إلى أي حد تملك إسرائيل معلومات عن قطاع الاتصالات في لبنان؟ يتحدّث أحد الأمنيين البارزين في ما يشبه الرعب عن هذا الأمر. ينتقل من ملف إلى آخر، ليصل إلى قطاع الاتصالات الثابتة.
يعطي الرجل دليلاً على كمية المعلومات التي يملكها الإسرائيليون عن الشبكة الثابتة للاتصالات الهاتفية في لبنان، قائلاً إن ما جرى في حرب تموز 2006 يظهر أن الإسرائيليين يقرأون خطوط تفاصيل شبكة الهواتف الثابتة في لبنان، «كما يعرف أي إنسان خطوط كف يده». وبحسب الأمني المعني بقطاع الاتصالات، فإن ما استهدفه الإسرائيليون في تلك الحرب لم يكن عشوائياً. بعض الضربات التي نفذها الطيران الإسرائيلي كانت تبدو محاولة لقطع الطرقات، إلا أن التدقيق يظهر أن الهدف الإسرائيلي لم ينحصر في ذلك.
يتقاطع كلام الأمني مع التقارير التي أرسلتها هيئة أوجيرو إلى وزارة الاتصالات عام 2006، والتي أحالتها الوزارة بدورها على مجلس الوزراء.
خذ مثلاً، المواقع التي تعرضت للقصف في الضاحية الجنوبية. استهدف الإسرائيليون ساحة الغبيري، وتقاطعَي المشرفية وكنيسة مار مخايل. لم تنجح القذائف في قطع الطرقات إلا جزئياً. فالالتفاف عليها كان سهلاً، سواء أكان من خلال طرقات فرعية، أم بالقرب من الحفر التي خلّفها القصف. لاحقاً، تبين أن القذائف الإسرائيلية قطعت ثلاثة كوابل رئيسية للهاتف الثابت: الأول يغذي منطقة حارة حريك وصولاً إلى برج البراجنة، والثاني يغذي المنطقة الممتدة من بئر العبد إلى حيّ السلم. أما الثالث، فيمتد من الصفير حتى المريجة. الضاحية باتت إذاً شبه معزولة، وبات إجراء الاتصالات بالمنطقة من خارجها شبه مستحيل، وخاصة بعدما دمرت الطائرات الإسرائيلية جسر بعبدا، ومعه وصلة «الألياف البصرية» التي تربط سنترال الحازمية ببعبدا.
بعض الضربات التي تعرضت لها الكابلات الرئيسية التابعة لشبكة الهاتف الثابت يمكن القول إنها ناتجة من مصادفة مرور الكابلات تحت جسور دُمرت بهدف قطع الطرقات، كجسري عرقا والقبيات في عكار مثلاً، وجسر الزهراني في الجنوب مثلاً. إلا أن الإسرائيليين عمدوا في بعض الأحيان، فضلاً عن تدمير الجسور، إلى تدمير عبّارات قريبة منها، كما جرى عند مثلث الزهراني، واسطة عقد الخط الساحلي، بين صيدا وصور والنبطية. فعند مثلث الزهراني، عقدة مركزية لاتصالات الشبكة اللبنانية الثابتة. ومنها تتغذى منطقتا النبطية وصور.
أكثر ما لفت الأنظار في القصف الإسرائيلي، من منظور الاتصالات، هو طريق المروانية، قرب مفرق مستشفى الفنار. غارة إسرائيلية تقطع الطريق، من مسلك واحد، وتترك المسلك الثاني صالحاً للمرور عبره. واللافت أن المسلك الذي تعرض للقصف يمر تحته كابل اتصالات قطعته الغارة الإسرائيلية، ما يعني أن قصف تلك النقطة كان بناءً على معلومات بوجود الكابل، وبهدف قطعه.
ومن المراونية إلى جسر حبوش، يتكرر المشهد. فبعدما دُمِّرَت العقدة الرئيسية في الزهراني، وتأكد انقطاع كابل الزهراني ـــــ حبوش، قُصِف جسر حبوش، وانقطعت معه وصلة الاتصالات الثابتة التي تغذي النبطية.
أكمل الإسرائيليون حربهم على لبنان، وعلى قطاع الاتصالات. دقة الإصابات اظهرت أنهم يملكون خريطة كاملة لشبكة الاتصالات الثابتة في لبنان، فعمدوا إلى تدمير الآتي:
كابل اتصالات يربط مدينة النبطية بسنترال قعقعية الجسر.
كابل رئيسي بين بلدتي الحجة والمعمرية.
كابل اتصال قرب بلدة البرغلية، يربط صيدا بصور وصور بالخرايب وقرى شرقي صور.
وبعدما دُمِّر جسر الدامور الكبير، استهدفت الطائرات الإسرائيلية الجسر الصغير الذي لا يقدّم قطعه ولا يؤخر في حركة الانتقال، بل إن الهدف كان واضحاً: كابلات الاتصالات.
