فبعض هؤلاء وجد في الصمت وتثقيف الذات في الاعتناء بزهور حدائق دورهم وقصورهم، خير وسيلة «تكتيكية» لتقطيع التوقيت والانحناء أمام عاصفة الغضب الشعبي على ممارساتهم طوال حقبة إذلالهم للناس على أبواب قصورهم ومكاتبهم بعدما كانت الإرادة «العنجرية» قد «أذلّت» هؤلاء الناس بفرضها قادة عليهم من دون مسوغات قانونية أو شعبية أو حتى سياسية واضحة وواقعية.
زمن «عنجر» البقاعية الذي أفل طوال السنوات الماضية بوجهه المباشر عائد بقوة ويسعى إلى بثّ «الروح» من جديد في أجساد رجال دخلوا في خريف العمر الزمني والسياسي. محاولات تتضح مشاهدها في أبهى صورها على الساحة البقاعية ورسم أدوار جديدة لمجموعة «سياسية» كانت قبل اتفاق الطائف و«الإرادة العنجرية»، وفي زمن المد المقاوم للاحتلال الإسرائيلي في البقاع الغربي وراشيا قبل عام 1985، تمتهن اللعب على الحبال السياسية والأمنية وتغازل «سياسياً» مشاريع بشير الجميّل وسعد حداد وإيلي حبيقة، قبل أن يتحول إلى «أبو علي» العروبي، وصولاً إلى سمير جعجع وأنطوان لحد.
«نفخ» الروح من جديد في حياة بعض قادة العمل السياسي السابق في البقاع، رغم ما أصاب «دمشق» من ممارساتهم وفسادهم، وأسهموا في إشعال ثورة الغضب الشعبي على جيش سوريا واستخباراتها بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، سيؤدي حتماً إلى بدء تراكم «الغضب» الشعبي على «عنجر الجديدة» بعد أخذ الجمهور البقاعي، وتحديداً في البقاعين الأوسط والغربي، يعبّد الطريق إلى «الشام» والاعتذار منها عن خطأ كان مقصوداً ومتعمداً وتتحمل نسبياً «عنجرها» السابقة المسؤولية الكبرى، نتيجة أخطاء في التقدير وتقاسم المغانم مع بعض رجال يتلوّنون في اليوم الواحد بأكثر من لون. ويبدي بقاعيون خشيتهم من تقدم بعض رجالات المرحلة السورية السابقة الصفوف والمقاعد الأمامية في شارعهم ومجتمعهم، السياسي والأمني، إذ إن «الكلام» في الكواليس أخذ القول المباح عن سيناريوات تُعَدّ لإعادة تجميع رموز سياسية غابت عن الحياة الرسمية والعامة لفترة من الزمن. ويلحظ مراقبون حركة الزيارات المنظمة التي يقوم بها بعض رجالات المرحلة السابقة إلى دمشق على نحو شبه يومي أو تلقي التعليمات عبر الهاتف. وقد نجح الجانب السوري في ريف دمشق في رسم صورة أولية عن المشهد السياسي المقبل على البقاع. ويكشف متابعون لهذا «الحراك» أن مجموعة المصالحات السياسية التي جرت أخيراً بين شخصيات نيابية وزارية سابقة واجتماعية بارزة «جاءت بناءً على تمنيات سورية، وأخرى محلية نجحت في رأب الصدع بين بعض هذه الشخصيات التي بدأت تُعدّ العدة لمشاريعها الانتخابية المقبلة وحتى التحاور في شكل تحالفاتها المقبلة».
يتابع هؤلاء أن اللواء رستم غزالي تلقى أكثر من اتصال، وعقد أكثر من لقاء مع بعض النواب البقاعيين السابقين من مناطق لبنانية أخرى، و«تدخل مع العقيد وسام الحسن لترتيب لقاءات لهم مع رئيس الحكومة سعد الحريري، في خطوة أولى تمهّد لمصالحات لهم مع الشارع السُّني في البقاع». يضيف المتابعون لهذا النشاط «المستجد» أن غزالي تمنى على أكثر من شخصية كانت محسوبة على فريق المعارضة السابقة «إعادة بناء جسور ثقة مع جمهور تيار المستقبل، وبدء تنظيم لقاءات عامة بعد عطلة عيد الفطر مع هذا الجمهور الذي يجب استعادته بهدوء إلى الحاضنة السورية».
هذه التمنيات «السورية» على بعض أصدقاء المرحلة السابقة، لم تجد بعد صدى إيجابياً في الشارع السني وبعض المسيحي. وتقول شخصيات بقاعية مواكبة لبعض الاتصالات السياسية خلال الأسبوع الماضي إن «ترجمة انفتاح بعض الشخصيات المقربة أو المحسوبة على سوريا واستخباراتها، دونها عقبات لا يمكن تجاوزها بسهولة. فجمهور تيار المستقبل الذي لم يستوعب بعد انفتاح تياره على دمشق، لن يكون بمقدروه تقبل الانفتاح بسرعة على رموز خدعته أكثر من مرة وفي أكثر من استحقاق، خلال الزمن السوري وما بعده». يضيف أحد المقربين من دمشق، وهو لا يزورها إلا ما ندر أنه «لا يمكن إعطاء جمهور المستقبل كل الجرعات دفعة واحدة، فإذا كانت دمشق تريد استعادة الشارع السُّني إلى موقعه الطبيعي، فإن الاستعادة لا تكون برموز وشخصيات دخلت في خريف العمر السياسي، أو عبر ورثة وأبناء شرعيين وغير شرعيين لم يعيشوا عادات هذا الشارع وتقاليده». يتابع: «لا يمكن لملمة الأوراق الصفراء بعد سقوطها. وإذا كانت دمشق تتمنى على بعض أصدقائها التقرب من تيار المستقبل ورئيسه سعد الحريري، يجب أن يكون عبر رموز جديدة أو دم جديد لم يؤذ هذا الشارع في يوم من الأيام شكلاً ولا مضموناً، ويكون تاريخه السياسي واضحاً وناصعاً وغير متلون أو كان لاعباً في حقول سياسية كانت تناصب دمشق العداء، أو لا ترى في الشام إلا باباً يجب ولوجه من أجل مكاسب شخصية وآنية لا تخدم القضية الأساس». ويأمل هذا الصديق لسوريا من أصدقائه «فوق» أن لا «يكرروا الأخطاء، وأن يفكروا بطريقة أخرى لإعادة بناء العلاقة مع الشارع السُّني وبعض المسيحي». ويختم بأن «الذي جرب المجرب كان عقله (...) فحذار إعادة فرض رموز غير منتجة على الجمهورين السُّني والمسيحي في البقاع».