لم تنجح زيارة الرئيس سعد الحريري الى دمشق في إعادة فتح باب حارة حريك أمامه من جديد. والسحور مع الرئيس السوري بشار الأسد، الذي أقنعه بالعودة الى الهدوء لم ينعكس بصورة كاملة في لبنان. ورغم وجود سعي حثيث للجم مناخات التوتير إلا أن الأمور لا توحي بالعودة إلى مناخات التهدئة. وسط قرار من جانب حزب الله بالرد على حملة رئيس الحكومة الاخيرة، والتركيز على أن الحريري أخطأ عندما «سارع الى الترحيب بالمفاوضات المباشرة مع إسرائيل على الساحة الفلسطينية وشن حملة على سلاح المقاومة في لبنان» وأكدت مصادر قيادية في حزب الله رفض ما سمّته «استغلال الحريري لحادثة برج أبي حيدر ومحاولة ابتزاز الحزب لسحب ملف شهود الزور». وقالت إن هدف الحريري من حملته لا يخص بيروت ولا الأحياء فيها، ولا ملف السلاح، بل يقصد حصراً ملف شهود الزور الذي اتفق حزب الله والتيار الوطني الحر على المضي فيه حتى النهاية.
وما يؤكد ذلك، بحسب مصادر مطلعة، أن الحريري كان قد بدأ بعيد جلسة مجلس الوزراء التي كُلف فيها وزير العدل بمتابعة ملف شهود الزور، مساعيَ لطلب موعد لزيارة دمشق، وحُدّد هذا الموعد في الثلاثين من الجاري، ما يعني أن زيارة الليلة ما قبل الماضية لم تأت على خلفية الحوادث الأخيرة وما تبعها من مطالبات بـ«بيروت منزوعة السلاح»، ولا للإيحاء بأن الأسد «دعا» الحريري إلى سحور، بعدما رفع الأخير وفريقه الصوت ضد حزب الله.
فالطبق الرئيسي على مائدة سحور دمشق، كان تأكيد الأسد «ضرورة استمرار نهج التهدئة والحوار لحل المشكلات العالقة»، وتشديده على «أهمية تعزيز الوفاق الوطني ودعم المقاومة بما يحفظ قوة لبنان ومنعته ويحميه من الأخطار الخارجية التي تهدّد أمنه واستقراره»، بحسب وكالة سانا التي أضافت إن مباحثات الأسد وضيفه تناولت «الأصداء الإيجابية» للقمة الثلاثية في بعبدا أواخر تموز الماضي، ونقلت عن الحريري قوله إن الزيارة «التاريخية» للأسد والملك السعودي لبيروت «تؤكد حرص سوريا والمملكة على لبنان ودعم وحدته الوطنية». وتعليقاً على الإيحاءات التي سبقت الزيارة، خصوصاً لجهة توقيتها، قال مصدر قيادي في حزب الله: «واهم جداً من يظن للحظة أن بإمكانه الرهان على فصل مسار المقاومة وسوريا، علماً بأن معلوماتنا تؤكد أنه حاول (أي الحريري) أكثر من مرة اللعب على هذا الوتر ولم يحصد إلا الخيبة، وواهم جداً من يظن أنه يستطيع أن يرحب بالمفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية وأن يصوّب على المقاومة وسلاحها وأن يرقص على الدماء وينفخ بنار الفتنة، ثم يذهب الى دمشق ليمسح هذه الأخطاء وكأن شيئاً لم يكن، ومن يظن أن الامور بهذه البساطة هو في هذه الحالة كمن يستجير من الرمضاء بالنار».
نصر الله ـ قراقيرة
وإذا كانت زيارة الحريري لدمشق لم تفتح أمامه باب حارة حريك، فإن هذا الباب فتح أمس لقيادة جمعية المشاريع «الأحباش»، حيث استقبل الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، رئيس الجمعية حسام قراقيرة يرافقه رئيس فرع الجمعية في البقاع أسامة السيد، في حضور عضو المكتب السياسي في الحزب عبد المجيد عمار ورئيس وحدة الارتباط والتنسيق وفيق صفا.
