الأدوية الأغلى ثمناً هي الأكثر استهلاكاً في لبنان
يزداد استهلاك الدواء في لبنان بوتيرة غير منطقية، ما يطرح تساؤلات كثيرة عن أسباب ذلك والمستفيدين منه، ولا سيما أن السياسات المتّبعة منذ عقود لا تضع سقفاً للفاتورة الإجمالية، فيما الأجهزة المعنية لا تمارس أي نوع من أنواع الرقابة على السوق، حيث تتعاظم أرباح «كارتيل» الدواء في ظل زيادة التركّز والاحتكار
محمد وهبة
هناك أرقام متفاوتة تُتداول عن سوق الدواء في لبنان لعام 2009، إلا أن جميعها تتفق على أن حجم هذه السوق يتجاوز 800 مليون دولار، وهذا الرقم الأخير يستند إلى سوق الدواء النظامية فقط، فيما تقدّر إحدى الجهات الفاعلة في السوق حجم الإنفاق على الدواء الذي يدخل إلى لبنان بطرق غير نظامية بما لا يقل عن 200 مليون دولار... أي إن حجم الإنفاق الفعلي يصل إلى أكثر من مليار دولار.
تفاوت الإحصاءات
بداية، تعتري الإحصاءات الخاصة بسوق الدواء ثغر عدّة، إذ تؤكد الإحصاءات الجمركية أن قيمة الأدوية المستوردة بلغت 675 مليون دولار في نهاية 2009، فيما تقدّر شركة «بزنس مونيتور إنترناشيونال» (BMI) حجم السوق المحليّة بنحو 518 مليون دولاراً، أما المعطيات التي توردها شركة «IMS Health» فتشير إلى إن حجم سوق الدواء يصل إلى 625 مليون دولار.
لكن هذه الأرقام لا تعكس حجم الاستهلاك الفعلي للدواء في لبنان. فالأرقام الصادرة عن الجمارك لا تشمل حجم الصناعة المحليّة، فضلاً عن أنها مسجّلة بأسعار الاستيراد، أي قبل زيادة أرباح المستوردين والصيادلة. وبحسب تقديرات أعدّتها جهة معنية في السوق واطلعت عليها وزارة الصحة، فإن إنفاق اللبنانيين على الدواء يرتفع إلى أكثر من 1012 مليون دولار بعد زيادة الأرباح المحلية، وإلى أكثر من 1100 مليار دولار بعد احتساب كلفة استهلاك الدواء المصنّع محلياً.
في السياق نفسه، تستند BMI إلى عدد من المراجع، مثل البنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية و«US Commercial Services» و«IMS Health»، ولكنها لا تشرح كيفية التوصل إلى تقدير حجم السوق المحليّة بنحو 518 مليون دولار، أي أقل من إحصاءات الجمارك بنحو 175 مليون دولار. وبالنسبة إلى «IMS Health»، يقول المعنيون في سوق الدواء إنها تحصل على إحصاءات دقيقة جداً من نقابة الصيادلة، لكن تقديراتها لحجم السوق الكلّي لا تشمل ما يُستهلك من أدوية في المستشفيات ولدى المؤسسات الضامنة الرسمية مثل وزارة الصحة والطبابة العسكرية في الجيش اللبناني.
في السياق نفسه، تفيد دراسة إحصائية أجراها النائب السابق إسماعيل سكريّة بأن فاتورة استهلاك الدواء بلغت 795.6 مليون دولار، مقابل 631.4 مليون دولار على أساس سعر المبيع للصيدلي، بزيادة نسبتها 9% عن استهلاك الأدوية في 2008، ليحتلّ لبنان المركز الثالث عربياً في استيراد الأدوية بعد السعودية ومصر. وعلى هذا الأساس بلغت قيمة استهلاك الفرد 180 دولاراً، وهي الأعلى عربياً مقارنة مع 140 دولاراً في الإمارات و80 دولاراً في السعودية و60 دولاراً في الأردن و50 دولاراً في تونس و38 دولاراً في مصر... في مقابل 600 دولار في أميركا و340 دولاراً في فرنسا و290 دولاراً في بريطانيا.
في ظل هذا التفاوت في الأرقام والتقديرات، يؤكد أحد المعنيين باستيراد الأدوية أن حجم سوق الدواء، وفقاً لأسعار مبيع المستوردين في 2009، يصل إلى 650 مليون دولار (احتُسبت كل تفاصيل الإنفاق في الصيدليات والمستشفيات والمؤسسات الرسمية) مقارنة مع 595 مليوناً في 2008، ما يعني أن حجم إنفاق اللبنانيين على الدواء، أي وفق أسعار المبيع للمستهلك، بلغ في 2009 نحو 815 مليون دولار مقارنة مع 770 مليون دولار في 2008. وبالتالي فقد بلغ إنفاق الفرد على الدواء 204 دولارات، مقابل 192 دولاراً في 2008 (تحتسب وزارة الصحّة عدد اللبنانيين 3.992 مليون نسمة لـ 2008).
