أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

جعجـع يطـارد «الانقلابيّيـن» وأوهامه

الإثنين 27 أيلول , 2010 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,025 زائر

جعجـع يطـارد «الانقلابيّيـن» وأوهامه

غسان سعود
لا تفهم الفتاة الصغيرة التي عصبت رأسها براية القوات اللبنانية سبب الغضب في عيون أصحاب السيارات المتوقفة حول سيارتها. هي تعتقد أنّ التلويح بعلم القوات أمر يفرح، لا تتخيّل أن لدى جيرانها في السيارات الأخرى عائلات وأعمالاً تنتظرهم، ولديهم لنهاية الأسبوع مشاريع أخرى كثيرة، غير قضائها في سياراتهم، لأن خمسة شبان من القوات قرروا إقفال الطريق الدولية ليظهروا أن الحشود الشعبية بالآلاف، وأنّ الطرقات مقفلة. هكذا، كل مئة متر، تعود السيارات الخمس القواتية إلى إقفال الطريق. وفي ظل غياب القوى الأمنية، يتجنب المواطنون المتذمرون من الزحمة غير المبررة الدخول في مواجهة غير متكافئة. الصورة التي يعتقد القواتيون أنها تربحهم، تخسرهم كثيراً، وخصوصاً في كسروان التي لا يفهم أهلها سبب إصرار سمير جعجع على الإقامة فيها وإقامة مهرجاناته على أرضها، علماً أنه عجز في الانتخابات النيابية الأخيرة عن ترشيح كسرواني واحد باسم القوات. وهكذا، يزداد أهل كسروان عجزاً عن نسيان الارتكابات السابقة. فإضافةً إلى الذكريات، تقفز أمامهم سنوياً أعلام فرقة الصدم وتعبر بمنازلهم الموسيقى الصاخبة، فضلاً عن قطّاع الطرق.

