توتّرت العلاقة أمس بين وزير الداخلية زياد بارود والمديرية العامة لقوى الأمني الداخلي، على خلفية إصدار الأخيرة بياناً تدافع فيه عن فرع المعلومات، من دون أن تأخذ موافقة الوزير على الأمر. وأكد بارود، في مؤتمر صحافي، أنه «لم يوافق على إصدار هذا البيان»، مشيراً إلى أنه يعدّ «تخطّياً لصلاحيات المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي ولموجب الحصول على إذن مسبق من الوزير وفقاً لما يفرضه القانون». وأشار إلى أنه اتخذ التدابير المسلكية المناسبة، وقال إن «الموضوع مبدئي ومرتبط بانتظام عمل المؤسسات التي أنا حريص عليها وعلى دورها». وأضاف: «لن أتوانى عن ممارسة صلاحياتي، كما لم أتهرّب يوماً من مسؤولياتي».
وتحدّثت مصادر مطّلعة على أجواء العلاقة بين بارود والمدير العام لقوى الأمن الداخلي، اللواء أشرف ريفي، عن أن مخالفة الأخير «واضحة، وخصوصاً أنه سبق أن طلب إذناً لإصدار البيان». وأشارت المصادر إلى أنّ بارود ينظر إلى الموضوع من زاويتين: أولاً، حماية المديرية التابعة لوزارته ومنعها من الانزلاق في الخطأ. ثانياً، أن الكلام الذي صدر بحقه وبحق مؤسسات وزارته يُحسب على الأقل أنه صادر عن نائب، وبالتالي توضيح الموضوع يجب أن يكون من السلطة التنفيذية، أي الوزير».
واستغربت هذه المصادر لجوء المديرية إلى هذا التجاوز، رغم أن بارود يتعاطى معها بكثير من الإيجابية، «ولم يعرقل أيّ ملف فيها رغم قدرته على ذلك».
وجرى أمس في الصالونات السياسية الحديث عن هذا «الإشكال»، بحيث رُبط بما نقلته «الأخبار» عن «خلوة جمعت العماد ميشال عون وبارود»، فكان أن ردّت المديرية على هذه الخلوة بإصدار بيانها وتجاوز صلاحيات الوزير.
وكانت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي قد ردّت في بيانها على مكتب العماد ميشال عون، من دون أن تسمّيه، مشيرة إلى أنّ الرد على «ما صدر عن مكتب أحد رؤساء الكتل النيابية» بات ضرورياً بعد تبيّن وجود حملة إعلامية وسياسية تشنّ على فرع المعلومات «لتشويه عمل هذه الشعبة والتعمية على إنجازاتها بمختلف الصعد، بعد توقيف العميد المتقاعد ف. ك.، ولا سيما على صعيد كشف وتوقيف عدد كبير من الجواسيس العاملين لمصلحة إسرائيل».
ودافعت المديرية عن شرعية فرع المعلومات، مشيرة إلى أنّ ظروف البلاد السياسية والأمنية في عام 2006 «حالت دون إصدار المرسوم اللازم كما هي الحال بالنسبة إلى مرافق عدة في الدولة»، وبالتالي يكون عمل «شعبة المعلومات» قائماً بناءً على «مذكرة الخدمة الصادرة عن اللواء المدير العام لقوى الأمن الداخلي برقم 608/204ش2 تاريخ 8/3/2006»، لا بمرسوم صادر عن مجلس الوزراء. وأكملت المديرية دفاعها عن فرعها، معتبرةً أنه يمارس «صلاحياته ضمن الأطر القانونية وبإشراف السلطات القضائية المختصة».
وفي كون شعبة المعلومات ضابطة عدلية، استعانت المديرية بالمادة 38 من قانون أصول المحاكمات الجزائية التي تنص على أن «يساعد النيابة العامة ويعمل تحت إشرافها في إجراء وظائف الضابطة العدلية الآتي ذكرهم: المدير العام لقوى الأمن الداخلي وضباط قوى الأمن الداخلي والشرطة القضائية والرتباء العاملون في القطعات الإقليمية ورؤساء مخافر قوى الأمن الداخلي». ويضيف البيان أنه «من هنا يتبيّن للمشكّكين في صفة شعبة المعلومات كضابطة عدلية، أن القانون لا يصنّف قطعة بذاتها ضابطة عدلية، بل يعطي هذه الصفة لأشخاص، وبالتالي فإن جميع ضباط قوى الأمن الداخلي، بمن فيهم ضباط شعبة المعلومات، هم ضباط عدليون».
