وهذا المطلب لا يرى فريق رئيس الحكومة نفسه قادراً على تلبيته. وإلى أن يحلّ موعد تسوية ما، لا يبدو أن الأيام الآتية ستحمل معها طيف هدوء
بعدما وصلت البلاد إلى حافة الانفجار، عاد رئيس الحكومة سعد الحريري من إجازته السعودية ـــــ البحرية. وبغض النظر عمّا إذا كان الحريري قد رجع بحل لمشاكله المالية التي من أجلها قصد أرض الحجاز، فإن ما بدر من أوساطه مساء أمس أنه لم يحمل معه حلاً للمشاكل السياسية في البلاد. وأكد غير مصدر معني بالاتصالات السياسية أن أي تواصل جدّي لم يحصل بين سوريا والسعودية بشأن الأوضاع المستجدة في لبنان. ومن المنتظر أن يعقد رئيس تيار المستقبل اجتماعاً لكتلته النيابية اليوم، يحدّد فيه السقف السياسي للمعركة بينه وبين فريق المعارضة السابقة، وخاصة أن أوساطه تحدّثت عن سقف سوري ـــــ سعودي يمنع ملامسة الانفجار الأمني، «على أن يكون الحل للمشاكل السياسية لبنانياً صرفاً». في الوقت عينه، حتى ما قبل وصول الحريري، كانت مصادر مطلعة في تيار المستقبل تؤكد أن التعليمات الآتية من الحريري تطلب استمرار التصعيد، و«كل موقف سيقابل بموقف مثله».
في المقابل، بدا واضحاً أن قوى المعارضة السابقة سائرة في «هجومها» بملف شهود الزور «حتى النهاية»، من جهة، و«لمقاومة العدوان بوسائل العدوان». ومن دمشق، وردت إشارات إلى دعم سوريا لما تقوم به المعارضة، علماً بأن «العتب» السوري على الحريري «كبير جداً، لأنه ترك بلاده على شفير الانفجار، من دون أن يدفعه ذلك إلى قطع إجازته، بما يوحي أنه في موقع غير المسؤول ولا يشبه رجال الدولة».
ورأى نائب بارز في فريق المعارضة السابقة أنه إذا «لم يتدارك السعوديون المشكلة القائمة، فإن البلد سائر إلى انهيار. والمشكلة ليست في استدعاء اللواء جميل السيّد، بل في الفتنة الآتية من باب المحكمة الدولية». يضيف النائب ذاته: «السعوديون تعهدوا بحل المشكلة، لكنّ شيئاً لم يظهر في الأفق حتى اليوم. ونحن لا نطلب شيئاً من الفريق الآخر بخصوص المحكمة. هم هرّبوا ملفها، وعليهم أن يجدوا له حلاً. ومنذ سقوط بند تمويل المحكمة في لجنة المال والموازنة النيابية، لم تعد محل إجماع».
نائب آخر من الفريق ذاته أكد أن ما صدر عن طاولة الحوار الوطني بشأن المحكمة الدولية «كان إجماعاً على الوصول إلى حقيقة من اغتال الرئيس رفيق الحريري، لا إجماعاً على هذه المحكمة الدولية التي أعطيناها فرصة لتعديل مسارها، من دون أن تظهر منها أي بادرة إيجابية».
ورأى نائب ثالث من الفريق السياسي ذاته أن «ثمة من يريد الانقلاب على التفاهم العربي ـــــ العربي، والعودة إلى سياسة التفرّد»، مشيراً إلى أن «ملف شهود الزور هو مفتاح تصويب الاتهام نحو القاتل الحقيقي في جريمة اغتيال الحريري، الذي في رأينا هو إسرائيل».
