وصف أحد القياديين المستترين في لبنان، الذي نادراً ما يظهر في الإعلام، الواقع السياسي والاجتماعي بالمأسوي وأنه ضحيّة لانحدار المستوى الفكري والثقافي حتى عند بعض مَن يُصنّفون بالمتعلّمين. لقد ازداد في نظره عدد أصحاب الشهادات، ولكن انحدرت معه ثقافة الفكر السياسي، فحلّت «النرجسيّة اللبنانيّة» المتجلّية بـ«التركيبة الجينيّة» في التذاكي المستمر بدل التعلُّم والتطوّر الطبيعي من تجارب الماضي كما هي الحال مع شعوب العالم. فاللبناني، في رأي القيادي، اختار دوماً أن يضع مصلحته المادية فوق كل اعتبار ولو انغمس حتى أذنيه في التبعيّة والإذلال»، «بدل أن يرسم مصيره من خلال الحدود الدنيا من الديموقراطية والمساواة والحرية.
وفي هذا الأمر لا فرق بين الزعامة في أي حزب كان وأيّ خط سياسي.
وبناءً على هذا التقويم الموجز للقيادي المستتر، تظهر أزمات ومآزق القوى السياسية المختلفة في لبنان بين أطراف تصرّ على الحفاظ على امتيازاتها بالاستمرار في غنم ما يغرفون من الدولة البقرة الحلوب وبين أطراف أخرى تحاول الانقضاض على الأوضاع، منهم «بالتغاضي» وآخرون بانتفاض الصوت العالي في وديان الدولة المنهارة:
1 ـــ رئاسة الجمهورية: لم تكن فترة الياس الهراوي غامضة. فالرجل عرف حجمه وسلّم قَدَره للنفوذ السوري حينها، لكنه لم يخرج من «لبنانيته» فحصل على ما أنعم الله عليه من حصته في الترويكا. إميل لحود، وبغضّ النظر عمّا يقوله عنه محبّوه ومبغضوه حول الحقبة «المرّة»، كان واضحاً في خياره السياسي قناعةً والتزاماً لا كالياس الهراوي. لكن مأزق الرئاسة اليوم أنها تحاول أن لا تكون طرفاً في نزاع تمتد جغرافيته حتى الولايات المتحدة، مروراً بالعالم الغربي وأوروبا، في وقت باتت فيه الرمادية صعبة التنفيذ. هذا المأزق يضاف إليه تذكير مستمر للرئاسة بمن «هندسها» وأنها قادرة على أداء دور سياسي بارز ما بعد انتهاء الولاية نتيجة التناحر المسيحي القائم وتعبئة فراغ ما. يجد البعض صعوبة في عدم استيعاب الرئاسة أن الواقع السياسي والاجتماعي في لبنان لم يعد يحتمل تسويات وتطييب خواطر لإرضاء هذا أو عدم إغضاب ذاك.
2 ـــ الرئيس نبيه بري أصبح الصامت الأكبر المثابر. فهو ينجح في بقائه غير قاطع لشعرة معاوية مع أحد طالما أنه في خط سياسي واضح وملتزم للثوابت. لا ضير أن «جنون» الآخرين عدّة شغله. غير مهم عنده الطرفان ما دامت رئاسته ثابتة لا منازع له عليها ظاهراً أو باطناً ولا حتى مستقبلاً حتى بات شعار جمهوره: «يا ويلنا من بعدك». يربح مع حليفه الحقيقي وليد جنبلاط بالانتظار كلما خسر فريق، بغضّ النظر إلى من انتمى. الشيعية السياسية مركبة يقودها بوقود لا طائفة له.
3 ـــ الرئيس سعد الحريري: وكأنّه لم يجلس معه أحد من «محبّيه» العميقي الفكر ويقوّم معه تجربة والده. أو كأنه لم يستوعب أنّ وحل السياسة اللبنانية وجذورها المنوّعة إقليمياً ودولياً أعمق من أرضيّة برج أبي حيدر والطريق الجديدة. طبعاً لا يُحسد على واقعه. فهو في وسط «توصيات» فؤاد السنيورة والأجهزة المرتبطة به، وفي جوّ الصفاء السعودي ـــــ السوري المفروض عليه. ثم ويله من تعليل التناقض بين موقعه كرئيس لحكومة لبنان الذي اضطرّه إلى التخلي عن قيادة كتلته النيابية وتلبية غرائزية بعض جمهوره الذي تغذّيه التقديمات الاجتماعية.
