تشبه ذاكرة النظام السوري ذاكرة الفيل. فالقيادة السورية لا تنسى، وإن أبدت رغبة في التناسي أو التغاضي. فهي تذكر جيّداً، على سبيل المثال، تجربة رئيس الجمهورية الأسبق أمين الجميّل (1982ـــــ 1988) الذي قدّم كل الوعود إلى الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، وقدّم في الوقت نفسه وعوداً مناقضة إلى الأميركيّين. وفي النهاية، تصرّف كما يرغب، مغرقاً البلاد في فوضى دموية من الحروب الطاحنة. ولم تتمكّن سوريا من منعه من زيارتها في الساعات الأخيرة من ولايته الرئيسية حين طلب من الأسد الموافقة على بقائه في منصب رئاسة الجمهورية اللبنانية، على أن يفي بكلّ وعوده السابقة، وطبعاً رفض الأسد.
اليوم، يرى بعض مَن في القيادة السورية في رئيس حكومتنا صورة مصغّرة عن أمين الجميّل. فكثير من الكلام الطيّب يدور بين سعد الحريري والرئيس بشار الأسد، لكن الأفعال تذهب في اتجاه آخر. كذلك لا تخفي المصادر الغربية حجم التعهّدات التي يقدّمها الحريري الشاب إلى الغرب، من الولايات المتحدة إلى الدول الأوروبية، ويعجز عن تنفيذها.
كان المطلوب من سعد الحريري أن يعود بعد السحور الرمضاني (في 30 آب الماضي) إلى بيروت ليعلن عبر وسائل الإعلام موقفه بشأن شهود الزور، إضافةً إلى ما هو أكثر من ذلك. فقد اتفق ان يجري مقابلة مع «الوطن» السورية ومع قناة فضائية عربية، إلا أنه فضّل أن ينشر موقفه في جريدة واحدة سعوديّة غير موجّهة إلى الجمهور اللبناني. وبالتالي، فإنّ ما يمكن أن يُستشَفّ من هذه الخطوة، أن سعد ـــــ وإن رضخ مكرهاً لما التزم به في دمشق ـــــ فإنّه لم ينفّذه بما يريح الجو السياسي الداخلي ويظهر التزامه بما أدلى به خلال السحور الدمشقي.
كان الجو المرافق للزيارة، ولا يزال إلى اليوم، يفيد أنّ حزب الله سيذهب إلى النهاية في ملف شهود الزور، وأن هذه هي الخطوة الأولى على طريق إسقاط مشروع اتهام حزب الله بالتورط في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وأن المزاح والتذاكي والبهلوانيات السياسية التي تقتضي الانتظار حتى صدور القرار (في كانون الأول المقبل) لا تنفع، وخصوصاً أنّ سوريا وحزب اللّه يعتقدان أنّ اتّهام الحزب سيحصد مشكلات داخلية لا تنتهي، وأن محاولات كسب الوقت هي بانتظار الآتي لا محالة، أي الحرب الإسرائيلية، وأن هذه الحرب ستشمل لبنان، وحكماً سوريا.
وسعد الحريري ليس غريباً عن هذا الجو الإقليمي، وهو يعلم أن الأمور ليست مرهونة بكشف حقيقة مقتل والده، بل بتعديل موازين القوى في المنطقة ما بين إسرائيل من ناحية، وحزب الله وسوريا وحماس وإيران من ناحية أخرى. وربما لم يكن الحريري يعلم أن ثمة قوات خاصة إسرائيلية تتخفّى بستار شركة الأمن الأميركية العاملة في العراق «بلاك ووتر» لتدخل منازل سورية على الحدود مع العراق، وتفتّشها، وتتسلّل أحياناً أبعد من ذلك، وأن هذه الدراسة الميدانية التي يعدها جنود النخبة الإسرائيليون ليست مجانية. كذلك فإن المناورات التي تجري على الحدود المتاخمة لسوريا ولبنان ليست دفاعية.
وسواء كان رئيس حكومتنا يعلم أو لا يعلم، لا فرق، لكنّ كلاً من سوريا وحزب الله يرى أن ما يحصل هو كسب للوقت، وأن زمن الحرب يقترب يوماً إثر آخر، وهي لن تتجاوز العام الواحد بحسب قراءات الأطراف المعنيين ومعلوماتهم وتحليلاتهم، وتحصين لبنان من الداخل ضرورة، ومن غير المسموح به ترك الأمور على حالها.