وبدا جلياً خلال اليومين الماضيين أن تيار المستقبل ألبس المعركة ثوباً مذهبياً، لم يشذّ عنه سوى مستشار الحريري، الوزير السابق محمد شطح، الذي قال إن رئيس الحكومة لا يُستهدف بصفته زعيماً للسنّة. ورأى رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد أن لجوء «الطرف الآخر إلى التوتير المذهبي دليل على الإفلاس المنطقي لديه»، فيما أشار أحد نواب المعارضة البارزين إلى أن أداء فريقه السياسي مع اللواء جميل السيّد في المطار «هو رسالة لمن يهمّه الأمر مفادها أن من غير المسموح المساس بأي كان، وخاصة بعدما أراد تيار المستقبل استخدام الأجهزة الأمنية والقضائية لتكرار سيناريو عام 2005». ولفت النائب ذاته إلى أن تجرّؤ «موظف على إصدار بيان سياسي من دون أي إذن من وزيره، هو دليل على نيّتهم تحويل الدولة إلى ميليشيات، وإلى دولة الزور التي يعدوننا بها، والتي تنتج شهود زور وقضاة زور ورجال أمن زوراً ورجال سياسة زوراً لا يفقهون من السياسة سوى التحريض المذهبي والطائفي». وغمز النائب من قناة البيان الذي أصدره المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي، أول من أمس، والذي خاطب فيه اللواء السيّد بالقول إن «السجن لك ولأمثالك وللقتلة الذين تحميهم. (...) لن ينفع صراخكم وعويلكم في قضية ثانوية تافهة لحجب أنظارنا وأنظار الشرفاء عن القضية المركزية الأساسية وهي قضية اغتيال الشهداء»، وختمه بالقول: «سنواجهكم في القضاء وسنكمل مسيرتنا حتى النهاية». وطالب أحد النواب البارزين في المعارضة السابقة ريفي بـ«خلع بزته العسكرية، ليتحدّث بصفته عضواً في الفريق الأمني لتياره السياسي، لأن أي دولة تحترم نفسها في العالم لن تقبل بتصريح سياسي كالذي صدر عنه».
وكان اللواء جميل السيّد قد جدّد هجومه على رئيس الحكومة وفريقه الأمني ـــــ القضائي، فور وصوله إلى قاعة الشرف في مطار رفيق الحريري الدولي، بعد ظهر أول من أمس، مؤكداً عدم وجود أي ثقة بالمحكمة الدولية قبل أن «يدخل ديتليف ميليس وغيرهارد ليمان وسعيد ميرزا وأشرف ريفي ووسام الحسن إلى السجن في لاهاي أو في بيروت».
وفيما انتقدت قوى 14 آذار بشدة المواكبة الأمنية التي وفّرها حزب الله للواء جميل السيّد فور وصوله إلى المطار، واصفة إياها بـ«الاجتياح»، لفت عدد من سياسيي المعارضة السابقة إلى أن السفير جوني عبدو، «المحكوم بجرم التحقير برئيس الجمهورية، دخل الأراضي اللبنانية قبل أسابيع بمواكبة من سريّة حرس رئاسة الحكومة، من سلّم الطائرة إلى مكان إقامته وبالعكس، دون أن يمرّ بأي جهاز أمني. ومَن أبدى غيرته على حرمة المطار أمس، لم نسمع صوته سابقاً».
وبعيداً عن الفريقين، أبدت أوساط رئيس الجمهورية ميشال سليمان قلقها على الوضع العام في البلاد، مشيرة إلى أن سليمان «مستاء جداً، وهو يجري اتصالات لمحاولة تحقيق التهدئة، وسيسعى في جلسة مجلس الوزراء التي ستعقد غداً إلى نزع فتيل التوتر في البلاد». ولفتت أوساط بعبدا إلى أن وزير العدل إبراهيم نجار «استعجل تحريك النيابة العامة ضد اللواء السيّد، إذ إن الدولة باتت اليوم كبالع الموسى، فلا هي قادرة على التراجع، ولا هي قادرة على المضي قدماً في ملاحقة السيّد». وفي السياق ذاته، لفت حديث الوزير غازي العريضي، أول من أمس، عن أن قضية ملاحقة اللواء السيّد تُبحَث في مجلس الوزراء.
كبارة: تهذيب اللسان
أعنف مواقف تيار المستقبل على ما جرى جاءت من طرابلس (عبد الكافي الصمد) حيث أعلن النائب محمد كبارة أن قوى 14 آذار أصبحت، بعد محاولة إسقاط المحكمة الدولية، في «حلّ من أي التزام آخر تضمّنه البيان الوزراي للحكومة الحالية، وأول هذه الالتزامات ما يسمّى معادلة الجيش والشعب والمقاومة، فنعدّه كأنه لم يكن».
