لم ينتفض زياد بارود. ولا هو في طريقه إلى تعديل الاعوجاج المسيطر على المديرية الأكبر في وزارته. بل كل ما فعله هو إعلان اتخاذه إجراءات مسلكية بحق مسؤولي المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي الذين خالفوا أوامره وأصدروا بياناً من دون إذنه للرد على كلام العماد ميشال عون عن لا قانونية «شعبة» المعلومات وعملها. بيان المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي يوم 9/9/2010 (إحدى المؤسسات التنفيذية التي من المفترض في النظام الديموقراطي أن تكون خاضعة للسلطة السياسية) الذي ردّ على فريق العماد عون، تضمّن تأكيداً على افتقاد «شعبة» المعلومات الشرعية. فكاتب البيان الذي يعدّد الخطوات التي قامت بها المديرية في محاولتها لتعديل الواقع القانوني لفرع المعلومات، يقول إن مجلس قيادة المديرية وافق «مبدئياً» على إنشاء شعبة للمعلومات وعددٍ آخر من القطعات، وإن هذه الموافقة أُتبِعَت بمذكّرة خدمة صادرة عن المدير العام، الذي أحال الملف على وزارة الداخلية قبل نهاية عام 2006، تمهيداً لتعديل المرسومين 1157/91 و1460/91. لكنّ مجلس الوزراء لم يعدّل المرسومين، رغم أنّ حكومة فؤاد السنيورة الأولى كانت تصدر مراسيم من دون وجود فريق معارض في داخلها، إذ إنها كانت ملعباً لفريق سياسي واحد.
في الخلاصة، تعترف المديرية في بيانها بأنّ مجلس الوزراء لم يسدّ الثغرة القانونية التي تعتري واقع «شعبة» المعلومات. وكاتب البيان وَضَع قرارات المديرية في منزلة أعلى من مرسوم السلطة التنفيذية. إذ يقول ما مفاده إنّ المديرية قامت بما عليها، ويحق لها تالياً إنشاء جهاز أمني من دون أن تحصل على موافقة السلطة السياسية، لقناعة المديرية بأن هذه السلطة ستصدر المرسوم على هوى الجهاز.
ماذا فعل زياد بارود؟
المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي أصدرت البيان المذكور، رغم أن وزير الداخلية طلب عدم إصداره. ببساطة، تمرّدت المديرية على وزيرها الذي أصدر بياناً قال فيه إنه اتخذ إجراءات مسلكية بحق من تجاوزوا القانون ولم يحصلوا على إذنه. وأكثر ما أزعج بارود هو قفز المديرية إلى أداء دور منوط بالسلطة التنفيذية، من خلال «تنطّحها» للرد على نائب بدلاً من الوزير.
بارود عاقب ريفي إذاً، إلّا أن العقوبة لا تزال مجهولة. فحتى مساء أمس، لم يكن قد وصل إلى المديرية أيّ قرار من الوزير، وهو ما أعاده بعض الأمنيّين إلى عطلة العيد، فيما رأى زملاء لهم أنه مؤشر إلى أن المشكلة انتهت بما صدر عن الوزير. استخفاف المديرية برأي بارود ليس الأول من نوعه، إذ سبقه أمر مشابه نهاية العام الماضي (20 تشرين الثاني 2009). حينذاك، أراد ريفي معاقبة قائد الدرك العميد أنطوان شكور بحبسه في منزله. صدر قرار ريفي رغم أنّ وزير الداخلية كان قد طلب منه عدم إصداره. ولمّا استفحلت المشكلة داخل قوى الأمن الداخلي، وكادت أن تنفجر بين أعضاء مجلس القيادة المنقسمين، وفقاً للانقسام السياسي، لم يتمكن سوى العماد ميشال عون من إنقاذ الموقف، إذ عرض حلاً قبله الطرفان (شكور وريفي). أمّا وزير الداخلية، فلم يتمكن من فرض الحل الذي ينقذ المديرية التابعة له، ويعيد الضباط المتخاصمين إلى طاولة واحدة.
ومنذ وصوله إلى وزارة الداخلية عام 2008، فعّل بارود المفتشية العامة لقوى الأمن الداخلي التي أمرها بالتحقيق في أكثر من 800 قضية، فيما أسلافه لم يحيلوا عليها طوال سنوات سوى ملفات معدودة. إلا أن ما يؤخذ عليه هو عدم قيامه بخطوات تؤدي إلى إحداث تغييرات جدية داخل المديرية: مجلس القيادة لا يزال معطّلاً. الفساد لا يزال مستشرياً، والضباط والأفراد غير المحسوبين على أي طرف سياسي/ مذهبي لا يزالون مهمّشين من دون أي حماية تُذكر، بحسب ما يردّد عدد منهم.
وحتى اليوم، لم يتمكن الوزير الشاب من تمرير مراسيم تعيين أعضاء في مجلس قيادة الأمن الداخلي، بسبب عدم توافر اتفاق سياسي على بدلاء للمتقاعدين من أعضاء المجلس، أو لإجراء تغييرات تطاول بعض وجوهه.
وزير الداخلية، في المقابل، يؤكّد أنه يمارس صلاحياته إلى حدودها القصوى. طلب من قوى الأمن الداخلي، قبل نهاية عام 2008، أن تسوي الوضع القانوني للقطعات المستحدثة («شعبة» المعلومات و«قسم» مكافحة الإرهاب و«مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية» و«شعبة المرور»). مجلس القيادة لم يتمكن من الاتفاق على صيغة للتسوية، فبقي الوضع على ما هو عليه. طلبَ إجراء مناقلات عامّة للضباط، فلم ينفَّذ طلبه. رغم ذلك، لم يتمكن الوزير من قلب الطاولة بوجه المقصّرين، أو على الأقل، ضرب تلك الطاولة بيده.