يضاف إلى تناقضات واقعه السياسي تحالفه مع الكتائب والقوات اللبنانية حيث خلافه معهما بشأن الانفتاح على سوريا. أما في الخارج فويله الاستماع إلى النصائح المصرية أو الوصايا السعودية التي هي ملهمه الأول. ماذا يفعل إذا سمع من الفرنسيين غير ما يسمعه من الأميركيين؟ أسوأ كوابيسه إذا ما اتفقت الأطراف الموحية له، ولكن بين السعودي والمصري والسوري يأخذ برأي الأول، وبين الفرنسي والأميركي يسمع للثاني. يحتاج سعد الحريري كزعيم مذهبي ورئيس حكومة، إلى مكيافيلية أدهى مما لدى المحيطين به، لكن يخشى ألّا يعيد تجربة أبيه في التذاكي بين اللاعبين الكبار.
4 ـــ البطريركية المارونية: ربما استفاقت أخيراً المرجعية الى أنّ مَن حضنتهم وألبستهم عباءتها هم مَن يتاجرون بشعار التوطين تحت جناح فؤاد السنيورة ومَن خلفه. جرّبتهم في قرنة شهوان ثم طعنوها في التحالف الانتخابي بارتمائهم في صالونات قريطم. ثم عادت وأصبحت حضن 14 آذار «خوفاً من التوطين». مكيافيلية البطريركية لم تجعل صفير ينسى عداوات تاريخية ليرى أن التوطين خطر حقيقي وأنّ مَن يتصدّى له ليس ممّن تزلّف للركوب على جناح البطريركية بل من عاداهم بشراسة. يبقى السؤال: كيف للبطريرك أن يعلّل لمؤمنيه استفاقته، أم أنّ سلوكه تجاه ميشال عون وسليمان فرنجية يشبه تصرف سعد الحريري مع سوريا؟
5 ـــ وليد جنبلاط: أصبح مثل مكاتب المحاماة التي تقبض من زبائنها عند تأسيس الشركات أو تصفيتها، كيفما استدار يجد من يحتضنه لأنه «بيضة القبّان»، لكن دخوله لعبة الكبار حرمه نعمة إغلاق العينين معاً، فأصبح يعيش ويتعايش مع قلق مستمر بعدما ماتت عواطفه، ومهما تعاظمت شبكة علاقاته الإقليمية والدولية يبقى هاجسه الأكبر تراجع مرجعيته التاريخية، وبات تائهاً بين مسؤولية زعامة طائفته ورغبته في عالم آخر. يكتب في جريدته باستهزاء عن لبنان الجنة وكأنه «البريء» بين مقترفين...
6 ـــ حزب الله: هو الجهة القوية التي وسَّعَ صدرها من قوتها فازداد رمي السهام عليها. هو مَن يعلن بصوت عالٍ أنه لا يريد الدولة ومتّهم بأنه يخطط للانقلاب عليها. يحمل وزر تصرفات حلفائه لأنه الهدف وهم يشكون من «مساومته» المستمرة إلى أن يُحشَر. يريدون الأخذ منه بالسلم ما فشلوا في أخذه بالحرب فيوصِّفونه بالمجوسيّة والصفويّة وكل ما يحتاج إلى نزع فخر المقاومة عنه. يتخلّى عن حقوقه المكتسبة كطرف سياسي نابع من جمهور عريض لمصلحة حلفائه كي لا يقلقوه في تفاصيل تافهة تحيّده كأخصامه عن بوصلته الأساسية. صمد حتى الآن، لكنه يشعر يومياً بوزر ما يُلقى على أكتافه. جمهوره لم يعد هو نفسه بعد عام 2006، وبيئته تختنق بالكثافة السكانية وما تتطلبه من معالجات. أعداؤه كثر وحلفاؤه منهم مخلصون ومنهم مَن يحالفه مصلحياً إلى حين. فقط قاعدته العسكرية التنظيمية راسخة لا تندمج مع كل التناقضات، ولكن يرافقها تآمر مستمر من استخبارات دولية وعربية لأن يكون طرفاً في فتنة سنية ـــــ شيعية لم ولن يدخل فيها.
