نادر فواز - الاخبار
جلس السفير الفرنسي في بيروت، دوني بييتون، إلى طاولة الفطور وهو يحسم توقيت تسليم المظروف الورقي إلى المسؤولين المعنيّين في حزب الله. أنهى السفير وجبته وتوجّه إلى مكتبه وهو بات مقتنعاً بضرورة تنفيذ ما طلبته منه قيادته في الكي دورسيه، قبل أيام، وهو التواصل المباشر مع أعلى قيادات الحزب. وُجِّهت الرسالة عبر القنوات اللازمة وبات في جعبة الحزب طلب فرنسي رسمي للقاء الأمين العام السيّد حسن نصر الله، فيما بييتون ينتقل من طاولة ـــــ وجبة ـــــ إلى أخرى بانتظار ردّ حارة حريك.
يرفض مسؤولو السفارة الفرنسية في بيروت التعليق على تقدّم السفير بهذا الطلب، وهم لم يسارعوا إلى نفي الخبر المنشور في «الأخبار» نهار الجمعة الماضي. لكن ثمّة من زوّار قصر الصنوبر من يؤكّد أنّ بييتون وجّه الطلب رسميّاً وعبر القنوات الحزبية اللازمة.
ثمة حديث في الصالونات الفرنسية عن تعديل يجري في القراءة الباريسية للوضع في لبنان والشرق الأوسط. فقبل أشهر لم يقدّر الفرنسيون أنّ في إمكان القرار الاتهامي، الصادر عن المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، التأثير في الاستقرار في لبنان وتركيبته التوافقية. نشط الفرنسيون خلال الأسابيع الماضية، تحرّكوا صوب المنطقة واستقبلوا كثيراً من المسؤولين العرب. درسوا ما تلقّوه من وجهات نظر ورسائل ووقائع تجري على الأرض، وكانت المحصّلة النهائية لكل هذه المشاورات التوصّل إلى توافق سوري ـــــ سعودي ـــــ فرنسي على ضرورة تجنّب الأزمة والفتنة في لبنان.
وكان لافتاً أنّ القمّة السعودية ـــــ السورية أنتجت هذا التفاهم الذي بدأ يتمدّد بفعل الاتصال السعودي ـــــ الفرنسي من خلال زيارة الأمير عبد العزيز بن عبد الله إلى فرنسا. ثم لحقتها بعد أيام زيارة لم تُعلن للأمير مقرن بن عبد العزيز إلى باريس، حيث التقى المسؤولين فيها، وجرى التأكيد على أهمية المحافظة على الاستقرار في لبنان.
ويظهر في الواجهة الفرنسية التأكيد على هذا الأمر من خلال الإعلان المتكرّر أنّ فرنسا لن تتدخّل في إصدار القرار الاتهامي. ما يعني أنّ باريس لن تشارك في الضغط على المحكمة الدولية لتنفيذ هذه الخطوة، على عكس ما جرت العادة. وهو ما يتعارض مع التأكيد الإعلامي على أنّ الإليزيه ملتزم وعازم على دعم المحكمة.
ويُستنتَج من النقاشات التي يجريها الفرنسيون مع عدد من المسؤولين اللبنانيين، أنّ عدم تدخّل باريس في تحريك القرار الاتهامي هو تفكير مستجدّ ناتج من الاتصالات مع السعوديّين والسوريين فحواه أنّ هذا القرار لن يمرّ بهدوء على الساحة اللبنانية. وهذا التفكير بدأ يتبلور عند الفرنسيين ويتحوّل إلى قلق من انعكاسات الاتهام الدولي، وخصوصاً أن فرنسا تحاول المحافظة على مصالحها ووجودها التاريخي في بيروت. وهو ما يدفعها إلى إعادة تفعيل علاقتها بحزب الله، سواء أكان ذلك في ما يخص المحكمة الدولية أم الوجود الدولي في الجنوب.
والعلاقة بين قصر الصنوبر وحارة حريك جيّدة ومستمرّة، دون أن تخلو من انتقادات حزب الله في اللقاءات المباشرة بين الطرفين، في ما يخص تصريحات وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير أو الموقف العام.
في 3 أيلول الجاري، أقام السفير دوني بييتون حفل إفطال، ودعا إليه بعض الأصدقاء والسياسيّين. فاق عدد الحضور المئة، وكان ضمن المشاركين مسؤول العلاقات الدولية في حزب الله، عمّّار الموسوي. يومها سُجّل حرص فرنسي شديد على حضور الموسوي ولو أنّ حفل الإفطار لم يكن مناسباً لتبادل النقاش ووجهات النظر مع أيّ كان.
الانفتاح الفرنسي على الحزب يتكرّر ويتكرّس من خلال دعوات غداء أو لقاءات يدعو إليها، من وقت إلى آخر، السفير أو القائم بالأعمال الفرنسيّ مسؤولي الحزب. ويؤكّد المسؤولون الفرنسيون خلال هذه المناسبات ضرورة استمرار التواصل، فيما تلتمس «الحارة» أكثر من وجهة نظر بشأن أكثر من موضوع حسّاس.
سيسعى بييتون، إذا جرى اللقاء بينه وبين السيّد حسن نصر الله، إلى التشديد على أنّ فرنسا هذه المرة لم تجارِ «الآخرين» في ما يخص القرار الاتهامي، وأنّه لا نيات فرنسية بالنسبة إلى المحكمة الدولية، وسيؤكّد صوابية أن فرنسا باتت ترى في القرار الاتهامي خطراً على اللبنانيين جميعاً، وأنه ليس لمصلحة أحد. فيما يؤكد زوّار قصر الصنوبر أن السفير سيتحدث بكل شفافية وصدق عن خوف دولته على رعاياها في بيروت، وجنودها المنضوين تحت لواء قوات اليونيفيل في حال حصول أي «فلتان أمني، نتيجة أيّ خلل يصيب الداخل». بمعنى آخر، يمكن القول إنّ بييتون يسعى إلى إعادة تأكيد التزام بلاده الاتفاقات «الشفهية» التي تجمعها والبعض في المنطقة، وأوّلهم حزب الله.
وفيما يحاول السفير الفرنسي نقل مستوى التواصل مع حزب الله من درجة إلى أخرى، يبقى على الحوار بين الطرفين، نقاش مستمرّ في شأن كيفية تنظيم العلاقة في الجنوب، وأسئلة على الفرنسيين الإجابة عنها بخصوص ضبابية مواقفهم من بعض القضايا الأساسية.
ووفقاً لأحد الظرفاء، قد يستعين بييتون بكلمات النشيد الوطني الفرنسي للتقرّب من الحزب، فيقول: «إلى السلاح أيها المواطنون»، ما من شأنه تنظيف أيّ غبار عن موضوع سلاح حزب الله.