الشيطان، دائماً موجود بيننا.
تحوّل مضمون هذه العبارة، إلى لازمة لا مفرّ من قولها في معرض الحديث عن أسباب الإشكال الذي وقع يوم الثلاثاء في الرابع والعشرين من آب في برج أبي حيدر. الشيطان، كما يقول الرجل المحسوب على جمعية «المشاريع»، مهمته بث الفتن بين الناس دوماً. يقول العبارة لأحد المتضررين الذين انتظر وصول اللجنة المشتركة من «حزب الله» و«المشاريع»، أمس، والتي سددت المستحقات في اليوم نفسه، عقب كشف فنيّ على الأضرار من قبل مهندسين مختصين، على أن يتم التعويض في محيط تعاونية «الديوان» اليوم.
يسأل الرجل الثلاثيني، الذي كان مسؤولاً عن قسم الآليات في اللجنة، عن صاحب الحافلة الصغيرة المركونة خلف منزل حسين الحنبلي، فيأتيه الجواب من الجيران: «إنه ليس هنا»، ثم يصرّ المسؤول في «حزب الله» على التأكد من صحة الخبر، فيقصد المنزل متأكداً، ويتبين أن الرجل خارج المنزل فعلا.
قبل عملية البحث عن صاحب الحافلة، الذي تُرك له خبر الاتصال باللجنة فور عودته ليصرّح عن الأضرار التي تكبدها جرّاء الاشتباكات، كان أفراد اللجنة المنضوية في قسم المباني يجولون على منزل الحنبلي، فيما بدت علامات الارتباك واضحة على وجه الرجل الأربعيني: «لقد احترق المنزل بكامله، وكنت قاب قوسين أو أدنى من الموت، لولا رحمة الله. أما الآن، فكيف لكم أن تعوضوا عليّ كل مقتنيات المنزل الأثرية؟». تُسجل، في الاستمارة، كل المعلومات، ليصار إلى تسديد التعويض قبل موعد الإفطار.
غير ان الحنبلي، ونظراً لفداحة الضرر الذي لحق بمنزله، فقد تم تأجيل دفع تعويضه إلى ما بعد إفطار الأمس، فيما سددت التعويضات المالية، من قبل «الحزب» و«المشاريع»، لأكثر من 30 فرداً تضررت جدران أو ستائر منازلهم أو واجهات محلاتهم التجارية، قبل موعد آذان المغرب، الموعد نفسه الذي وقعت فيه اشتباكات الثلاثاء الأسود، وشملت حوالي 15 شخصاً أصيبت سياراتهم بأضرار مختلفة، بين تلك الجسيمة، إلى السيارات التي تهشم زجاجها.
يسحب الحنبلي، بين الدقيقة والأخرى، سيجارة وينفثها بسرعة تتجاوز سؤاله عن الرقم التقريبي للتعويض. يقول انه كان في البسطا عندما استشعر بأن ثمة لجنة قادمة للتعويض. إحساس فقط؟ يؤكد هذا الأمر، معرباً عن سعادته بالخطوة التي أقدم عليها الطرفان، ومتأملاً في الوقت نفسه ان لا تتكرر تلك الليلة المشؤومة.
يبدو شارع برج أبي حيدر نائماً، عند العاشرة صباحاً، لولا مشهد انتشار عناصر الجيش اللبناني مع الآليات الموزعة على المداخل، حيث تبعث هذه الصورة بعضاً من الحيوية وترسم معالم الاستنفار الدائم، أي عكس النوم. يستفيق الشارع على جولة اللجنة، بنظرات مستغربة في بادئ الأمر.
عاشور والعجوز: لا فرق
بعد تلك النظرات، تبدأ المطالبات بزيارة هذا المبنى أو ذاك المحل الذي فقد واجهته، وإما بإلقاء نظرة سريعة على السيارة أو الحافلة التي احترقت أثناء الاشتباكات. صاحب محل عاشور للنظارات يصرخ بأعلى صوته: «أنا هنا... لا وقت لديّ!». صراخه ليس استفزازياً، بل انه طبيعي. هو يقول «صباح الخير» بالطريقة نفسها.
تتوجه المجموعة المعنية بالأضرار المتعلقة بالمباني إلى محل عاشور، فيقول لهم الرجل انه خسر واجهة المحل كلها، فضلاً عن خسارته 150 قارورة جلاب كان قد افترشها قبيل وقوع الإشكال على الرصيف، ثم اختفت بعد الإشكال. تُسجل استمارة باسم عاشور. يشكرهم الرجل، ويعود إلى عمله بالوجه المتجهم نفسه، وصوته الأجش يقول: «يا جماعة... هذا المحل أيضاً قد تضررت واجهته!».