وقد أكدت مصادر مطلعة، أن اللقاء الذي استمر ساعات، ساده جو من الود المتبادل وتصفية للقلوب وطرح كل الامور التي ربما تراكمت خلال الفترة الماضية. وقد عرض قراقيرة المرحلة الماضية، مشيراً الى أن جمعية المشاريع لطالما كانت ظهيراً للمقاومة ولخط المقاومة، وهي تعرّضت لما تعرّضت له من عسف واعتقالات وغيرها نتيجة موقفها المبدئي هذا، وهي لم تبخل بما تملك في هذا الاتجاه، وقد تعرضت لضغوط هائلة كما تعرّضت لمغريات ضخمة لتغيير موقفها ولكنها بقيت محافظة على موقعها المبدئي. وأضاف «لطالما اعتبرنا أنفسنا ظهيراً للمقاومة، ولن نكون إلا كذلك، ونحن نفتخر بأننا جزء من البيئة الحاضنة للمقاومة وسنبقى نعمل بالاسلوب نفسه، مهما حصل وبغض النظر عما وقع».
وقال نصر الله إن حزب الله والمقاومة الاسلامية يعتبران أنهما خسرا ثلاثة شهداء في هذه الاشتباكات، مشيراً الى أحمد جمال عميرات بصفته أحد شهداء المقاومة ايضاً. وطرح نية الحزب التعويض عن الأضرار المادية التي لحقت بالمواطنين والممتلكات في المنطقة، سائلاً عما تملكه المشاريع في هذا المجال، فأجاب قراقيرة فوراً: «مالكم هو مالنا ومالنا مالكم، فأما المسجدان فقد تكفل متبرعون بإصلاح ما تضرر، وأما الجمعية فهي جاهزة للمشاركة في التعويض عن الأضرار والممتلكات» وهو الموقف الذي نوّهت به قيادة حزب الله، واتفق على تأليف لجنة مشتركة لإحصاء الأضرار والتعويض على المتضررين من المواطنين والاطراف كافة.
واتفق المجتمعون على ضرورة استكمال ومتابعة تحقيقات الجيش الى النهاية، ومعاقبة المرتكبين من أي طرف كانوا والى أية جهة انتموا، والحرص على توفير كل ما يطلبه الجيش من معلومات ومعطيات تفيد التحقيق بالحادثة. كما اتفقوا على تأليف لجان مشتركة دائمة في الأحياء لضبط الوضع بالكامل والتنسيق في منع أية ردود فعل أو استغلال من أي طرف متهور لما حصل، وتبادل المعلومات حول أي شخص يحاول الاستفادة مما جرى إن كان ينتمي الى اي من الحزب او الجمعية، او ابلاغ استخبارات الجيش إن لم يكن ينتمي الى اي من الطرفين، كذلك اتفق على لجان مشتركة بين الطرفين للتواصل السياسي والاهلي في المنطقة المعنية والمناطق المحيطة، وعدم ترك الامور للحالات الطارئة بل اعتبار هذه اللجان لجان عمل يومية.
كذلك اتفق الطرفان على تطوير العلاقة سياسياً بين القيادتين، وعلى مواجهة محاولات الاستغلال السياسي لما حصل، وعلى الاصرار على ملف شهود الزور الذي حاول البعض طرح شعار «بيروت مدينة منزوعة السلاح» للتعمية عليه وطمسه. وتناول الحديث أيضاً موضوع المحكمة الدولية، حيث جرى تبادل للآراء «بما يحضر للبنان والتحديات التي يواجهها البلد»، وكان تفاهمٌ على سبل العمل المشترك.
