أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

سلطان باشا الأطرش يتفقّد الرعيّة

الأربعاء 22 أيلول , 2010 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,252 زائر

سلطان باشا الأطرش يتفقّد الرعيّة


يتغير المشهد السوري برمته فور الوصول إلى السويداء. تظهر فجأة على جانبي الطريق منازل قديمة، رصفت حجارتها السوداء بدقة لافتة، تتلاصق حيناً وتباعد بينها أشجار التين حيناً آخر. أحدث هذه المنازل، تجاوز عمره مئة عام بحسب القاطنين فيها، الذين يشيرون بقلق إلى زحف العمارة الحديثة باتجاههم. خلف المنازل من الجهتين، تنتصب هضبتان أشبه بتلال الشوف في احتضانهما أشجار التين والتفاح وغيرها، ما يمثّل أساس الدخل للدروز القاطنين في تلك المنطقة.
في السويداء، الطريق العام مسمّى باسم الرئيس الراحل حافظ الأسد، والصور على جدران المحالّ في الأسواق المكتظة تهتف «نعم بشار الأسد للأبد». أما التماثيل، فلا تنحت إلا على شكل سلطان باشا الأطرش. يقول الرواة إن بعض أبناء المنطقة كانوا مترددين أيام الباشا في مسايرة حماسته للثورة، لكن الباشا يكاد اليوم يجاور في كلام أهالي المنطقة الأنبياء، فهو «رافع رأس الدروز» و«مثبت دورهم في التاريخ السوري».
بالقرب من منزل قائد الثورة العربية، أقيم متحف جمعت فيه مقتنيات الأطرش وبعض تركات الثورة. إلى هنا يحجّ الدروز من مختلف أصقاع العالم، وخصوصاً من فلسطين ولبنان والجولان واللاذقية. فيتحول النقاش إلى مشاركة في الهواجس، بحثاً عمّا يضمن الاستمرارية الدرزية.
يُستهَلّ الكلام في الصالون الصغير قبالة المتحف، حيث كان الأطرش يستقبل أنصار الثورة، بتأكيد تمسك الدروز بثابتتهم في عدم التبشير، الأمر الذي يفترض أن يريح نفسية الطوائف الأخرى.
ومن الدين ينتقلون بسرعة إلى الدنيا. يتعايش دروز فلسطين مع عدم الاستقرار الاقتصادي، فيما يبدي دروز سوريا تفاؤلاً كبيراً بأوضاعهم الاقتصادية: الغالبية في السويداء تعمل في الزراعة، وخصوصاً أنها من «الملاكين» للأراضي. يزرع هؤلاء التفاح والعنب (يعتز أبناء المنطقة بالنبيذ والعرق اللذين تنتجهما كرومهم، وهما الأفضل في سوريا) والزيتون (أشجار الزيتون في السويداء هزيلة مقارنة بأشجار الزيتون في لبنان) والحمص والعدس. ويستفيدون من مبدأ «الدولة الراعية» في تصريف إنتاجهم. أما المكانة الثانية على الصعيد الوظيفي عند دروز سوريا، فتحتلّها الوظيفة الرسمية، وخصوصاً أنّ نسبة المتعلّمين في السويداء عالية، ولا يكاد يخلو منزل من مهندس أو طبيب. إضافة إلى ذلك، تستفيد السويداء من وجود أكثر من خمسين ألف مغترب في دول أميركا اللاتينية، معظمهم ما زالوا يترددون على قراهم، حاملين معهم خيرات الاغتراب.
بعد كلام دروز سوريا التفاؤلي، ينخفض صوت المتحدثين اللبنانيين. يخبر أحد هؤلاء أبناء طائفته عن تناسي الدولة لمنطقة الشوف. يروي لهم عن قرى تصلها الكهرباء ستّ ساعات يومياً، وبعضها يعيش أسابيع من دون مياه. ويتحدث عن مزارعين يهجرون الأرض لأنّ محاصيلهم تفسد أمامهم. فتفّاح الشوف يدفن تحت الأشجار بعد تساقطه، وزيت الزيتون يكدس بانتظار أسواق لا تفتح. وخلافاً لثبات أهل السويداء في منطقتهم ودروز فلسطين في قراهم، يؤكد اللبنانيون أن حركة النزوح الدرزية من الشوف إلى مناطق أخرى في تصاعد مستمر نتيجة غياب مقومات الاستمرار الاقتصادي. ويروي أحد المشايخ أنه زار منطقة الجرمانة قبل بضعة أيام، وفوجئ بعاصمة درزية لا تعرف أسواقها النوم، مؤكداً أن مقارنة الجرمانة ببعقلين أو الشويفات مستحيل.
وسرعان ما ينتقل الحديث إلى السياسة. لدى دروز فلسطين أخبار كثيرة عن المعسكرات السياسية داخل الطائفة في فلسطين، وعن الحروب بين اللجان التي تدّعي النطق باسم الدروز. مرة أخرى، يتبين أن دروز فلسطين قلقون. أما السوريون، فيشيرون إلى لعب النظام بذكاء في السويداء، إذ قوي حزب البعث كثيراً، وتحوّل إلى