تمضي المجموعة في طريقها لاستكمال الجولة، قبل أن يتسنى لهم فرصة سماع صوت عاشور، على الرغم من انه يضاهي مكبرات الصوت. عاشور كان يقصد بالمحل ذاك، صالون سمير العجوز: رجل ستيني، جلس على كرسي خشبي أمام صالون الحلاقة العتيق الذي يملكه، منتظراً قدوم المجموعة إلى محله للاستفسار عن الأضرار التي تكبدها. هو، كما يقول، خجل من مناداتهم، تماماً كما خجل جاره الذي جلس إلى جانبه قبالة محل الحلويات الذي يملكه، والذي تضررت واجهته.
العجوز كان في منزله، الواقع في الشارع نفسه، إبان وقوع الاشتباكات. يجزم أنها كانت ليلة قاسية. يقول ان ما حصل هو قضاء وقدر، لافتاً النظر إلى ان اللجنة لم تسأله عن الأضرار لأنها لم تنتبه إليه، مبرراً: «هم السباقون إلى الخير دائماً».
تستكمل مجموعة المباني جولتها التفقدية في المنطقة، والتي شمل تعويضها حتى الأضرار البسيطة كثقوب الجدران غير الظاهرة، فيما راحت المجموعة الثانية المعنية بالآليات، أي السيارات والحافلات والدراجات النارية، تجول على المتضررين الذين صاروا يتوافدون من منازلهم أو أشغالهم، لضرورة وجودهم شخصياً وتعبئة الاستمارة، بعد إبراز الأوراق التي تثبت ملكيتهم للآلية المتضررة.
كابوس الجيش.. والعودة إلى المرض
من منطقة الاشتباكات الأولى، إلى المنطقة الثانية التي احترق فيها مبنى تعاونية «الديوان»، يُلاحظ انتشار عسكري للجيش بين المنافذ المؤدية للمكان، وصولا إلى شارع «الأوزاعي» في المزرعة، حيث التعاونية. وحيث الرجل الذي رفع ورقة تقول: «لا اله إلا الله.. ساعدوا هذا العجوز المسكين». هو ليس عجوزاً، ولن يساعده أحد.
لمشهد العسكر عند الناس طابع أمني، يجلب الراحة النفسية إلى حد ما، خصوصاً عقب وقوع إشكالات كتلك التي وقعت مؤخراً، غير ان هذا المشهد، تحوّل إلى كابوس عند صاحبة محل الألبسة المواجه لـ«الديوان» ندى عيتاني. هي تقول ان هذا المشهد كفيل بعدم دخول أحد على محلها، كما المحال المجاورة.
يبدأ الحديث مع السيدة الأربعينية بنبرة منخفضة الصوت بادئ الأمر، لترتفع وتيرة الصوت والنبرة معاً بغتةً، في أثناء الحديث عن اللجنة التي ستزورها اليوم لتقويم الأضرار، قائلة: «لقد خسرت، في الشكل، واجهة المحل فقط، وبعض الألبسة. لكن، هل سيعوضون لي عن الأسبوع الذي مرّ، والأسابيع التي ستمر، من دون أي أرباح مالية؟ من دون أي بيع، بسبب خوف الناس، والنسوة تحديداً، خصوصاً واننا على أبواب العيد، وهذا هو وقت رزقنا الحقيقي؟!».
تقول عيتاني، التي يُعتبر محلها من أهم المحال التجارية في الشارع، انه وصل بها الأمر إلى ان طلبت من عنصر الجيش المتمركز على آليته قبالة محلها، ان ينتقل إلى مكان آخر، علّ النسوة يتجرأن بالدخول إلى محلها قبل حلول عيد الفطر، إلا ان العسكري أخبرها بأن الأمر ليس بيده. عيتاني تقول انها لا تريد تعويضاً من أحد. هي مستاءة جداً وغاضبة.
تكر سبحة الهجوم: «لقد عشت ليلة لا يستطيع أن يتخيلها أحد، وقد حتمت عليّ أن أعود لتعاطي حبوب تهدئة الأعصاب التي أقلعت عنها منذ مدة طويلة. هل سيعوضون عنّي كل الأموال التي خسرناها خلال هذا الأسبوع؟ التعويض الحقيقي، هو أن يتركونا في حالنا. لا نريد شفقة من أحد. اتركونا فقط».
