اليوم، يقول زوّار البطريرك الماروني نصر الله صفير إن الرجل تغيّر بالكامل. اندفاعته القديمة انتهت، موقفه الحاد من حزب الله بدأ يخفت. «هو أكثر اعتدالاً» وبات يبحث عن الحوار لا عن الصدام، يُضيف الرجل. أمّا السبب، «فهو ربما التقدّم بالعمر، أو خيبة الأمل من سعد الحريري». فبعد حادثة ضهر العين (قضاء الكورة) في 28 أيّار 2010، التي كادت أن تؤدي إلى تدهور الوضع الأمني شمالاً، تحرّكت الرابطة المارونيّة باتجاه رئيس تيّار المردة النائب سليمان فرنجيّة. فزاره رئيسها جوزف طربيه وعضو مجلسها التنفيذي طلال الدويهي، يرافقهما المطرانان رولان أبو جودة وجورج أبو جودة.
استمع الوفد لشكوى فرنجيّة من «انحياز البطريركيّة المارونيّة إلى أحد أبنائها دون آخر»، وتحدّث الرجل طويلاً عن دور البطريركيّة «المفترض أن يكون جامعاً وحاضناً لجميع أبنائها، وأنها ليس من المفترض أن تأخذ طرفاً دون آخر».
وفي سبيل تهدئة الأمور وإعادتها إلى نصابها، وتحصين العلاقة بين بكركي وبنشعي، طرح نقيب المحامين السابق أنطوان قليموس، أن يقوم البطريرك نصر الله صفير بزيارة إلى زعرتا. رحّب صفير وفرنجيّة بالفكرة. تم التوافق على أن يُشارك صفير في 10 تموز 2010 في مئويّة إكليريكيّة كرم سدّة، حيث يوجد كنيسة ودير يخرّج خوارنة (المئويّة هي تخريج الخوري رقم مئة منها). وكان من المفترض أن تكون هذه الاحتفاليّة برعاية البطريرك.
وقد رُسم مسار الزيارة على الشكل الآتي: يتوجّه صفير إلى منزل الرئيس الأسبق للجمهوريّة سليمان فرنجية في إهدن، «حيث يشرب فنجان قهوة، ويكون في استقباله الوزير فرنجيّة» كما يقول أحد المطّلعين على التحضير لتلك الزيارة. ثم يُرافق فرنجية البطريرك إلى دير كرم سدّة ويحضر الاحتفاليّة.
هنا، يُقول الرجل: «لكن، لسوء الحظّ فإن النائبين السابقين نائلة معوّض وفارس سعيد، ورئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانيّة سمير جعجع، بالإضافة إلى آخرين من 14 آذار، طالبوا صفير بزيارة منزل الرئيس الأسبق للجمهوريّة رينيه معوّض».
استاء صفير بحسب المصادر من هذه الطلبات، وقرّر عدم زيارة أي منزل، والتوجه مباشرةً إلى الدير والمشاركة بالاحتفاليّة والعودة إلى مقرّه. تدخّل بعض المقربين من صفير وقالوا له بوضوح: «لا يجوز لبطريرك الموارنة أن يزور أكبر مدينة مارونيّة خلسة ولا يزور أحداً فيها». فقرّر الرجل إلغاء زيارته إلى زغرتا من أصلها.
عندما توجّه صفير إلى الديمان، زاره عدّة أعضاء في الرابطة المارونيّة وأخبروه بوضوح أنه لا يجوز له أن يعود إلى بكركي ولا يزور إهدن وهي بعيدة عنه عشر دقائق في السيارة، «كما لا يجوز لك كبطريرك أن تبقى على عداء مع النائب فرنجيّة والجنرال ميشال عون. أنت رأس الطائفة وتُعادي الرجليْن. الرئيس سعد الحريري زار فرنجيّة وتناول طعام الغداء عنده».
بعد كلام كثير، استعان الرجل التسعيني بقول للإمام علي بن أبي طالب: «إن لم يكن ما تُريد فأرد ما يكون». أضاف صفير لزوّاره، إذا لم «أستطع أنا زيارة إهدن لأسباب سياسيّة، فهذا منزل الوزير فرنجيّة فأهلاً وسهلاً به وزيارة الديمان لا تنتقص من قيمته». هنا دار نقاش بين المطارنة الموارنة، وتقرّر توجيه دعوة رسميّة لفرنجيّة لزيارة الديمان، وخصوصاً بعدما عرف هؤلاء أن فرنجيّة لن يُعارض الأمر.
ولإكمال المهمّة، ذهب أحد أعضاء الرابطة لزيارة المطران سمير مظلوم في بكركي (وهو مقرّه الدائم) وإقناعه بنقل الرسالة، و«خصوصاً أن صفير يرغب في الدعوة، وفرنجيّة في التلبية». ويوم السبت الماضي، زار مظلوم فرنجيّة حاملاً الدعوة فوافق الأخير، مُحدداً يوم الاثنين لتلبيتها.
وفي الخلوة التي جرت بين الطرفين، تحدّث فرنجيّة لمدّة 40 دقيقة من أصل 45 دقيقة كانت مدّة الخلوة. شرح لصفير وجهة نظره وانتقاداته له على جميع الصُعد، من الأوضاع السياسية إلى الكنسية والاجتماعية وحجم الوجود المسيحي في الإدارة العامّة.
قال فرنجيّة إنه «يرفض القول إن هناك مسيحيّين سنّة، ومسيحيين شيعة، لافتاً إلى أن هناك مسيحيين يُدافعون عن وطنهم»، وإلى أن بعض القوى «تعمل على تظهير مواقف الآخرين بدل أن تملك مواقفها الخاصّة»، مكرراً تشديده على أنه «لا يجوز للبطريركيّة أن تكون مع طرف دون آخر لأن هذا يتناقض مع موقعها».
وفي نهاية الخلوة اتفق على تأليف لجنة متابعة، من المتوقّع أن تضمّ الوزير يوسف سعادة والمطران سمير مظلوم وعضو الرابطة المارونيّة طلال الدويهي لمتابعة تنسيق العلاقة بين الجانبين.
وتحدث مطلعون على الاتصالات عن أن هذه الخطوة تأتي في سياق رغبة الرابطة المارونيّة في توحيد الساحة المسيحيّة وحلّ الخلافات. كما أشارت إلى أن صفير بات منزعجاً كثيراً من بعض القوى السياسيّة التي تتخلّى عن ثوابتها الاستراتيجيّة في ليلة وضحاها، وكأن «الاستراتيجيا باتت في سبيل التكتيك». وقد بات صفير منزعجاً من أن يكون بعض السياسيين يعملون عند سياسيين آخرين. وتُضيف المصادر أن ما حصل في جبيل من خلافات داخل الفريق الواحد (14 آذار) على أي مكان أو منزل يزوره صفير، ما دفعه إلى «إلغاء الزيارة التي كان ينوي القيام بها إلى جبيل، وخلقت عنده حالة من الاشمئزاز».