موقف كبّارة التصعيدي لم يقتصر على مضمون ما قاله في مؤتمره الصحافي أمس، بل في الشكل الذي أخرج به هذا الموقف، إذ بعدما كان مقرراً أن يعقد «أبو العبد» المؤتمر في منزله بمحلة المعرض، أول من أمس السبت، نقل موعده إلى ما قبل ظهر أمس الأحد ومكانه إلى مكتبه في محلة التل، رافقه حضور شعبي واسع لأنصاره الذين أطلقوا المفرقعات النارية والهتافات المؤيدة له وللرئيس سعد الحريري، عدا عن حضور شخصيات دينية محسوبة على التيار السلفي في صدارة الصفوف، كان أبرزهم الشيخان كنعان ناجي وزكريا المصري.
كبّارة ردّ، متوعداً، على موقفي المدير العام السابق للأمن العام اللواء جميل السيّد في 12 و18 أيلول الجاري، بكلام من «العيار الثقيل» يشبه ما قاله عقب أحداث أيار 2008 عندما أطلق على طرابلس صفة «عاصمة السنّة» في لبنان، فأكد أن «من يتعرّض لزعيم السنّة أو مقام رئاسة مجلس الوزراء بالتهديد، سواء بيده أو بغيرها، ستردّ عليه الطائفة السنّية بتهذيب لسانه، ولن يكون التهذيب بيدها حتماً»، واصفاً حزب الله بـ«الحزب الإيراني» و«عدو الحقيقة والعدالة»، لأن «من يعدّ المحكمة عدوة له فنحن نعدّه عدواً لنا»، داعياً الحريري إلى «الصمود في مقام رئاسة الحكومة والاستمرار بمواجهة مخطط إسقاط الدولة».
الأمر لم يقتصر عند هذا الحد، فمنسّق تيار المستقبل في طرابلس مصطفى علوش رأى أن أنصار التيار «مدعوّون مجدداً إلى الدفاع عن حريتهم واستقرارهم ومستقبل أبنائهم».
في موازاة ذلك، بعدما أعلنت الأسبوع الفائت كتلتا التضامن (الرئيس نجيب ميقاتي والنائب أحمد كرامي) والوفاق الوطني (الوزير محمد الصفدي والنائب قاسم عبد العزيز) رفضهما «استهداف مقام رئاسة الحكومة»، من غير أن يشيرا إلى الحريري من قريب أو بعيد، تداعى نواب طرابلس أول من أمس إلى اجتماع، كان لافتاً غياب ميقاتي عنه «بسبب انشغالاته الكثيرة والطارئة» حسب أوساطه، حيث رأى بيان النواب أن «التصريحات والتهديدات التي طاولت مقام الحكومة ورئيسها، وكذلك ما رافقها من مواقف سياسية تدعو إلى المساس بمؤسسات الدولة وقضائها والخروج عليهما، تمثّل نهجاً خطيراً ومرفوضاً».
وقارنت أوساط سياسية بين ما يتردّد في طرابلس من «تسجيل مواقف متشنّجة»، وما اتخذه رئيس تيار المردة النائب سليمان فرنجية من مواقف «مسؤولة» أول من أمس، خلال احتفال تخريج الدورة الأولى من أكاديمية المردة للقيادة، أكد فيها ثباته على مواقفه من جهة، وتحييد منطقته وأنصاره عن أي تداعيات محتملة من جهة أخرى، بقوله إنه «لم أكن يوماً على الحياد، سكوتي موقف، وسكوتي سببه عدم انتظام الأمور»، ودعوته أنصاره إلى «عدم القيام بأيّ رد فعل»، بعدما قرأ أن المرحلة المقبلة ستشهد «رهانات جديدة وتظاهرات وضغوطاً، ولكن بالنتيجة هناك تسويات لأن المنطقة هي منطقة تسويات».