في الخلاصة، أرادت إسرائيل عزل الجنوب هاتفياً، وتوّجت استهدافاتها بتدمير محطة «الصبّاح» في منطقة ضهور بكاسين، وهي المحطة التي تربط منطقة مرجعيون بجزين، ومنها إلى صيدا والنبطية.
حققت إسرائيل هدفها. قطّعت أوصال الشبكة الثابتة، وخاصة في الجنوب. عزلته عن بيروت، وعزلت مناطقه بعضها عن بعض. بعد ذلك، دمرت عدداً من السنترالات في المنطقة الحدودية، وخاصة في القرى والبلدات التي شهدت معارك ضارية بين قوات الاحتلا=ل ورجال المقاومة، كالخيام وبنت جبيل ومركبا وميس الجبل وعلما الشعب ومارون الراس. وفي الجبهة الخلفية، دُمِّر سنترالا معروب وقعقعية الجسر.
في وزارة الاتصالات وهيئة أوجيرو التي نظمت تقارير بالأضرار قبل المبادرة إلى إصلاح الجزء الأكبر منها، لم يجد أحد من المعنيين بالملف أي تفسير لما جرى، ولا أسباب الاستهداف الإسرائيلي للشبكة الثابتة، سوى أن إسرائيل دمرت الشبكة لكي تمنع المقاومة من استخدامها. لكن هذا القول يتناقض مع بديهية أن المقاومة لم تكن تستخدم في اتصالاتها سوى شبكتها الخاصة، خشية التنصت الإسرائيلي، ولضمان عدم تمكن الإسرائيلين من ضرب إحدى ركائز منظومة القيادة والسيطرة لدى المقاومة.
كل ما يمكن أن يقدمه المعنيون الرسميون في قطاع الاتصالات هو أن استهداف السنترالات في الجنوب لا يمكن أن يكون إلا مقصوداً، تماماً كما جرى في محطات البث الخلوي. فقد دمرت إسرائيل عدداً كبيراً من المحطات الرئيسية لبثّ الهاتف الخلوي، كتربل وفتقا وضهر البيدر. وقد استعانت وزارة الاتصالات «بشبكة الألياف البصرية الخاصة بالشبكة الثابتة لإعادة وصل بعض ما انقطع في مجال الهاتف الخلوي». إلا أن التدقيق في ما تعرضت له شبكة الخلوي يظهر أن إسرائيل تعمدت إبقاء بث الهاتف الخلوي في الخدمة، بحدها الأدنى. وبحسب مصادر أمنية واسعة الاطلاع، تلتقط إسرائيل بثّ الهاتف الخلوي، وخاصة في الجنوب، وبإمكانها التنصت على المكالمات التي تجرى في المنطقة. ويمكّنها هذا الأمر من الحصول على كمية ضخمة من المعلومات لاستثمارها في عملياتها الحربية، حتى لو لم تكن تلك المكالمات صادرة عن هواتف أفراد ناشطين في العمل المقاوم. وبحسب أمنيين وفنيين معنيين بملف الاتصالات، فقد واكبت إسرائيل تنصتها على الاتصالات الخلوية خلال حرب تموز بـ«هجوم» تقني مركّز على إحدى شبكتي الهاتف الخلوي، مكّنها من اختراق أنظمتها من الخارج، والوصول إلى ما يشبه السيطرة العملية الكاملة عليها.
وما لم يجر التدقيق فيه حتى اليوم، هو كيفية تمكن إسرائيل من الحصول على معلومات دقيقة عن تفاصيل توزيع الشبكة الثابتة في لبنان. وبحسب مطّلعين على الملف، فإن خرائط الشبكة وتفاصيلها موجودة في عدد كبير من الإدارات والمؤسسات الرمسية والخاصة، كوزارة الاتصالات وهيئة أوجيرو ومجلس الإنماء والإعمار (المشرف على تنفيذ أعمال الشبكة بين عامي 1992 و1995) والمتعهدين الذين نفذوا أشغال التمديد والاستشاري (دار الهندسة). وبالتالي، فإن تجنيد عميل في واحدة من هذه المؤسسات كافٍ للحصول على الخريطة.
لكن الركون إلى هذه النتيجة فيه شيء من الخفة التي يحذر منها أمنيون وتقنيون معنيون بالملف. وهؤلاء يشتكون من استمرار السلطة السياسية بالتعامل مع أمن الاتصالات في لبنان بالقدر ذاته من الاستخفاف. وبرأيهم، فإن السلطة السياسية ملزمة بوضع أمن الاتصالات على رأس جدول أعمالها، وإعلان ما يشبه حالة الطوارئ فيها، لأن ما ظهر حتى اليوم من انكشاف هذا القطاع الشديد الحساسية ينبئ بما هو أخطر من قدرة الإسرائيليين على التجسس، إذ إن بإمكانهم، من الناحية النظرية على الأقل، «تدمير شبكات الاتصالات في لبنان، تقنياً، ساعة يشاؤون». لكن الأمنيين والخبراء لا يأملون الكثير مما ستقدم عليه الحكومة، إذ إن السلطة السياسية في لبنان، لم تتعامل يوماً مع أي ملف أمني بالجدية التي «يفرضها وجود دولة عدوة مع إمكانات هائلة واستعداد يومي للإقدام على تنفيذ اعتداء».
