا أريد أن تسقط المعادلة، الثلاثة، معادلة المقاومة والجيش والشعب.
أما هاتفه فسأعطيه لأخيه من أجل أن يبقى الصوت عالياً والرنين مسموعاً.
* والد أحمد عميرات
الذي سقط ضحية اشتباكات برج أبي حيدر

Script executed in 0.17755913734436