وسألت هذه الأوساط: «هذا التصعيد الذي قد يخرج عن السيطرة في طرابلس إلى من يوجّه؟»، مشيرة إلى أنه «بعد تقارب الحريري مع الرئيس عمر كرامي وفرنجية، وزيارته سوريا التي أعلن حرصه على علاقات جيدة معها، لم يبق أحد في موقع العداء له ولتيار المستقبل في الشمال، فلماذا تجرّ المنطقة إلى أتون معركة لا يزال أهلها يدفعون حتى اليوم ضريبة خوضهم معارك عبثية سابقة ومماثلة؟».
لا نريد فتنة التبليغ
وعلى صعيد الملاحقة القضائية، توقعت أوساط رئيس الحكومة ألّا تحاول الأجهزة الأمنية تبليغ اللواء جميل السيّد طلب مثوله أمام المباحث المركزية مجدداً، «لأن تحريك النيابة العامة كان يهدف إلى ردعه عن تهديد السلم العام، ونحن لا نريد لتبليغ قضائي أن يوصل البلاد إلى الفتنة». في المقابل، لفتت مصادر قانونية معنية بقضية السيّد إلى أن القاضي سعيد ميرزا غير قادر على اتخاذ أي قرار في الملف، بعدما تقدم السيّد بطلب تنحيته أمام محكمة التمييز، أسوة بما جرى عام 2007 مع المحقق العدلي في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري القاضي الياس عيد الذي لم يعد قادراً على اتخاذ أي قرار منذ أن طلب وكلاء الحريري الشخصيون ردّه عن النظر في الملف. وأشارت المصادر إلى أن ميرزا «ارتكب خطأً قانونياً جسيماً بقبول تحريك دعوى الحق العام ضد السيّد، لسببين: أوّلهما وجود خصومة شخصية واضحة بينه وبين السيّد، وثانيهما أن الحق العام لا يتحرك سوى ضد استهداف رئيس الحكومة، علماً بأن ما قاله السيّد لا يدخل ضمن خانة تهديد أمن الدولة».
بنود «تفجيرية» في مجلس الوزراء
تسلّم الوزراء جدول أعمال جلسة الحكومة التي ستنعقد بعد ظهر غد الثلاثاء، برئاسة رئيس الجمهورية ميشال سليمان في بعبدا. وإضافة إلى أنهم تسلّموه بعد ظهر أمس الأحد، وهو يوم عطلة، كان لافتاً أن أول بندين عليه هما مشروع قانون يرمي إلى إبراء ذمّة الحكومة وإعفائها من قطع حساب السنوات 2006 و2007 و2008 و2009 ومشروع قانون موازنة عام 2011.
ويتضمن جدول الأعمال 59 بنداً، إلا أن بعض الوزراء توقّع عدم الوصول إلى هذه البنود، إلا إذا عمد رئيس الجمهورية إلى طلب تأجيل البندين الأوّلين إلى نهاية الجلسة أو إلى جلسة لاحقة. فالمعروف أن البند المتعلّق بالحسابات المالية عن السنوات الماضية هو من البنود المثيرة للخلاف، ولا يستطيع مجلس الوزراء أن يعفي نفسه من موجب وضع قطع الحساب لهذه السنوات إلا بموجب مشروع قانون تعديل دستوري يحتاج إقراره إلى أكثرية ثلثي أعضاء الحكومة.
وكانت وزيرة المال ريا الحسن قد رفعت إلى مجلس الوزراء مشروع قانون عادياً من مادّة وحيدة تنص على أنه ليس هناك إمكانية لإعداد قطع حساب لتلك الأعوام بسبب الظروف الاستثنائية، وتستبدل هذا الموجب الدستوري بجدول بسيط وموجز لا يتضمن إلا الأرقام الإجمالية لنفقات كل سنة من السنوات الأربع، وهو ما فسّره البعض بأنه الترجمة العملية لشعار «فؤاد السنيورة خط أحمر»، باعتبار أن الكشف عن الحسابات التفصيلية يمكن أن يوفّر وثيقة رسمية لكل من يسعى إلى إدانة السنيورة واتهامه بمخالفة الدستور والقوانين وهدر المال العام.
من ناحية أخرى، من غير المتوقع أن يُطرح ملف شهود الزور على جلسة مجلس الوزراء، إذ إن وزير العدل إبراهيم نجار لن يحضر الجلسة بسبب خضوعه لعملية جراحية.