الواضح أن أولوية المقاومة بأمان. لكن مراوغة الحزب في عملية شراء الوقت باستمرار، وتجاهله «التفاهات الداخلية» عليهما علامات استفهام. فالكثير من جمهوره بات يسأل عن الترجمة السياسية لإنجازات المقاومة، وإن بصمة ما مطلوبة من الحزب في الشؤون السياسية الداخلية، بدءاً من التشريع إلى الإصلاح الهيكلي، مروراً بكل ما يشوب زواريب الدولة من فساد واضمحلال. عدم الرغبة في المشاركة في قالب الحلوى لم يعد سبباً مقنعاً للتقاعس.
7 ـــ ميشال عون: قد يكون هو الأوضح سياسياً بعد انتخابات 2005 وتوقيعه التفاهم مع حزب الله. فهو لم يعد يحتاج إلى مكيافيلية إلى أن زايدت عليه الأطراف المسيحية الأخرى فاضطر إلى الاستدارة قليلاً واعتماد المناورة في التعاطي مع قاعدته المسيحية لإقناعها بصواب خياره الاستراتيجي. المؤسف أنّ عون سيبقى أسيراً لهذه المعادلة إلى أن يحصل تغيير ما في الواقع المحلي والإقليمي. وما يساعده على مناورته «المستحدثة» مع جمهوره وخطه الصدامي مع أخصامه أنه بات أكثر استماعاً ومحاورةً للفريق المحيط به. أما المأزق الأصعب الذي لم يجد له حلاً فهو في كيفية التعاطي مع «حليف حليفه» في الوقت الذي يرفع فيه شعار الانقلاب على الواقع القائم ومن دون الخروج من ورقة التفاهم.
8 ـــ سمير جعجع وآل الجميّل: الطرفان الأكثر صراحة، والقاسم المشترك هو تحريك الغرائز الطائفية مثل «تهديد الوجود المسيحي أو جعلهم أهل ذمة» وما إلى ذلك من نظريات ولّت. كان جعجع سبّاقاً في هذا المضمار ولو بأموال خليجية لـ«حماية المسيحيين»، ما جعل آل الجميّل يتنافسون في ما بينهم لاستثارة الغرائز المسيحية منافسةً مع جعجع. الفارق الأساسي بين الطرفين أن جعجع يرسم استراتيجياته مسبقاً ويتبع منهجية في طروحاته، بينما يتخبّط آل الجميّل في مواقفهم السياسية حائرين بين التركيز على تاريخ نضالهم وأسفهم على أن عون سبقهم إلى التوقيع على ورقة التفاهم.
9 ـــ سليمان فرنجية: اختار القيادي الشاب أسلوباً شبيهاً بما يعتمده الرئيس بري. لا يقطع شعرة معاوية مع أحد. وما دام الصراخ لا يفيد، فإن حديث الخلوات بصوت خفيض مفيد أكثر. لكن هذا لن يمنع أطرافاً ما من التساؤل عن غموض هذا التواضع المسلكي الذي يتناقض مع شخصية المعني، إلا إذا كان يعلم الكثير ممّا لا يعلمه الآخرون.
10 ـــ عمر كرامي، نجيب ميقاتي ومحمد الصفدي: لم يكن الرئيس كرامي مزايداً كما فعل ابنا مدينته الآخران اللذان يصمتان دوماً تحت ستار ابتسامة كـ«مَن في فمه ماء». فكرامي يبقى ساكتاً هذه الأيام متألّماً لواقع الحال، عاجزاً عن التعبير مجاهرة عمّا يستثيره طاقم الحريري من عصبيات مذهبية لأنه يعلم إلى أين سيأخذ جمهوره، ويبقى متوجّساً من المستقبل مع العجز عن أخذ مبادرة ما كي لا يُتّهَم بـ«الخيانة».
أما الرئيس ميقاتي والوزير الصفدي فلا يُسمع صوتهما إلا بعد توجّس في نفسيهما لاستمالة جمهور بعد تعرّض موقع رئاسة الحكومة للانتقاد. كلاهما لا يمانع في مغادرة الحريري غداً شرط أن لا يمسّ أحد صلاحيات رئاسة الحكومة لأنها قد تأتي لأحدهما.