وتناولت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي إجراءات توقيف العميد المتقاعد ف. ك، مشيرةً إلى أن التوقيف حصل «إثر توافر أدلة دامغة على تعامل العميد المتقاعد المذكور مع العدو الإسرائيلي، وبناءً على إشارة النيابة العامة التمييزية، وبعد مواجهته بالأدلة المتوافرة، اعترف العميد المذكور بتعامله مع العدو الإسرائيلي منذ سنوات طويلة». وشرح البيان الخطوات القانونية والعملية التي اتُّخذت في ما يخصّ توقيف العميل وإحالته على الجهات القضائية اللازمة.
واستغربت المديرية المتهجّمين على فرع المعلومات، على الرغم من أن الفرع اتّبع الإجراءات القضائية والتحقيقية نفسها عند توقيف كل العملاء، مشيرةً إلى أنّ السؤال عن تفاصيل عملية توقيف العميد ف. ك. «يثير الشك في خلفيات هؤلاء المتكلمين ودوافعهم، ويثير التساؤل هل كل هؤلاء الموقوفين أبناء جارية ووحده ف. ك. من أبناء الست؟».
وأكدت المديرية أنّ محاولة تحميل فرع المعلومات مسؤولية «ما يسمّونه تسريبات، ليست إلا محاولة للتعمية على حقيقة الأمر أن العميد المتقاعد الموقوف ف. ك. قد اعترف صراحة بتعامله مع العدو الإسرائيلي».
وفي تفاصيل حكاية بيان المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، أشار مطّلعون إلى أنّ المديرية كانت تنوي إصدار هذا البيان يوم أول من أمس، حيث إنّ المدير العام لقوى الأمن الداخلي، اللواء أشرف ريفي، تواصل مع الوزير زياد بارود ووضعه في أجواء الرسالة وبعث له نصّها في وقت لحق. إلا أنّ بارود، بعد اطلاعه على نص البيان، طلب من ريفي عدم إصداره إلى حين أن يبلغه العكس.
فكان أن أصدر ريفي تنويهاً يوم أمس بمجموع أعمال شعبة المعلومات، رغم إصداره تنويهاً مماثلاً منذ أقل من شهرين، في الإطار نفسه، وهو مكافحة شبكات التجسس. وبحسب مصادر سياسية، وفي وزارة الداخلية، تضمّن التنويه الأخير معلومات قانونية مغلوطة عن تحويل فرع المعلومات إلى شعبة المعلومات، إذ أشار إلى استمرار عمل «الشعبة» وفق ما حدد المرسوم 1157 وتعديلاته، متجاهلاً كون المرسوم المذكور ينصّ على وجود فرع للمعلومات لا شعبة.
وبالعودة إلى قصة المديرية، بدا إصدار التنويه كأنه التفاف على قرار الوزير منع إصدار البيان، علماً بأنّ رئيس فرع المعلومات، العقيد وسام الحسن، كان أكثر إصراراً من ريفي على إصدار البيان.
أما مكتب رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون، فكان قد أصدر بياناً ردّ فيه على تحليلات البعض لكلمة عون في الاحتفال الأخير الذي جرى في نابيه، فأكد المكتب أن «جوهر المسألة التي تناولها الجنرال هو الخلاف على الخيارات الوطنية، كالانفتاح على المحيط والتفاعل معه وإصلاح المؤسسات وتحسين الأداء فيها في ظل هذا الفساد المستشري». واستغرب التيار «عدم الإجابة عن الأسئلة التي وجهها الجنرال إلى الوزراء»، معتبراً أن هذا دليل على «أنهم مهمّشون ولا سلطة لهم. والمدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي تخطّى صلاحية وزير الداخلية وصرّح للإعلام، مشيداً بدور فرع المعلومات الذي كشف شبكة للعملاء، لكن المطلوب كان الرد على عدم شرعية هذا الفرع حسبما يصنّفه وزيره بالذات، وعدم احترامه للقوانين، والاستمرار في بث الشائعات والمس بشخصيات وطنية».