في موقف السيارات

سُيّج ملعب كرة القدم والمدرجات في ملعب فؤاد شهاب في جونية بالأشرطة الشائكة، ومُنع القواتيّون من الاقتراب منها، إذ يكفي جمهور القوات موقف سيارات الملعب. والموقف قُسِّم إلى منطقتين أساسيتين، واحدة لحمَلة البطاقات المتعددة الألوان، وأخرى لغير حامليها. في المنطقة الأولى، يشغل السياسيون مساحة كبيرة، ولأهالي شهداء القوات حيّزهم، إضافةً إلى تخصيص مساحتين للإعلاميين والمصابين القواتيين في الحرب مع عائلاتهم. أما في المنطقة الثانية، فيحتشد عدد كبير من تلامذة المدارس والمعاهد التقنية وطلاب الجامعات الذين يرتدون ثياباً خاصة، تجعل كل واحد منهم شريكاً في التنظيم أو في صناعة الحدث. وأغلبية هؤلاء كانوا وفق المعايير التنظيمية عاطلين من العمل معظم الوقت. وبالتالي، فإن التفسير الوحيد لإلباسهم الأخضر هو محاولة قيادتهم إشعارهَم بأهميتهم من جهة، ورغبة هذه القيادة في إثبات امتلاكها الكادر التنظيمي الأكبر وسط الأحزاب المسيحية، من جهة أخرى. علماً أن ضغط هؤلاء الشباب على أهلهم وإحضار كل منهم شخصين فقط من عائلته، كان سيسمح لحزب القوات بأن يحشد أكثر مما فعل أول من أمس.
كان لافتاً تجاوز القوات للامتحان التنظيمي الصعب الذي أخضعتهم العاصفة له، فأعادوا إعمار كل ما هدمته العاصفة خلال ثماني ساعات فقط. وقبل نحو عشر دقائق من انطلاق القداس، كان المنظمون في طور رفع ملصقين ضخمين: واحد يحمل عنوان الذكرى هذا العام: «لا عدالة لأحياء يظلَم شهداؤهم»، وآخر لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني، الذي رأى أن تهديم العاصفة للمسرح ليس بالأمر المحبط لقوم أنجبوا أبطالاً يسيرون فوق الثلج ليوصلوا «الذخيرة والغذاء والدواء إلى الأهالي الصامدين». ومن الشعارات، مروراً بالأعلام السوداء ذات الجماجم، وصولاً إلى أغنيتي «نحن الدفاع الشعبي مندافع منقاوم»، و«نحنا شعبك يا لبنان، منقاوم منقاتل مندافع عنك منموت حتى تبقى عالي»؛ القوات جاهزة للتصدي «للانقلابيّين على الأبواب».
الضباب حال دون تبرُّك المجتمعين في موقف السيارات من سيدة حريصا، وحُرم البطريرك نصر الله صفير رؤية الحشد الذي يتبادل معه الإعجاب من شرفات بكركي. لكن ذلك لم يمنع البطريرك من الحضور، سواء عبر الصورتين اللتين ظلّلتا مدخلَيْ الموقف، أو عبر موفده إلى القداس المطران رولان أبو جودة. وإضافةً إلى صورتي صفير، رفع المنظمون صورة للرئيس بشير الجميل وشهداء القوات، وأخرى للجميل وسائر الشهداء (رفيق الحريري، حسن خالد، داني شمعون، رينيه معوض، والآخرين) فوق الغيوم، حيث تجدون أيضاً أرزة هي أقرب في طولها وعرضها إلى الأرزة التي في علم القوات، منها إلى الأرز الموجود في المناطق اللبنانية. ونتيجة إصرار حزب جعجع على التأكيد أنه حزب الجماعة لا الشخص، يحرص المنظمون على عدم رفع أية صورة في الموقف لرئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع، لكنهم يسمحون للمناصرين بأن يُدخلوا صور جعجع، ويصدف أن معظم هؤلاء الأنصار يحملون الصورة نفسها. عند المدخل، يسحب المنظمون الأعلام من الداخلين، موزعين لهم قبعات تحمل رمز القوات اللبنانية قبل أن يعيدوا توزيع أعلام موحدة قبيل انطلاق جعجع في كلمته. وكان لافتاً هذا العام، عدم بروز أية مشاركة شعبية جدية من أنصار تيار المستقبل، الكتائب اللبنانية، الوطنيين الأحرار، وطبعاً حزب الكتلة الوطنية، فغابت أعلام تلك الأحزاب. وفي ظل طغيان الحضور الشمالي على الحشد، حتى وسط الوفود الآتية من جبل لبنان والأشرفية، بدا كأنّ البشراويين الموجودين بكثافة في كسروان والمتن والأشرفية بقوا في بلدات سكنهم هذه المرة، مؤثرين التوجه مع مواكب تلك المناطق بدل الصعود إلى بشري ثم النزول مجدداً مع المواكب البشراوية كالعادة.

ابن رياض رحال

في الحضور السياسي: يرسل رئيسا الجمهورية ومجلس النواب إكليلَيْ ورد بدلاً من الممثّلين. وولّى زمن مشاركة النائب وليد جنبلاط أو ممثل عنه في مناسبات كهذه، رغم وجود النائب مروان حمادة في لبنان. النائبة السابقة نايلة معوض غابت أيضاً، ومعها ابنها زعيم حركة الاستقلال ميشال. أمّا عميد حزب الكتلة الوطنية، كارلوس إده، فأرسل ممثّلاً عنه؛ الأمر الذي لم يفعله مفتي صور السابق السيّد علي الأمين ورئيس التيار الشيعي الحر الشيح محمد الحاج حسن. في المقابل، برز إيفاد قائد الجيش ممثلاً عنه. وقد طغى وسط السياسيين حضور تيار المستقبل، ورغم إيفاد الرئيس سعد الحريري الوزير محمد رحال ممثلاً عنه، حضرت الوزيرة ريّا الحسن والوزير السابق محمد شطح، الذي سها خلال القداس مرات عدة. وإلى جانب وزراء المستقبل الحاليين والسابقين، حضر حشد من النواب المستقبليين، برز وسطهم ابن النائب رياض رحال، الذي أوفده والده كممثّل عنه! فيما جلست النائبة السابقة صولانج توتنجي إلى يمين الرئيس أمين الجميل.