على الرغم من محبتها السياسية لطرفي الإشكال، كما تقول، إلا ان الأرزاق لا علاقة لها بأي جهة سياسية. هي تحب «حزب الله» الذي يقاتل إسرائيل. تحلف السيدة بالله انها لم تبع أي قطعة ثياب منذ وقوع الإشكال. تشتد عضلات وجهها في أثناء الحديث: «ألا يكفينا ظلم الدولة؟ ألا يكفينا اننا عشنا منذ الولادة على الحروب؟ ماذا يُفترض أن نقدّم بعد؟ لقد أصبحنا فرجة للناس».
أبو عبد.. وصورة «السيد»
أبو عبد رجل مشهور في الحي، خسر أيضاً واجهة محل اللوحات الفنية الذي يملكه، والتي يقدّر ثمنها بحوالي 1500 دولار أميركي، فضلاً عن احتراق سيارة نجله التي كانت مركونة أمام المحل. الدراجات النارية المحروقة عن بكرة أبيها ما زالت في الشارع. تزينه، ليصبح أكثر «إشراقاً»: أكثر سواداً.
بخجل، يرفع الرجل الستيني نسخة عن إيصال تبرّع لـ«هيئة المقاومة الإسلامية»، ليقول ما مفاده أنه يحبّ الخط الذي ينتهجه «حزب الله» بوجـه إسـرائيل. ثم، في الأسلوب الخجول نفسه، يسحب صورة ويسأل ممازحاً: «هل تعرف من هذا؟». طبعاً. انها صورة أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله. يضحك العيتاني مزهواً.
الرجل فخور بأنه لم يغضب من الخسارة التي لحقت به، غير انه، في الوقت نفسه، لا يريد أن يشعر بالغبن. يتذكر، بالأسلوب الذي يخلط فيه الحديث الآني بذكرياته، ان «السيد» قد أرسل له شهادة شكر منذ سنوات، على دعمه للمقاومة. لا يلبث أن يدخل في صلب الموضوع «نتمنى أن يعوضوا علينا ما خسرناه فعلاً». من التعويضات، التي لم يشأ التوسع في الحديث عنها، يعرّج أبو عبد إلى التحليل السياسي حول الإشكال، قائلاً انه ثمة طرف ثالث دخل على الخط ويتمنى الا يقع الحزب مرة أخرى في مثل هذه الأفخاخ.
تحوّل مضمون هذه العبارة، إلى لازمة لا مفرّ من قولها في معرض الحديث عن أسباب الإشكال الذي وقع يوم الثلاثاء في الرابع والعشرين من آب في برج أبي حيدر. الشيطان، كما يقول الرجل المحسوب على جمعية «المشاريع»، مهمته بث الفتن بين الناس دوماً. يقول العبارة لأحد المتضررين الذين انتظر وصول اللجنة المشتركة من «حزب الله» و«المشاريع»، أمس، والتي سددت المستحقات في اليوم نفسه، عقب كشف فنيّ على الأضرار من قبل مهندسين مختصين، على أن يتم التعويض في محيط تعاونية «الديوان» اليوم.
يسأل الرجل الثلاثيني، الذي كان مسؤولاً عن قسم الآليات في اللجنة، عن صاحب الحافلة الصغيرة المركونة خلف منزل حسين الحنبلي، فيأتيه الجواب من الجيران: «إنه ليس هنا»، ثم يصرّ المسؤول في «حزب الله» على التأكد من صحة الخبر، فيقصد المنزل متأكداً، ويتبين أن الرجل خارج المنزل فعلا.
قبل عملية البحث عن صاحب الحافلة، الذي تُرك له خبر الاتصال باللجنة فور عودته ليصرّح عن الأضرار التي تكبدها جرّاء الاشتباكات، كان أفراد اللجنة المنضوية في قسم المباني يجولون على منزل الحنبلي، فيما بدت علامات الارتباك واضحة على وجه الرجل الأربعيني: «لقد احترق المنزل بكامله، وكنت قاب قوسين أو أدنى من الموت، لولا رحمة الله. أما الآن، فكيف لكم أن تعوضوا عليّ كل مقتنيات المنزل الأثرية؟». تُسجل، في الاستمارة، كل المعلومات، ليصار إلى تسديد التعويض قبل موعد الإفطار.