إلا أن هذا الانتفاخ في فاتورة الاستهلاك له أسباب عديدة. فبحسب BMI، فإن الاستهلاك المستند إلى وصفة طبية يمثّل 89.7% من إجمالي السوق المحلية، فيما استهلاك الأدوية الأصلية يبلغ 74.8% من الوصفات الطبية، و67% من مجمل القطاع الدوائي في لبنان، مشيرة إلى زيادة استعمال أدوية الجينيريك في المستقبل ولكن بنحو طفيف، إذ تمثّل هذه الأدوية 25.2% من الوصفات الطبية، و33% من قطاع الدواء.
حصّة الأسد
أين يذهب هذا الإنفاق الهائل؟ بحسب إحصاءات خاصة بإحدى شركات الاستيراد، فإن أدوية الأمراض المستعصية والسرطانية تمثّل أكبر نسبة من الإنفاق توازي 17.6% من مجمل فاتورة الدواء، فيما تمثّل أدوية الالتهابات 14.8% من الفاتورة، أما أدوية أمراض القلب فهي تمثّل 13.4% وأدوية الأمراض العصبيّة 12%، وأدوية الجهاز الهضمي 12%... وهذه الأبواب الخمسة تمثّل 69.8% من مستوردات الأدوية، إذ إنها الأغلى ثمناً، وهي في غالبيتها ليست أدوية جينيريك، بل أدوية أصليّة تحمل امتياز التصنيع.
ويقول أحد مستوردي الأدوية إن هناك 500 دواء هي الأكثر استهلاكاً في لبنان والأغلى ثمناً، وعلى الرغم من أن هناك أدوية جينيريك مماثلة لهذه الأدوية، إلا أن الاستيراد يتركّز عليها، بسبب «سلّة فوائد» يستفيد منها كل أركان السوق من الطبيب إلى الشركة المستوردة ومستودع الدواء والصيدلي... لكن بحسب BMI، تؤكد وزارة الصحة أن 21% من أدوية الجينيريك المستهلكة في لبنان هي مصنّعة محلياً!
وهذا التركّز ليس مفاجئاً. فبحسب إحصاءات خاصة، استحوذت منتجات شركة «Sanofi Aventis»، في نهاية عام 2009، على 12.3% من مجمل المستوردات، فيما بلغت حصّة «Novartis» 7.9%، و«Roche Pharmaceuticals» 7.8%، و«GSK» 6.8% و«Pfizer» 5.9%، أي إن 5 شركات منتجة للدواء في العالم تستحوذ على 40.7% من مستوردات الدواء.
وتشير الإحصاءات إلى أن دواء «AVASTIN» هو الأكثر استهلاكاً في لبنان، بنسبة 1.7% من مجمل المستوردات، يليه «PANADOL» و«HERCEPTIN» بنسبة 1.5% لكل منهما، ثم «GLIVEC» و«MABTHERA» بنسبة 1.3% لكل منهما، فـ«PLAVIX» بنسبة 1.1%...
1818 مستحضراً
هو عدد الأدوية التي سُجّلت في لبنان خلال الأعوام 2005، 2006، 2007، 2008، و2009، أي بمعدل 363 دواءً سنوياً، في مقابل 100 دواء يسجّل في أميركا سنوياً
50 في المئة
من الأدوية المسجّلة في لبنان، ليس لها حاجة طبية علاجية في لبنان، وغير خاضعة للائحة الأدوية الأساسية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية
57.4 في المئة
من سوق الدواء في لبنان تُستورد من 4 بلدان أوروبية كالآتي: 17% من فرنسا، 16% من سويسرا، 12.5% من ألمانيا، 11.9% من المملكة المتحدة
خريطة دواء
سيبقى قطاع الدواء في لبنان معتمداً اعتماداً أساسياً على المستوردات التي تمثّل نحو 90% من حجم الإنفاق، وهناك أكثر من 50 مستورداً ناشطاً يستوردون من 508 مصانع دواء موجودة في 25 بلداً في العالم، فضلاً عن أن لبنان استهلك في عام 2009 نحو 6557 صنفاً من الدواء، منها 1073 دواءً مصنّعاً محلياً، يضاف إليها 1200 متمّم غذائي وفيتامينات وأعشاب مستوردة استناداً إلى المرسوم 11710