جعجع يتبنّى خطاب الزغبي

في كلمته، تثبت ملامح وجه سمير جعجع، سواء ارتفع صوته أو انخفض، هادن أو هدد؛ تبقى الذبابة لثوانٍ فوق حاجبه الشمالي قبل أن يبعدها. يعتمد الفصحى، محاولاً مرات عدة إصلاح أخطائه في تحريك الكلمات، يطمئن الجمهور إلى أن «الأمة لن تموت»، محذّراً من أن «الانقلابيين على الأبواب»، ومذكّراً من يعنيهم الأمر (الرئيس الحريري من بينهم) أن لا أحد يستطيع توصيف شهود الزور. وبحسب جعجع، لو كانت المحكمة إسرائيلية، لكانت ستفضل اتهام أبو عدس والأصوليّين باغتيال الحريري بدل اتهام حزب الله. ورفض الحكيم أن تعلن ثورة ضد الفساد ممن «يفقدون تماماً التاريخ الطويل في الاستقامة والوضوح والشفافية والأخلاق والمعرفة والجديةْ». وعلى طريقة عون، يستشهد جعجع بمسرحية، لكنه ينسى اسمها.
بإشارة واحدة من إصبعه، يصمت الجمهور. يشير إليهم بالسكوت حين يهتفون «آه آه سوريا»، لكنّه لا يعير لاحقاً انتباهه لهتافهم «آه آه حزب الله». يخاطب جعجع «رفاقي الشهداء» ولا يتوقف مراعاةً للمصفقين له عند ذكر الرئيس بشير الجميل. يبقى مستوى الصوت نفسه حتى يصل بحديثه إلى «الشعب اللبناني الذي هبّ في 14 آذار»، فينغّم كلماته. بعدها سيبتسم الحكيم لأول مرة في الخطبة، أثناء توجهه إلى شباب التيار الوطني الحر، لكنه سرعان ما يضبط انفعال وجهه من جديد، قامعاً الابتسامة. يعتقد بعض الجمهور

«لو كانت المحكمة إسرائيلية، لفضلت اتهام الأصوليّين لا حزب الله باغتيال الحريري»

أنه يردّد غيباً «الكتاب البرتقالي» الذي يمثل زاد العوني السابق الياس الزغبي ومتاعه، لكنه كان في الواقع يقرأ عبر شاشات إلكترونية. حاول جعجع عبر الكتاب اجتذاب العونيين ليعيدهم خمس سنوات إلى الوراء. وفي ظل محاولة المصور الرئيسي أخذ لقطة لجعجع مع صورة صفير، يرفض قائد القوات ما يُحكى عن «تمنيات بعض المسيحيين أن يبقوا على جنب بمنأى عن كل شيء»، مطمئناً مجتمعه إلى أن «الانقباض الديموغرافي مرحلي و«دورة الجَزْر أشرفت على نهايتها» (قبيل الاحتفال رأت الإعلامية مي شدياق عبر قناة الإم تي في أن ثمة مخططاً لتغيير وجه لبنان عمره ثلاثون عاماً، يقضي بأن يصبح الشيعة 40 بالمئة من سكان لبنان ويتمددوا على مساحة 40 بالمئة من الأراضي اللبنانية. مع العلم أنّ لدى شدياق «أصدقاء كثراً من الطائفة الشيعية»).

بين «المهدي» و«الحرية»

سعادة أنصار القوات كانت كبيرة أمس، فأداء المسرح في «فؤاد شهاب» (مفارقة أن تجري القوات استعراضاتها بين أحضان فؤاد شهاب) يتحسن سنة تلو أخرى، ويشعر القواتيون بأنهم يقتربون كثيراً من الأداء المسرحي في ملعب الراية. فكل ما في «فؤاد شهاب» يوحي برغبة قواتية كبيرة في محاكاة حزب الله شكلاً ومضموناً، للظهور بمظهر القادر على الوقوف في وجه الحزب. قُسّم شباب التنظيم إلى لجان على غرار حزب الله، وارتدت كل مجموعة ثياباً خاصة، فيما وُزعت أجهزة اللاسلكي بكثافة ليتواصل هؤلاء بعضهم مع بعض. وعلى طريقة حزب الله، توزّع ناشطون من القوات على سطوح بعض المباني المطلة على ملعب فؤاد شهاب، فيما استُهل الاحتفال بعرض لكشافة الحرية على غرار عروض كشافة المهدي. وكما ينشد أحد مقاومي حزبي الله في مستهل الاحتفالات، أنشدت الفنانة باسكال صقر. وكما لحزب الله شهداؤه، للقوات شهداؤها. وكما يحشد حزب الله في كل احتفال أكثر من 8888 شهيداً، تستعرض القوات ثمانية من شهدائها. أمّا الأبرز على الصعيد الأمني، في سياق المقارنة بين حزب الله والقوات، فهو تخصيص القواتيين شقة قرب الملعب لمتابعة الأمور الأمنية الطبيعية في الاحتفالات المماثلة. لكن بدلاً من إبقاء الشقة بعيدة عن الأنظار كما تقتضي الأصول، سارع القواتيون إلى رفع علم قواتي على الشرفة، ووقف أحد شباب الأمن على إحدى نوافد الشقة، حاملاً جهاز اللاسلكي، كأنه يقول للمارة: «نحن هنا، اطمئنوا».