غير ان الحنبلي، ونظراً لفداحة الضرر الذي لحق بمنزله، فقد تم تأجيل دفع تعويضه إلى ما بعد إفطار الأمس، فيما سددت التعويضات المالية، من قبل «الحزب» و«المشاريع»، لأكثر من 30 فرداً تضررت جدران أو ستائر منازلهم أو واجهات محلاتهم التجارية، قبل موعد آذان المغرب، الموعد نفسه الذي وقعت فيه اشتباكات الثلاثاء الأسود، وشملت حوالي 15 شخصاً أصيبت سياراتهم بأضرار مختلفة، بين تلك الجسيمة، إلى السيارات التي تهشم زجاجها.
يسحب الحنبلي، بين الدقيقة والأخرى، سيجارة وينفثها بسرعة تتجاوز سؤاله عن الرقم التقريبي للتعويض. يقول انه كان في البسطا عندما استشعر بأن ثمة لجنة قادمة للتعويض. إحساس فقط؟ يؤكد هذا الأمر، معرباً عن سعادته بالخطوة التي أقدم عليها الطرفان، ومتأملاً في الوقت نفسه ان لا تتكرر تلك الليلة المشؤومة.
يبدو شارع برج أبي حيدر نائماً، عند العاشرة صباحاً، لولا مشهد انتشار عناصر الجيش اللبناني مع الآليات الموزعة على المداخل، حيث تبعث هذه الصورة بعضاً من الحيوية وترسم معالم الاستنفار الدائم، أي عكس النوم. يستفيق الشارع على جولة اللجنة، بنظرات مستغربة في بادئ الأمر.
عاشور والعجوز: لا فرق
بعد تلك النظرات، تبدأ المطالبات بزيارة هذا المبنى أو ذاك المحل الذي فقد واجهته، وإما بإلقاء نظرة سريعة على السيارة أو الحافلة التي احترقت أثناء الاشتباكات. صاحب محل عاشور للنظارات يصرخ بأعلى صوته: «أنا هنا... لا وقت لديّ!». صراخه ليس استفزازياً، بل انه طبيعي. هو يقول «صباح الخير» بالطريقة نفسها.
تتوجه المجموعة المعنية بالأضرار المتعلقة بالمباني إلى محل عاشور، فيقول لهم الرجل انه خسر واجهة المحل كلها، فضلاً عن خسارته 150 قارورة جلاب كان قد افترشها قبيل وقوع الإشكال على الرصيف، ثم اختفت بعد الإشكال. تُسجل استمارة باسم عاشور. يشكرهم الرجل، ويعود إلى عمله بالوجه المتجهم نفسه، وصوته الأجش يقول: «يا جماعة... هذا المحل أيضاً قد تضررت واجهته!».
تمضي المجموعة في طريقها لاستكمال الجولة، قبل أن يتسنى لهم فرصة سماع صوت عاشور، على الرغم من انه يضاهي مكبرات الصوت. عاشور كان يقصد بالمحل ذاك، صالون سمير العجوز: رجل ستيني، جلس على كرسي خشبي أمام صالون الحلاقة العتيق الذي يملكه، منتظراً قدوم المجموعة إلى محله للاستفسار عن الأضرار التي تكبدها. هو، كما يقول، خجل من مناداتهم، تماماً كما خجل جاره الذي جلس إلى جانبه قبالة محل الحلويات الذي يملكه، والذي تضررت واجهته.
العجوز كان في منزله، الواقع في الشارع نفسه، إبان وقوع الاشتباكات. يجزم أنها كانت ليلة قاسية. يقول ان ما حصل هو قضاء وقدر، لافتاً النظر إلى ان اللجنة لم تسأله عن الأضرار لأنها لم تنتبه إليه، مبرراً: «هم السباقون إلى الخير دائماً».
تستكمل مجموعة المباني جولتها التفقدية في المنطقة، والتي شمل تعويضها حتى الأضرار البسيطة كثقوب الجدران غير الظاهرة، فيما راحت المجموعة الثانية المعنية بالآليات، أي السيارات والحافلات والدراجات النارية، تجول على المتضررين الذين صاروا يتوافدون من منازلهم أو أشغالهم، لضرورة وجودهم شخصياً وتعبئة الاستمارة، بعد إبراز الأوراق التي تثبت ملكيتهم للآلية المتضررة.
كابوس الجيش.. والعودة إلى المرض
من منطقة الاشتباكات الأولى، إلى المنطقة الثانية التي احترق فيها مبنى تعاونية «الديوان»، يُلاحظ انتشار عسكري للجيش بين المنافذ المؤدية للمكان، وصولا إلى شارع «الأوزاعي» في المزرعة، حيث التعاونية. وحيث الرجل الذي رفع ورقة تقول: «لا اله إلا الله.. ساعدوا هذا العجوز المسكين». هو ليس عجوزاً، ولن يساعده أحد.
