«14 آذار» باقية و«ثورة الأرز» مستمرة وبكامل مكوناتها». بالطبع. ليس سهلاً على من ردّت إليه الثورة حريته الشخصية وحياته السياسية معاً، أن يقتنع بأن الدفّ قد ثُقب، حتى لو عاين الثقب باصبعه، وحتى ولو وقف وحيداً بلا عشاق.
«الحكيم» معذور. علاقته بـ«14 آذار» مبنية على عاطفة كثيرة، مثله كمثل الأمانة العامة التي تجتمع أسبوعياً في سبيل الإجتماع أسبوعيا وتبريرا لموازنة سنوية، غير أن هذه الزقزقات لا تصنع ربيعاً آخر لـ14 آذار.
الحكاية على وشك إتمام دورة تامة: في لحظة الانفجار في 14 شباط 2005، سددت كل أصابع العالم صوب سوريا التي قررت الانحناء أمام العاصفة والتراجع إلى الخلف. تعلن الانسحاب في الخامس من آذار، وتنسحب قبل نهاية نيسان. لا تجد إلا «شكراً» حزينة من «السيد» في وداعها في الثامن من آذار، يقابلها بعد أيام قليلة وعد آخر من بهية الحريري «باللقاء»، لم يفهم منه حينها أين يكون وكيف إلا في هتافات المشاركين في تلك التظاهرة التاريخية ضد الرئيسين بشار الأسد وإميل لحود، والضباط الأربعة وغيرهم من «رموز النظام البائد»، وبالطبع «حزب الله».
إنها أيام تحقيق الأحلام. لجنة تقصي الحقائق في جريمة 14 شباط تقدم تقريرها إلى الأمم المتحدة متهمة سوريا بتوتير الأجواء قبل الاغتيال، وقادة الأجهزة الأمنية بالفشل والإهمال المنظم والكذب. وتوصي بتحقيق دولي بعد تغيير هرمية الأجهزة الأمنية اللبنانية. ومع قبض ديتليف ميليس على الضباط الأربعة بالجرم المشهود تقريباً، كان العصر السوري في لبنان، قد أفل. ليس باقياً إلا التفاصيل الصغيرة، مثل مواعيد سوق جميع الأشرار مثل وئام وهاب وعدنان عضوم وعبد الرحيم مراد إلى تلك المحكمة الكونية والتخلص منهم والعيش بسعادة في لبنان سيد حر مستقل لا ينزل الشال الأحمر والأبيض عن عنقه.
أجمل من أن يكون حقيقياً بالنسبة إلى «الثورة»؟ هذا ما سوف تبينه سنوات ما قبل جولة 7 أيار المقيتة بالحسم العسكري الذي سيبقى جرحا مفتوحاً، كما جرح الموقف السياسي المخزي لثورة الأرز في تموز 2006. طابقاً فطابقاً تداعى البنيان المرّكب لـ14 آذار. الأكثرية لم تجلب سلطة. المحكمة لم ولن تجلب ما يفيد الثورة. العناق الثلاثي ضيق خناق الطوائف الثلاث فانفضت بعضها عن بعض، تبحث كل عن مصلحتها. عاد الدروز إلى العمق العربي. صالح السنة جارهم التاريخي. تواضع الجميع إلا «الحكيم» و«أدمغة» الاجتماع الأسبوعي. وفي انقلاب الثورة على نفسها، ارتدت إلى الوراء، محشورة في موقع دفاع، والهجوم عليها حاملاً العصا نفسها التي رفعتها على الخصوم: القضاء، والمحاكم وشهود الزور.
الثورة انتهت إلى ما انتهى إليه، في الرابع عشر من شباط 2005، «سوريا وحلفاؤها». انتهت مرهقة وخجولة من اللواء جميل السيد الذي حملته أكثر مما يحتمل وكالت له ما لا يوصف من تهم وشـتائم. ثورة يطالبها الرئيس إميل لحود، بعينه، بالاعتذار. ثورة باتت تبحث عن النصر الأخير في جلب سوريا، السورية، إلى جانبها ضد «حزب الله» اللبناني!
«باقية باقية باقية»، يقول «الحكيم». باقية، ربما لتنظم احتفالاً ختامياً في الرابع عشر من آذار المقبل تحت عنوان «شكراً سوريا». حينها تكون دورة الثورة التامة حول نفسها قد اكتملت، وتكون نبوءة «إلى اللقاء سوريا» قد تحققت بعكس ما حلم الثوار ذات ربيع غابر.