مقبول أن يستنكر الجوزو التهجّم على مقام رئاسة الحكومة، ولكن أن يصدر الكلام من شخصيتين مرموقتين كميقاتي والصفدي أمر مستغرب، فهما من عاصرا الخارج وعالم المال والمؤسسات ولمسا حسنات العلمانية أو على الأقل فصل الدين عن الدولة، واستفادا معنوياً ومادياً من الأنظمة المدنية. غريب ألا يستغربا انهيار الدولة كلها. صار شرط الدفاع عن مقام الرئاسات الثلاث الاستعانة بخلفية مذهبية. ليس واضحاً إذا كان هذا تصرفهما. بات عليهما التخلي عن الضبابية في المواقف السياسية انتظاراً لظروف الحاجة إلى شخصية سنّية مستقلة حيادية ولو أن البلاد وصلت إلى حافة الهاوية. كان باستطاعة ميشال عون أن يزايد على سمير جعجع في تأجيج التطرّف المسيحي، لكنه ارتأى أن يقود جمهوره إلى الانصهار بدل التقوقع.
11 ـــ الشعب اللبناني:
وفي عودة إلى ما قاله القيادي «المستتر»، يبقى المكيافيلي الرئيسي في كل هذه التركيبة هو المواطن نفسه، فهو تاريخياً «شاطر»: يتبجّح باسم عائلته وعشيرته وتقاليده، ثم يقبل كل أنواع الإهانات من زعيم ما تزعَّم عليه إمّا بالدم وإمّا بالوراثة. ولا ضير في ذلك ما دام أن «طويل العمر» يؤمّن الوظيفة أو الإعاشة وبالحد الأدنى قطعة السلاح للولاء له بالدم تأكيداً على «الكرامة الوطنية». والمواطن الذكي الناجح أينما كان في العالم لا يجد نجاحاً في لبنان إلا من خلال الامتيازات الشخصية التي يحصل عليها ولو وفّرها الزعيم على حساب أولاده وأحفاده. هذه هي مكيافيلية الشاطر.
لبنان اليوم في مأزق كما قياداته. أزمة السلطة في المجتمعات الدموية لا تنتهي إلا بالدم. وحوادث 1958 ثبَّتَتْ البورجوازيّة السنّيّة شريكة للموارنة. ثم ضُحّيَ بدماء 200 ألف نسمة لكي تقتنع المارونية السياسية بأن ديكتاتوريتها لن تستمر حتى واجهها اليسار الضائع في أيديولوجيته. قطف السوري ثمار هذا الصراع وحكم ما بعد الطائف. ظهر على الساحة رجل مميّز، اسمه رفيق الحريري، ودخل لعبة كبار لم يستطع الخروج منها، فدفع الثمن غالياً ودفع معه لبنان خسارة باغتيال رئيس حكومته، وكان الدم مرة أخرى هو السبيل للتغيير السياسي في لبنان، ما أتاح الفرصة لانتهازيي الحقبة السورية في التطاول عليها وعلى المقاومة لاحقاً.
ليست مأساة الطائف، الذي يدّعي الجميع بمكيافيليّة أنهم تحت سقفه، أنها فقط جعلت من رئاسة الجمهورية شاهد زور، بل شرعنة أمراء الحرب وحيتان المال في تركيبة الدولة المشوّهة، فقضوا على ما بقي منها من مدنيّة. ليس من سابقة تاريخية عن دولة قامت بإدارة مَن أجرموا فيها ولم يعتذروا.
يبقى السؤال الأبرز: كم من الدماء ستسيل لتحقيق تغيير جديد يجعل البلد يدخل مرة أخرى في تسوية سياسية تعيد الكرّة مرة أخرى، أولها خرافة العيش المشترك وآخرها حكومات الوحدة الوطنية؟
المخرج بوضوح الشمس هو «انقلاب» سياسي سلميّ من خلال قانون انتخاب يلغي المحادل وتأثير المال السياسي لنسيان التاريخ الأسود لأمراء الحرب والمال. أين رئيس الجمهورية...