«الأخبار» في العناية الخاصة

 

فور وصول الزميل المصوِّر مروان بو حيدر إلى الطاولة المخصصة للإعلاميين، استحصل كسائر الزملاء على بطاقة خاصة. لكن على السجادة الحمراء قرب المساحة المخصصة للسياسيين، حاصره أربعة شباب وسألوه عمّا يفعل هنا، وقبضوا على معصمه بعنف. وسرعان ما تدخّل شاب ليبعد الآخرين، مسهّلاً للزميل بو حيدر دخوله. لكن مرةً أخرى، وصل شاب آخر طالباً بلطف من المصوّر مرافقته، وأبلغه أنه ليس باستطاعته التصوير رغم دخول كل المصوّرين الآخرين، رافضاً أن يسمح له بالتواصل مع المسؤول الإعلامي في القوات. وحين حاول بو حيدر التقاط الصور رغم ممانعة «التنظيم»، أبلغوه أن عليه التقيد بالتعليمات، ووضع أحدهم كفّه على وجه المصور، طالباً منه أن «يُرحِّل» من هنا. ورغم تسليم البطاقة الخاصة للمغادرة، رافقه أحد شباب «التنظيم» حتى صعوده في سيارة السرفيس.



العونيّون: لم يجمعنا بالقوات أي خندق

 

بدأ سمير جعجع خطابه بشتم ميشال عون، وأنهاه بمحاولة اجتذاب شبابه، وسط رغبة في الادّعاء أنّ شباب التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية كانوا في الخندق نفسه طوال خمسة عشر عاماً بين 1990 و2005. وهو أمر يؤكد المعنيون في التيار الوطني الحر عدم صحته، مبرزين ثلاثة تمايزات أساسية:
ـــ العنوان العوني الأساسي في حركة التيار الوطني الحر بين 1990 و2005 كان «مقاومة الاحتلال السوري»، فيما كانت القوات اللبنانية ترفض رفضاً قاطعاً القول إن سوريا تحتل لبنان، وكانت ترى أنّ معركتها هي ضد «الوجود الشرعي والضروري والمؤقت» للجيش السوري. وهي في مطالبتها بتنفيذ الطائف، طالبت عملياً بانسحاب القوات السورية إلى البقاع لا عودتها إلى سوريا. ويذكر هنا أن شباب القوات والكتائب هدّدوا عام 2005 بالانسحاب من المسيرة المشتركة مع العونيين بمناسبة عيد الاستقلال، إن أصر العونيون على رفع لافتات تؤيد القرار 1559.
ـــ كان الهم الأساسي للعونيين هو إخراج الجيش السوري من لبنان، فيما كان الهم الأساسي للقواتيين هو إخراج سمير جعجع من السجن. وبحسب الذاكرة العونية، فإن هتافات القوات حتى أثناء استقبال البابا لم تتجاوز مبدأ «براءة براءة، سمير جعجع براءة».
ـــ بين أعوام 1990 و1994، كان «الدم للركب» بين العونيين والقواتيين. ولم تكن معظم المعارك الطالبية الجدية بين أعوام 1995 و2005 بين العونيين والقوميين أو العونيين والبعث أو العونيين وحزب الله، بل بين العونيين والقوات اللبنانية. وكلية الحقوق والعلوم السياسية في الجامعة اللبنانية، كما طلابها العونيون الذين رُشقوا بحجارة القوات وزجاجاتها الفارغة، يشهدون على «الخندق نفسه».

Script executed in 0.19222903251648