أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

ما تبقّى من «ثورة الأرز»: الثأر من ضبّاط في الأمن العام

الإثنين 06 أيلول , 2010 03:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,018 زائر

ما تبقّى من «ثورة الأرز»: الثأر من ضبّاط في الأمن العام

اعتادت السلطة التنفيذية والإدارات التابعة لها تجاهل قرارات السلطة القضائية. واليوم، ثمة خشية من أن تستمر السياسة العقابية بحق عدد من الضباط الذين حصلوا على حكم قضائي بإعادتهم إلى المديرية العامة للأمن العام، لأن رئاسة مجلس الوزراء ترى أن تنفيذ حكم القضاء بحاجة إلى مرسوم


لماذا المماطلة بتنفيذ قرار مجلس شورى الدولة القاضي بإعادة ضباط من المديرية العامة للأمن العام إلى مواقعهم، بعدما نُقِلوا إلى الجيش عام 2005؟تعود القصة إلى عام 2005، عندما بدأت سلطة ما بعد الانسحاب السوري إجراءاتها العقابية بحق الضباط المحسوبين على النظام الأمني «اللبناني ـــــ السوري المشترك». وفي ظل انشغال وزير الداخلية حسن السبع بالبحث عن «الأشباح»، لم يجد أمامه سوى الانتقام من الضباط الذين نقلوا من ملاك الجيش إلى ملاك المديرية العامة للأمن العام بين عامي 1999 و2000. وهؤلاء الضباط (عددهم 14 ضابطاً) هم الذين استند إليهم اللواء جميل السيد من أجل مأسسة المديرية، والإمساك بـ«الأمن المسلكي» فيها.
حسن السبع ليس غريباً عن المديرية العامة للأمن العام. فهو أحد ضباطها المتقاعدين. ولم يكن بينه وبين رئيسه السابق، جميل السيد، كيمياء إيجابية. ومن دون أي سبب إداري أو مسلكي، أصدر السبع قراراً بوضع الضباط المذكورين بتصرف الوزير. كان ذلك يوم 3 حزيران 2005، في حمأة الحديث عن تطهير الأجهزة الأمنية من بقايا النظام السابق.
تلك الخطوة ترافقت مع تفريغ دائرة الأمن المسلكي في مكتب شؤون المعلومات في المديرية من ضباطها. والدائرة المذكورة هي الحسيب والرقيب في المديرية.
الضباط المعنيّون بالقرار طعنوا به. ولما أحسّ السبع بأنه سيخسر المعركة القانونية في وجههم، أصدر قراراً يوم 25 تموز 2005، قضى بإنشاء «غرفة ارتباط في وزارة الداخلية»، تتابع الشؤون المتعلقة بالأمن العام. القرار لم يراع النصوص القانونية التي تنظّم الوزارة. نفّذ الضباط قرار الوزير، إلا أنهم طعنوا به.
بدا الضباط مصرّين على البقاء في الأمن العام، فما كان من السلطة السياسية إلا أن أصدرت المرسوم الرقم 15624 يوم 31 تشرين الأول 2005، يقضي بإعادتهم إلى الجيش. وفي المؤسسة العسكرية، أبقي معظمهم في تصرف قائد الجيش، إلى أن أتى العماد جان قهوجي لينصف بعضهم، أو على الأقل، ليخرجه من حالة «البطالة المقنّعة».
تقدم الضباط بمذكرات «استرحامية»، من دون أن ينفع ذلك. لكنهم، وابتداءً من نيسان 2006، سلكوا طريقاً آخر، إذ تقدم معظمهم بطعون في المرسوم، أمام مجلس شورى الدولة.