وتخللت اللقاء اشارات اولية وغير مباشرة الى ان محاولة اطلاق النار على الجيش في برج ابي حيدر قد تكون رداً على دور الجيش وموقفه الاخير في العديسة، خصوصاً ان الطرفين ينفيان استهداف الجيش بالنيران، كما لا تزال التحقيقات جارية لمعرفة دقائق مقتل الكادر في حزب الله محمد فواز الذي أدى مقتله الى اشتعال الامور بطريقة غير قابلة للضبط.
وقد رفض أسامة السيد (البقاع ـ أسامة القادري) وصف اللقاء بأنه لقاء مصالحة «لأنه لم يكن هناك قطيعة بيننا وبين حزب الله، لذا هذا اللقاء لقاء مصارحة، حتى العتاب بين الطرفين لم يكن موجوداً»، وكان ثمرة للقاءات عديدة حصلت على أثر الحادثة، دون أن ينفي ان للقيادة السورية دوراً كبيراً في إرساء عامل التهدئة. ونفى أن يكون المجتمعون تطرقوا الى مسألة تحميل المسؤولية الى أي طرف منهما.
وذكر مصدر في المشاريع، ان الجمعية كانت قد طلبت موعداً للقاء مع نصر الله، قبل حصول الاشتباك، واتُفق على ذلك إلا أن الموعد النهائي لم يحدد، لافتاً إلى أنه اتُفق في لقاء القيادتين على تبادل للزيارات في إطار تقديم التعازي بضحايا الطرفين. وتوقع انتهاء مسح الأضرار خلال أيام معدودة، والمباشرة فوراً بدفع التعويضات، مع الإشارة إلى أن لجنة مشتركة من الجانبين، عقدت لقاءً أمس لتنسيق قضية التعويضات.
وأعلن المصدر أن الأموال اللازمة لترميم مسجد البسطة الفوقا، تبرع بها «عدد من أهالي المنطقة ومن أحباب الجمعية»، وأن الجمعية كلفت شركة خاصة باشرت العمل أمس لإزالة آثار الحريق الذي أصابه، مضيفاً إن الجمعية ستتولى ترميم مبنى الديوان والأضرار التي لحقت بمركزها الرئيسي على نفقتها الخاصة.
وفي أول ترجمة عملية لإعادة العلاقة إلى طبيعتها بين الطرفين، يتوقع أن يشارك مسؤولون من حزب الله، في إفطار تقيمه الجمعية غروب غد، لـ«عدد من أصدقائها وشخصيات من أحزاب وجهات حليفة لها»، كانت قد دعت إليه منذ ما قبل الحادثة.
وكان قد صدر عن اللقاء بيان مشترك، تضمّن عناوين ما أكدته المصادر بالتفصيل، إضافة إلى تأكيد «دور الجيش في حفظ الأمن وعدم القبول باستهدافه أو الإساءة إليه واتهامه».
وفي ما يتعلق بالتحقيقات، تستمر الشرطة العسكرية في الجيش باستدعاء عدد كبير من الأشخاص. وحتى مساء أمس، استمر الطرفان بإرسال كل من تطلب الشرطة استجوابهم والتحقيق معهم. وأكدت مصادر معنية بالتحقيقات أن أربعة شبان موقوفين، «متنوّعي الانتماءات المذهبية»، اعترفوا بتكسير زجاج نوافذ مسجد البسطة، بينهم شخص أكد الموقوفون أنه رمى كمية من البنزين داخل المسجد وأشعل النيران فيه. ولفتت المصادر إلى ان التحقيق مع هؤلاء الموقوفين يتركز على ما إن كان أحد ما قد دفعهم إلى إحراق المسجد، أم هم قاموا بذلك من تلقاء أنفسهم، علماً بأنهم معروفون في المنطقة بتعاطي الحبوب المخدرة، ويصنفون في خانة «الزعران والمشاغبين».