عبّر اللبنانيّون عن مخاوفهم من حركة النزوح الدرزيّة من الشوف

الوسيط الوحيد بين الدولة والأهالي، فتجاهل معظم هؤلاء منازل الإقطاع التقليدي ليكتظوا في مقارّ حزب البعث. وهكذا بات فرع الحزب في السويداء من أقوى فروع سوريا. أضف إلى ذلك أنّ «جينات آل الأطرش كانت أقرب إلى جينات آل أرسلان منها إلى جينات الجنبلاطيين»، فعجزوا عن توفير استمرارية الزعامة القوية. وأصبح أمين حزب البعث في السويداء ذا حيثية شعبية أكبر بكثير من حيثية أبناء العائلات الإقطاعية. لكنّ طيّ صفحة البعث العراقي في السويداء وانسجام أهالي المنطقة مع البعث السوري، لا يعني أن دروز سوريا مطمئنون سياسياً، إذ يرى هؤلاء أنفسهم معنيين جداً بما يحصل مع دروز لبنان، نظراً لإيمان الكثير من السوريين بأن دروز لبنان وسوريا يؤلفون جسداً واحداً. وبالتالي، يشرح أحد المشايخ السوريين كيف كان يكفي الناطقين بلغة القاف أن يقولوا كلمة واحدة خارج السويداء، حتى يسمعوا عشرات الشتائم للزعيم اللبناني الذي تسلّى بشتم القيادة السوريّة. ويؤكد أن أبناء طائفتهم غالباً ما وجدوا أنفسهم في موضع المتّهم، فاضطروا إلى المزايدة في التأكيد أن مواقف أبو تيمور لا تعنيهم ولا تعجبهم، مشيراً إلى أن مواقف الدروز اللبنانيين المعارضين لجنبلاط، وخصوصاً وئام وهاب، كانت تريح أبناء الطائفة الدرزية في سوريا وتسمح لهم بالقول أمام الرأي العام إن جنبلاط ليس لسان الدروز الأوحد، الأمر الذي يفسر الإعجاب الدرزي السوري الكبير بوهاب، والالتفاف الشعبي (بمباركة ودعم من النظام) غير المسبوق حوله.
يصل الدور إلى المشايخ اللبنانيين. يظهر هؤلاء قلقاً كبيراً. يتبين منذ البداية أن اجتماع وليد جنبلاط وطلال أرسلان ووئام وهاب في صالون واحد لا يعني أبداً أن الطائفة بخير. فالهواجس كثيرة: هناك أولاً قرار جنبلاط النهائي توريث تيمور زعامته، وهو أمر ينطوي على مخاطر بحسب أحد المشايخ؛ لأن عدم تعمد تيمور بمعمودية نار يصعّب على الطائفة السير خلفه. فضلاً عن أن زعامة جنبلاط نفسها اهتزت كثيراً لدى الرأي العام الدرزي الذي فقد ثقته بجنبلاط القائد الذي لا يُهزَم، والزعيم الذي يتمتع برؤية سياسية صائبة مئة بالمئة. ويقول أحد الشيوخ في هذا السياق إن تمرد رئيس مؤسسة العرفان الشيخ علي زين الدين على أبو تيمور ليس بأمر تفصيلي، وكذلك تهافت المشايخ على مرأى من جنبلاط للسلام على زين الدين في قصر المؤتمرات في دمشق، مرددين: «نحن نعرفك جيداً» (رداً على إنكار جنبلاط في حلقته مع الإعلامي مارسيل غانم معرفته بزين الدين). وفي ما يشبه الإجماع، يقول الحاضرون اللبنانيون إن زعامة جنبلاط اليوم تحتاج إلى «شدشدة»، فيما تحاول الزعامة الأرسلانية بالحد الأدنى وقف تآكل زعامتها. وبموازاة القلق الدرزي الطبيعي من تزعزع الزعامتين الأساسيتين، يرى الحاضرون أن وئام وهاب أثبت نفسه بعد مروره بمعمودية النار في السنوات الست الماضية، لكنه لا يملك إمكان الاستيعاب أو آلية الخدمات للمضي قدماً. وبالتالي، لا يمكن الطائفة أن تعوّل عليه. ويشير أحد المشايخ إلى تنامي النزعات الدينية، مؤكداً أن «ظاهرة أمين الصايغ» تتزايد.
ينتبه الدروز المجتمعون إلى تكاثر النظّارات السوداء من حولهم. يشير أحد المشايخ السوريين إلى رئيس الوفد الفلسطيني، فيقف الأخير خطيباً ليعلن أن دروز فلسطين يعتزّون بالحج إلى سوريا ـــــ كعبة الجهاد وقلعة العروبة. يعلو التصفيق والهتاف. يتمعّن دروز لبنان في اللوحات التي تزيّن متحف سلطان باشا الأطرش، وقد كُتب عليها: «ما أُخذ بالسيف، بالسيف يؤخذ» و«إلى السلاح إلى السلاح، إن الحق منتصر لا ريب فيه».