يوم 5 تشرين الثاني 2008، صدر قرار بالإجماع عن مجلس الشورى، أبطل فيه مرسوم نقل الضباط إلى الجيش. وعلل المجلس حكمه بأن المرسوم لم «يتخذ تلبية لحاجة المرفق العام». فنقلهم إلى الجيش لم يكن مستنداً على انتفاء الحاجة إليهم، إذ أعقبه أكثر من مرسوم لنقل ضباط من الجيش إلى الأمن العام. ومعظم الفئة الأخيرة محسوبون إما على آل الحريري، أو على رئيس الجمهورية ميشال سليمان والوزير الياس المر. وقد رأى مجلس الشورى أن «المرسوم المطعون به اتخذ بنيّة زجريّة ويشكّل بالتالي عقوبة مقنعة».
في كانون الثاني 2009، تقدم عدد من الضباط بأحكام صالحة للتنفيذ. قيادة الجيش ووزارة الدفاع لم تمانعا بتنفيذ الأحكام، وإعادة الضباط إلى المديرية العامة للأمن العام. لكن الأخيرة رفضت، طالبة وقف تنفيذ الحكم، وإعادة المحاكمة. رَفض مجلس الشورى وقفَ تنفيذ الحكم، لكنه قبِل بإعادة المحاكمة. كان ذلك في آذار 2009، إلا أن الحكم القضائي لم ينفذ. فالمدير العام للأمن العام اللواء وفيق جزيني لم يكن يريد لهؤلاء العودة إلى المديرية.
مع مرور الوقت، نجح المماطلون بتنفيذ الحكم. فبعض الضباط المستفيدين منه خرجوا على التقاعد، وأحدهم لم يتقدم بشكوى، فيما اثنان آخران لم يطلبا تنفيذ الحكم، فاستقر عدد طالبي العودة إلى الأمن العام على خمسة ضباط هم: العميد فؤاد الخوري والعقيدان داني فارس ومنير عقيقي والمقدم جوزف تومية والرائد علي السيد. وهؤلاء حصلوا على أحكام نهائية من مجلس شورى الدولة قبل أسابيع، وباتوا اليوم، بقوة القضاء، ضباطاً في المديرية العامة للأمن العام. وزارة الدفاع وقيادة الجيش نفذتا الحكم القضائي، وجرت تصفية حقوقهم في الجيش. أما وزارة الداخلية، فقد أحالت نسخة من الحكم على المديرية العامة للأمن العام، طالبة تنفيذه. فوزير الداخلية زياد بارود مقتنع بأن الإدارة ملزمة بالتنفيذ الفوري للحكم القضائي المبرم. إلا أن المفاجأة أتت من رئاسة الحكومة التي بعثت برسالة إلى بارود، لا يُفهَم من مضمونها سوى أن إعادة الضباط إلى الأمن العام بحاجة إلى مرسوم. ومُصدِر هذه الفتوى هو القاضي سهيل بوجي، الموجود في الأمانة العامة لرئاسة مجلس الوزراء خلافاً للقانون. وتستند هذه الفتوى إلى سابقة إعادة ضابطين إلى الأمن العام، بعدما تقدما باستقالتيهما عامي 2001 و2004، ثم طعنا بمرسومي قبول استقالتيهما، فقَبِل مجلس الشورى طلبي الطعن. إلا أنهما لم يعودا إلى المديرية إلا بمرسوم.
ورغم اختلاف حالة الضباط الخمسة عن الضابطين اللذين أعيدا إلى الأمن العام (الأخيران كانا قد استقالا تفادياً للطرد)، إلا أنه ليس أمام من حصلوا على حكم قضائي مبرم سوى انتظار صدور مرسوم يحتاج إلى تواقيع كل من رئيسي الجمهورية والحكومة، ووزيري الداخلية والمال. وحتى ذلك الحين، سيبقى الضباط الخمسة «لا معلّقين ولا مطلّقين»، رافضين أي إشارة لقضيتهم في الإعلام. إلا أن ثمة مِن المطلعين على المسألة من يؤكد أن تواطؤاً بين رئيس الحكومة والمدير العام للأمن العام سيمنع عودة الضباط إلى المديرية. فهم سيتولّون، بحكم رتبهم، مراكز حساسة فيها. وسيرتهم العملية تشير إلى أن إمساكهم ببعض المفاصل سيقفل أبواباً مشرعة أمام «الأصدقاء» و«الأقارب» و«المناصرين».

Script executed in 0.18387699127197