وبالتالي، فإنّ محاولة انسحاب لبنان من المحكمة الدولية أو وقف تمويلها أو مجرّد إبداء اعتراض رسمي، لا تنفع ولا تجدي في تغيير الوضع الداخلي. فالمحكمة هي بتصرف الأميركيّين، وبقيادتهم، وتمثّل كنزاً ثميناً لهم لن يفرّطوا به بسهولة، وسبق أن استخدموها لتهديد النظام في سوريا، ومن بعدها لمساومة سوريا، واليوم يستخدمونها كلاعب احتياط في سياق انسحابهم من العراق وفي إشعال لبنان.
كذلك، يمكن المحكمة متابعة عملها، وتصويب السهام على حزب الله، وتهديد الداخل اللبناني، حتى بعد إعلان مجلس الوزراء وقف التمويل أو الانسحاب من الاتفاقية الموقعة لإنشاء المحكمة. لذلك، المطلوب تحديداً من سعد الحريري، ابن رفيق الحريري الذي استُشهد وأنشئت المحكمة لكشف قتلته (نظرياً)، أن يخرج إلى الناس قبل صدور القرار الاتهامي ويعلن الآتي: «أنا سعد رفيق الحريري، أرى أنّ صدور قرار اتهامي عن المحكمة الدولية يتهم مباشرةً أو مداورةً حزب الله أو أحد عناصره بالتورط في مقتل والدي يعني أن المحكمة الدولية مسيّسة، وسأرفض هذا القرار». وكل ما دون ذلك هو مناورة من الحريري الابن ومحاولة تملّص من التزاماته.
كان الحريري، إلى ما قبل حديث جميل السيد، يبحث عن أسلوب لتخفيف وقع تعامله مع المطالب السورية على شارعه. وكان يحاول في الوقت عينه أن يلتزم بجزء من هذه المطالب، وخاصةً لناحية محاكمة شهود الزور، أو إيجاد مخرج مرضٍ لسوريا ولحزب الله في هذا الملف. إلا أن مكمن ضعف رئيس حكومتنا، بحسب من يعرفونه، هو في مدى التزاماته المحلية والإقليمية والدولية.
سعودياً، يقع الحريري على خط التشعب ما بين قيادة الملك وفريقه وقيادة فريق الآخرين في المملكة، حيث هناك على الأقل اتجاهان. وإذا أضفنا إلى ذلك العلاقات والالتزامات الدولية مع فرنسا والولايات المتحدة ومصر وغيرها، يتحوّل الحريري إلى شبه مشلول على مستوى الحكم في لبنان، بدل أن تعطيه تلك العلاقات نفوذاً أوسع كما كانت تعطي والده أفقاً وهامش مناورة كبيراً في الداخل وفي سوريا.
كذلك زاد من ضعف سعد الحريري زياراته المتكررة لسوريا، والتزامه أمام الرئيس السوري بما لا طاقة (أو لا نية) له على تنفيذه. وقد أضعفه ذلك أمام شارعه وأمام القيادة السورية معاً، وإن كان بعض من يتابعون الملفّ يعتقدون أن الحريري الشاب كان سيصل إلى استدعاء شهود الزور للمحاكمة في لبنان، لكنّه امتنع وأعرض بعد المؤتمر الصحافي للمدير العام للأمن العام السابق.
ويضيف هؤلاء إن الحريري حاول اعتماد أسلوب والده، عبر الخروج من لبنان، لكن لم تكن النتائج إيجابية أو مؤثرة. ثم سرّب معلومات (أو بالأحرى شائعات) عن نيّته الاعتكاف في الخارج، لكنه جوبه برسائل تشبه في الشكل أسلوبه الذي اعتمده، وتفيد بأن وزراء المعارضة يتأهّبون للاستقالة، ما سيضعه أمام موقف مشابه لموقف حكومة السنيورة، لكن من دون زخم النزاع الذي كان قائماً في ذاك العهد.