الحفاظ على التقاليد

 

ينقسم المجتمع الدرزي في السويداء، كما في المناطق الدرزية الأخرى، إلى مجموعتين أساسيتين: المشايخ وغير المشايخ. ينتمي الفرد إلى المجموعتين بالوراثة. في المجموعة الأولى، ثمة تقاليد تبدأ من ارتداء الزي الديني واتباع بعض السلوكيات الخاصة مثل الامتناع عن التدخين وتناول المشروبات الروحية وغيرها، واتباع سلوكيات خاصة في التعامل الاجتماعي والامتناع عن ممارسة بعض المهن (العمل في المصارف مثلاً).
مع العلم بأن الشاب والصبية في الخامسة عشرة من عمرهما يخرجان عن «ذمة الأهل» ويخيَّران في البقاء على ما هما عليه ضمن المجموعة الأولى أو هجرها. أمّا في المجموعة الثانية، فلا محرمات، بل سلوكيات اجتماعية تُبقي المجتمع «محافظاً»، ويسهر المشايخ على محاولة تطبيقها. ويُذكر هنا أنه ليس للمشايخ سلطة فعلية على غير المشايخ. حفاظ المجتمع الدرزي على التقاليد أخذ حيزاً كبيراً من نقاشات المشايخ، وخصوصاً في ظل خروج الدروز من مجتمعاتهم المغلقة. واتُّفق على إعداد مؤتمرات تخصَّص لبحث هذا الملف.

Script executed in 0.16707515716553