المشكلة، بحسب بعض «محبّي» الوزير، تكمن في غطائه السياسي. فهو أحد أبرز وزراء رئيس الجمهورية «التوافقي». وموقع الأخير يفرض عليه عدم إزعاج أي طرف بموقف حاد، وخاصةً رئيس الحكومة سعد الحريري، الذي لا تخفى على أحد الحماية المطلقة التي يمنحها للفريق الممسك بالمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي.
وما يسري على «قوى الأمن الداخلي» يشمل شقيقتها الأمنية في الداخلية: المديرية العامة للأمن العام. ففي هذه المديرية، لا يبدو أن وزير الداخلية قادر على إصلاح الأوضاع التي لا تزال تنحدر من سيّئ إلى أسوأ، منذ عام 2005، رغم تمكنه من إجبارها على تطبيق قرارات قضائية كانت تتمنع عن تنفيذها، في قضايا تتعلق خصوصاً بالاعتقال التعسفي لعمال ولاجئين أجانب.
ورغم كل الإشارات التي صدرت عن كل من حزب الله وحركة أمل باستعدادهما لاستبدال المدير العام اللواء وفيق جريني، فإن رئيس الجمهورية لا يزال متمسّكاً بجزيني، المدير السابق لمكتب
يرى المديران العامان أن غطاءهما السياسي أقوى من الدعم الذي يحظى به الوزير
العماد ميشال سليمان في قيادة الجيش، ما يمنع بارود من المساس به، أو على الأقل، من دفعه إلى إصلاح أوضاع المؤسسة التي لا يكاد يخلو مجلس سياسي من قصص الفساد التي تدور حولها، بدءاً من تدخلات أفراد من عائلة المدير العام في شؤونها، وصولاً إلى الدور المركزي الذي أدّاه أحد أصدقائه، لمدة طويلة، في «تسيير شؤون المواطنين».
في المحصّلة، يعرف زياد بارود أنّ فشل الأجهزة الأمنية التابعة لوزارته، يعني فشل تجربته برمّتها، حتى لو تمكن من تحقيق اختراقات جدية في مكافحة الفساد وتحسين الأداء الإداري لعدد من المديريات، وهو ما بدأه في الأحوال الشخصية وهيئة إدارة السير. وفي المقابل، يتصرف المديران العامان كأنّ كلاً منهما أقوى من وزير الداخلية، الذي لم يتعامل معهما حتى اليوم بالأسلوب الفظ الذي مارسه معظم سابقيه في الوزارة.
إلا أن ثمة من لا تقنعه الموانع السياسية التي يواجهها بارود. فأحد النواب الذين يتواصلون مع بارود تواصلاً دائماً، يرى أنّ الأخير يملك من الدعم الشعبي ما يكفيه لممارسة صلاحياته إلى أبعد حدودها. فهو أكثر الوزراء شعبيةً (يظهر ذلك في غير استطلاع للرأي خلال الأشهر الأخيرة)، «وبالتأكيد، فإن الرأي العام سيكون إلى جانبه في أيّ معركة يخوضها لإجبار مرؤوسيه على تطبيق القوانين، أو تنفيذ إصلاحات». وبحسب النائب ذاته، فإن الموقع «التوافقي» لبارود ينبغي أن يكون دافعاً لحراك سياسي إيجابي، وطرح المبادرات التي تمكّنه من تفعيل المؤسسات التابعة لوزارته، «بدل ممارسة التوافقية السياسية من باب عدم إغضاب أحد». ويرى المصدر ذاته أنّ «اللبنانيّين ليسوا بحاجة إلى خبير انتخابي، بل إلى وزير يمسك بوزارته على طريقة كمال جنبلاط».
زهرمان: بارود تخلّى عن قوى الأمن
استمرت قضية توقيف العميد المتقاعد فايز ك. محور تجاذب بين التيار الوطني الحر من جهة، والفريق السياسي الراعي لفرع المعلومات من جهة أخرى. ويوم أمس، «بقّ» المنسق العام للتيار العوني بيار رفول البحصة التي أظهرت الدوافع التي تقف خلف الهجوم على فرع المعلومات. فبحسب رفول، ثمة «محاولة لانتزاع اعتراف من [فايز ك.] بأن العماد ميشال عون على علم بعلاقة [فايز] بإسرائيل»، واصفاً ذلك بـ«اللعبة التي لن تمرّ، وأن التيار سيخضع لحكم القضاء الذي بات [فايز ك.] في عهدته».
في المقابل، وجّه عضو كتلة المستقبل النيابية خالد زهرمان سهامه نحو وزير الداخلية من دون تسميته، متهماً إياه بالتخلّي عن ضباط قوى الأمن الداخلي وأفرادها «وذلك عقب خلوة سياسية لعشر دقائق». واستغرب زهرمان مواقف «التيار الوطني الحر» المستجدّة، لافتاً الى أنه «بالأمس قال ميشال عون إن فايز ك. هو «يوضاس»، فما الذي تغيّر؟ وممّ يخاف اليوم؟ هل المطلوب الضغط نفسياً لمنع فايز ك. من الكلام؟ وما هو الكلام الذي لا يريدون لفايز ك. أن يقوله؟».