إعادة النظر بالعقد بين الوزارة وأوجيرو
بعد انقطاع خط الاتصالات الثابتة بين بيروت والجنوب يوم 2/7/2010، كلف وزير الاتصالات شربل نحاس الهيئة المنظمة للاتصالات تأليف لجنة للتحقيق بالأمر، وإيداعه تقريراً بنتائجه. وقد بين التقرير الصادر يوم 10 آب 2010 العيوب البنيوية التي تعانيها شبكة الاتصالات الثابتة في لبنان، وقد وضعت اللجنة ملاحظاتها على «تأثير مكونات الشبكة وتصميمها على أدائها العام»، وفقاً للآتي:
من حيث تعدّد المورّدين: إن التجهيزات والمعدات المستعملة في الشبكة الثابتة الحالية مستوردة من ثلاث شركات مصنّعة أساسية تتعامل معها الوزارة، هي شركة ألكاتيل الفرنسية وشركة سيمنز الألمانية وشركة إريكسون السويدية. إن عدم وجود أنظمة موحدة للتحكّم وإدارة التجهيزات والمعدات الموردة من مصادر مختلفة ينعكس على فعالية القيام بأعمال الصيانة اللازمة وسرعتها، وعلى عدد الفنيين للقيام بهذه الأعمال، كما وعلى المعرفة الشاملة لوضع الشبكة في كل وقت.
من حيث العمر والصلاحية: إن الشبكة بمعظم أجزائها قد تخطت عشر سنوات، وعدد كبير من العناصر المكوّنة لها قد أصبح خارج التصنيع، ولم يعد له قطع غيار، وبالتالي يجب إعداد خطة على مراحل لاستبدال الأجزاء القديمة جداً من الشبكة.
من حيث حماية الشبكة، تبقى مقبولة عموماً، مع وجود نقاط ضعف واضحة في بعض المناطق وبعض النقاط الحرجة. أما شبكة الاتصالات المحلية، فتعاني نقاط ضعف واضحة، أهمها بين منطقة 06 و09 وضمن مناطق البقاع والجنوب وعكار.
من حيث السعة: كانت الشبكة عند تركيبها في معظمها ذات سعات محددة. وفي عام 2006 وُسِّعت هذه الشبكة من طريق هيئة أوجيرو ضمن عقود الصيانة (...). إلا أن شبكة الربط تعاني نقاط ضعف لم تُحَلّ مع التوسعة التي حصلت، ومن المتوقع أن تحل مع مشروع الألياف الضوئية الجديد الذي أطلقته الوزارة.
من حيث التغذية بالطاقة: تجدر الإشارة إلى أنّ المراكز الهاتفية تتغذى بالكهرباء من مؤسسة كهرباء لبنان على نحو أساسي، ومن مولّدات على نحو ثانوي، بالإضافة إلى المعدات المساعدة. إلا أن الفحص الدوري والاستباقي لهذه المكوّنات، لحسن عملها، لا يجري كما يجب.
من حيث أهمية دور مركز التحكّم:
ـــــ لا يقوم مركز التحكم بدوره الكامل المطلوب منه بسبب نقص في التجهيز وإهمال في المتابعة والصيانة المطلوبَين منه. إن حماية الاتصالات عبر تحويل مسار الشبكة عند حصول الأعطال في لبنان ومن ضمنها الاتصالات إلى الجنوب لا تجري آلياً كما هو مفترض عبر مركز التحكم، لو كان التخطيط صحيحاً وقاعدة المعلومات محدثة كما يجب، بل يُقام بهذا العمل ميدانياً ويدوياً في معظم الحالات.
ـــــ إن أجهزة مركز التحكم الموردة من إريكسون في رأس النبع لا تعمل. وقد استُحدث مركز بديل في جونية بمبادرة من المديرية الفنية باستعمال الموديمات التماثلية وشبكة أوجيرو الداخلية، تسمح بالدخول عن بعد إلى المراكز وإجراء جميع عمليات الصيانة على التطبيقات اللازمة.
وفي الخلاصات، تطلب اللجنة القيام بإصلاحات ضرورية، مشددة على إعادة النظر بعقد الصيانة المبرم بين وزارة الاتصالات وهيئة أوجيرو، «بحيث يُضمَّن إشارات إلى جودة خدمات الصيانة الملزمة، وآليات تواصل».