لمشهد العسكر عند الناس طابع أمني، يجلب الراحة النفسية إلى حد ما، خصوصاً عقب وقوع إشكالات كتلك التي وقعت مؤخراً، غير ان هذا المشهد، تحوّل إلى كابوس عند صاحبة محل الألبسة المواجه لـ«الديوان» ندى عيتاني. هي تقول ان هذا المشهد كفيل بعدم دخول أحد على محلها، كما المحال المجاورة.
يبدأ الحديث مع السيدة الأربعينية بنبرة منخفضة الصوت بادئ الأمر، لترتفع وتيرة الصوت والنبرة معاً بغتةً، في أثناء الحديث عن اللجنة التي ستزورها اليوم لتقويم الأضرار، قائلة: «لقد خسرت، في الشكل، واجهة المحل فقط، وبعض الألبسة. لكن، هل سيعوضون لي عن الأسبوع الذي مرّ، والأسابيع التي ستمر، من دون أي أرباح مالية؟ من دون أي بيع، بسبب خوف الناس، والنسوة تحديداً، خصوصاً واننا على أبواب العيد، وهذا هو وقت رزقنا الحقيقي؟!».
تقول عيتاني، التي يُعتبر محلها من أهم المحال التجارية في الشارع، انه وصل بها الأمر إلى ان طلبت من عنصر الجيش المتمركز على آليته قبالة محلها، ان ينتقل إلى مكان آخر، علّ النسوة يتجرأن بالدخول إلى محلها قبل حلول عيد الفطر، إلا ان العسكري أخبرها بأن الأمر ليس بيده. عيتاني تقول انها لا تريد تعويضاً من أحد. هي مستاءة جداً وغاضبة.
تكر سبحة الهجوم: «لقد عشت ليلة لا يستطيع أن يتخيلها أحد، وقد حتمت عليّ أن أعود لتعاطي حبوب تهدئة الأعصاب التي أقلعت عنها منذ مدة طويلة. هل سيعوضون عنّي كل الأموال التي خسرناها خلال هذا الأسبوع؟ التعويض الحقيقي، هو أن يتركونا في حالنا. لا نريد شفقة من أحد. اتركونا فقط».
على الرغم من محبتها السياسية لطرفي الإشكال، كما تقول، إلا ان الأرزاق لا علاقة لها بأي جهة سياسية. هي تحب «حزب الله» الذي يقاتل إسرائيل. تحلف السيدة بالله انها لم تبع أي قطعة ثياب منذ وقوع الإشكال. تشتد عضلات وجهها في أثناء الحديث: «ألا يكفينا ظلم الدولة؟ ألا يكفينا اننا عشنا منذ الولادة على الحروب؟ ماذا يُفترض أن نقدّم بعد؟ لقد أصبحنا فرجة للناس».
أبو عبد.. وصورة «السيد»
أبو عبد رجل مشهور في الحي، خسر أيضاً واجهة محل اللوحات الفنية الذي يملكه، والتي يقدّر ثمنها بحوالي 1500 دولار أميركي، فضلاً عن احتراق سيارة نجله التي كانت مركونة أمام المحل. الدراجات النارية المحروقة عن بكرة أبيها ما زالت في الشارع. تزينه، ليصبح أكثر «إشراقاً»: أكثر سواداً.
بخجل، يرفع الرجل الستيني نسخة عن إيصال تبرّع لـ«هيئة المقاومة الإسلامية»، ليقول ما مفاده أنه يحبّ الخط الذي ينتهجه «حزب الله» بوجـه إسـرائيل. ثم، في الأسلوب الخجول نفسه، يسحب صورة ويسأل ممازحاً: «هل تعرف من هذا؟». طبعاً. انها صورة أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله. يضحك العيتاني مزهواً.
الرجل فخور بأنه لم يغضب من الخسارة التي لحقت به، غير انه، في الوقت نفسه، لا يريد أن يشعر بالغبن. يتذكر، بالأسلوب الذي يخلط فيه الحديث الآني بذكرياته، ان «السيد» قد أرسل له شهادة شكر منذ سنوات، على دعمه للمقاومة. لا يلبث أن يدخل في صلب الموضوع «نتمنى أن يعوضوا علينا ما خسرناه فعلاً». من التعويضات، التي لم يشأ التوسع في الحديث عنها، يعرّج أبو عبد إلى التحليل السياسي حول الإشكال، قائلاً انه ثمة طرف ثالث دخل على الخط ويتمنى الا يقع الحزب مرة أخرى في مثل هذه الأفخاخ.