بين الانقلاب والأصوليّة
في الأزمة الحالية ارتفعت الأصوات المحذّرة من مشروع للانقلاب على السلطة (تحت شعار الانقلاب على الدولة). مجرد إصدار الاتهام لأطراف معينة بذلك هو إقرار صريح بأن المتهم هو القائم والمسيطر والحاكم في السلطة والدولة. إذ لا يمكن أن ينقلب طرف على آخر في حكومة اتحاد أو وحدة وطنية فعلية. يقوم بالانقلاب فقط طرف خارج السلطة على الطرف الذي يحكم.
ساءت الأجواء السياسية إلى حد جعلت أصواتاً تقول بأنّ مَن يريد الانقضاض على رئاسة الحكومة وبالتالي الزعامة السنية، عليه القبول بتنظيم «القاعدة» منذ الآن فصاعداً. هذا المنطق ينقض الحنكة في «السنية السياسية التاريخية»، لأنه يجاهر بنقض اتفاق الطائف الذي لم يجعل رئاسة الحكومة «السنية» هي البديل لرئاسة الجمهورية «المارونية».
كان المرحوم رفيق الحريري قادراً وحده على إرساء معادلة كهذه تخالف الطائف بسيطرته على غالبية الطبقة السياسية في لبنان ومدّ نفوذه داخل سوريا أيضاً. اعتمد مبدأ أنّ لكل موقع ثمنه أو مقابله. خلفاؤه لم يستطيعوا إكمال أسلوبه لأن الموارد المالية لم تعد كما كانت، ولأنه بعد سنة 2005 ظهر طرفان سياسيان على الساحة السياسية لا سعر لهما. أي حزب الله والتيار الوطني الحر.
أما التهديد بالقاعدة بديلاً لـ«الاعتدال السني» فهو منطق ينحر نفسه، إلا إذا كان المضمون أن الأصولية أداة يستدعيها «وليّ عرابها»، أو يعفيها متى شاء!
خلال مؤتمر الدوحة قال سعد الحريري لأحد المشاركين إن على خصومه أن يختاروا بينه وبين السلفيين. لم يتعلم السياسي الحديث من تجربة الأميركيين مع طالبان بعد مواجهة السوفيات، ولا تفجيرات القاعدة في الفلوجة ضد مجالس الصحوة السنية لأنها انخرطت في تسوية سياسية. خفي عليه أن الأصولية والتطرف لا يفرّقان بين «مسيحي كافر» و«شيعي مجوسي» و«سنّي معتدل».
أما في مقلب الشيعية السياسية، فقد سأل زائر أحد كبار المرجعيات الشيعية عن قَدَر الشيعة في الحكم وعلاقتهم بالسياسة، حيث إنهم، ما عدا بعض الفترات اليتيمة، لم يحكموا بالمعنى السياسي، بل يتفاخرون بأن السلطة ليست هدفهم بل «إحقاق الحق والعدالة». واستغرب السائل عن مغزى هذا السلوك وكأن الإنسان ممكن أن يصل يوماً إلى الحق متغلباً على الحقيقة. وسرد تجربة نضالهم ضد الانتداب البريطاني في العراق، لكن حصل أن أقصاهم الآخرون عن الحكم. ثم تجربة حزب الله في تحرير الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي سنة 2000 ومنع عودة الاحتلال سنة 2006، ليصبحوا «اعتذاريين» وفي خط دفاع أمام بعض جهابذة السياسة اللبنانية الذين يطالبونهم بإلقاء سلاحهم لأن لبنان «أكثر أماناً» من العدو الإسرائيلي بدون هذا السلاح. باتت المقاومة وجمهورها بعد كل التضحيات متّهمين بأنهما «خارج الحضارة والنسيج اللبناني». تدّعي المقاومة أنها واعية لتلك التفاصيل ولا ضير في غياب الترجمة السياسية لها حتى ولو قطفها الحلفاء لأن الأولوية في مكان آخر.
خرج السائل محتاراً بدون أجوبة مقنعة عن حكمة أحد أركان «الشيعية السياسية» وأهدافها النهائية، وعن تعليل عدم إنصاف جمهور المقاومة ووصفه بصورة مغايرة تماماً لواقعه، يقابله السكوت «الغامض الواضح» للنواب الحلفاء دليلاً على «امتعاضهم» وليفهم الجميع أنهم «الصورة الحضارية» للتمثيل الشيعي.