ونظراً إلى اختلاف السياق تماماً عن مرحلة حكم السنيورة للبلاد، وإلى ضعف رئيس حكومتنا الحالي، جرى تدارك الأمر وعاد الحريري إلى بيروت، وسافر أمس على نحو مفاجئ إلى جدّة، ملغياً موعداً مع وزيرة المال ريا الحسن ووزير الاتصالات شربل نحاس، لمتابعة البحث في الموازنة. ويفترض أن يعود من السعودية ليزور سوريا اليوم.
الحريري يعلم أن حزب الله سيلتزم التهدئة من جهة، أقلّه حتّى انتهاء زيارة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى لبنان بين 13 و15 تشرين الأوّل المقبل. لكنه سيواصل معركة شهود الزور وإسقاط القرار الاتهامي من جهة أخرى، وصولاً إلى جلب شهود الزور أمام القضاء اللبناني أو محاكمتهم غيابياً، وإسقاط مفاعيل أيّ قرار اتهامي يصدر عن المحكمة ويشير إلى حزب الله.
والحريري يعلم أن السعودية وسوريا توافقتا (من حيث المبدأ) على فك ارتباط سعد بما بقي له من حلفاء في المقلب الآخر، وخصوصاً أنّ سوريا ترى أن عدداً من حلفاء الحريري هم من «بقايا الاحتلال الإسرائيلي»، وهم يؤدون دوراً سلبياً في العلاقات اللبنانية السورية. وأهم هؤلاء الحلفاء، القوات اللبنانية وابن عائلة الجميّل، سامي.
وفي سوريا من يلخّص لمصادر غربية علاقة سوريا بالحريري بأنها قائمة من جهة سوريا على مطالب سياسية واضحة لها علاقة بما يجري في المنطقة، وقائمة من جهة الحريري، على الوعود والتسويف والكلام المعسول.
وفي لبنان من يبدي اعتقاده بأن هذا السلوك قد لف حبل المشنقة حول رقبة سعد الحريري رئيساً للحكومة، الذي يقف الآن على «الطبليّة»، فيما حزب الله يقف خلف الحريري وقدم الحزب على الطبلية نفسها. وإذ يستمر رئيس الحكومة في التسويف، لا يزال الحزب متردداً في دفع الطبلية ليسقط الحريري سياسياً.
ما قام به اللواء السيد في مؤتمره الصحافي هو تسريع الأمور تسريعاً غير محسوب. فقد فرض على الأطراف الإسراع في خطتهم للتخلص من تهديد المحكمة، لكنّه ارتكب ـــــ بحسب بعض المعنيين ـــــ ثلاث مخالفات قاتلة: الأولى هي التعرّض لزعيم السنّة في لبنان، والثانية نبش قبر رفيق الحريري، والثالثة التطرّق إلى موضوع الرئيس حسين الحسيني، علماً بأن سوريا ترى أن السيّد هو خط الاختصاص الأول في المحكمة الدولية.
في هذه الأثناء، يستمرّ سعد الحريري في زياراته لدمشق، التي تمثّل الحاضنة التاريخيّة للسنّة، وعلى جدول أعماله المطالبة بحمايته من حزب الله، وحفظ مكانته ومكانة الطائفة. وهو ما طلبته المملكة من دمشق، وجاءها التعهد بحفظ «آل الحريري» في لبنان.
إلا أنّ سعد عاد ليطلق فريقه في هجمات متفرقة على حزب الله وسلاح المقاومة. ربّما لم يدرك الحريري بعد أن سوريا التي تبدو في غاية الاسترخاء، إنما تدين بجزء كبير من استرخائها (وتعترف بالأمر) لحزب الله، وخاصةً لما قام به منذ عام 2005 وفي حرب تموز، وهي ترى أن ما يزعج المقاومة في لبنان يزعج بلاد الشام بأكملها. وقد أُبلغ الملك السعودي أن المقاومة في لبنان خط أحمر سوري. والشخصيات السورية التي تشارك في المحافل الدولية تتوخّى الحرص على القول دائماً إن سوريا لا تتخلى عن ثلاثة أشخاص في لبنان، هم: الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، رئيس التيار الوطني الحر ميشال عون، وزعيم تيار المردة سليمان فرنجية