أما صورة بداية الاشتباك، فلم تتضح بعد، وقد حصلت الشرطة العسكرية على تسجيلات لكاميرات المراقبة تظهر لحظة إطلاق النار على محمد فواز. وبحسب مصادر مطلعة، فإن التسجيلات تظهر فواز وهو ينتقل من رصيف إلى آخر، في مكان يبعد نحو 50 متراً عن المركز الرئيسي للأحباش، ولم تظهر عليه علامات التوتر أو الشعور بالخطر. ويظهر فواز لحظة إصابته برصاصة في رقبته، من دون أن يظهر مصدر الرصاصة. ولفتت المصادر إلى أن تحديد مطلق النار على فواز وتوقيفه يحل القسم الأكبر من الألغاز المحيطة بالاشتباك وأسبابه.
ومساء أمس، وفي حفل إفطار مغلق لعوائل الشهداء، تطرق نصر الله إلى حادثة برج أبي حيدر، التي وصفها بـ«الأليمة، ولكنها أظهرت أن هناك نوايا مبيتة»، وأن هناك أطرافاً بدت أنها تتحيّن الفرص لمهاجمة المقاومة وسلاحها. وهاجم «الاستغلال الرخيص لما حصل». وقال إنه سيعلن موقفاً في خطابه يوم الجمعة المقبل.
الاجتماع الأول و... الأخير؟
عقدت اللجنة الوزارية المكلفة «معالجة ظاهرة تفشي السلاح بين المواطنين»، اجتماعها الأول أمس برئاسة رئيس الحكومة، ويبدو أنها خلصت إلى أن المهمة أكبر منها، إذ إنها «بعد عرض سلسلة من الاقتراحات» رأت أن هذه الاقتراحات تستدعي اجتماعاً للمجلس الأعلى للدفاع، لذلك اتصل الحريري برئيس الجمهورية ميشال سليمان، وتقرر عقد اجتماع للمجلس، بعد ظهر اليوم في قصر بعبدا.
ولفت أن مواقف الحريري، بعد الاجتماع وفي إفطار لجمعية المقاصد، تميزت بلهجة أهدأ من السابق، بل إن بعضها حمل تبريراً للصوت العالي في الأسبوع الماضي، فأعلن ان ما يريده هو أن يأخذ ما حصل في بيروت «حجمه الطبيعي»، وما يهمّه «عدم تكرار ما حصل وذلك لمصلحة كل اللبنانيين، لمصلحة المقاومة وأهل بيروت». وأكد أنه لا يريد الفتنة ولا حزب الله يريدها. وأوضح أن «الدعوة إلى تطبيق القانون ومعالجة الخلل الأمني الناجم عن تفشي انتشار السلاح»، ليست «موجهة إلى طرف بعينه أو إلى جهة سياسية لحساب جهة أخرى»، و«أن الجرح الذي أصاب بيروت، ليس على جهة واحدة من الوجه، بل هو واقع ومؤلم على الجهتين».
لكن تهدئة الحريري، لم تنعكس على كتلته وحلفائه فاستمرت أمس الدعوات إلى «بيروت منزوعة السلاح»، واستمر معها الهجوم المعاكس لنواب حزب الله، وخصوصا من النائب محمد رعد ردّ بأن المطلوب هو «أن تكون بيروت منزوعة الأوهام ونظيفة من المتعاملين والمتآمرين»، وقال: «لقد طرحت شعارات لا يقصد منها إلا التحريض وضرب الاستقرار واستفزاز الآخرين وهذا يتنافى مع الدعوة إلى الهدوء والاستقرار». وأضاف «إن هذا الضجيج الذي أثير بعد حادثة برج أبي حيدر لم يثننا عن مواصلة الإصرار على ملاحقة شهود الزور الذين كانوا أدوات تلطى خلفها الانقلابيون على الوضع السياسي في البلاد على مدى خمس سنوات وعكروا صفو العلاقات اللبنانية السورية وضللوا التحقيق».
ومن التطورات البارزة أمس أيضاً، تلبية النائب وليد جنبلاط، دعوة السفير الإيراني غضنفر ركن أبادي، إلى عشاء في السفارة، في زيارة هي الأولى له منذ أكثر من خمس سنوات.