أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

تمويل المحكمة يطيح إمرار الموازنة

الثلاثاء 28 أيلول , 2010 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,343 زائر

تمويل المحكمة يطيح إمرار الموازنة

طلب الرئيس سعد الحريري من مجلس الوزراء في جلسة سابقة إقرار مشروع موازنة 2011 بسرعة قصوى، وضمن مهلة لا تتجاوز نهاية هذا الشهر. وقال وزراء من فريقه إن هناك مبررين لهذا الطلب: الأول، أن وزيرة المال ريا الحسن ستغادر لبنان لمدّة أسبوع في السابع من الشهر المقبل للمشاركة في الاجتماعات المشتركة لصندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن، وبالتالي يجب ختم المناقشات قبل أسبوع على الأقل من سفرها، لأنها تحتاج إلى بعض الوقت لكي تعيد صياغة المشروع في ضوء التعديلات التي ستطرأ عليه في المناقشات الجارية. أمّا المبرر الثاني، فيتمثّل برغبة الحريري في تسجيل إنجاز لحكومته يقضي بإحالة المشروع على المجلس النيابي ضمن المهلة الدستورية التي تنتهي في منتصف تشرين الثاني... إلا أن بعض النوّاب تحرّكوا في الأيام القليلة الماضية في اتجاهات عدّة، محذّرين من احتمال وجود نيّات لدى فريق الحريري لإيجاد أرضية مناسبة تسمح له بالتحايل على أحكام الدستور والنصوص القانونية من أجل العمل على إمرار مشروع موازنة العام المقبل عبر مرسوم يصدر عن رئيس الجمهورية بناءً على «قرار» من مجلس الوزراء، وذلك إذا كانت العلاقات بين القوى السياسية متأزّمة إلى الحد الذي يسمح بتهريب مثل هذا القرار تحت عنوان «الظروف الاستثنائية» و«الحاجة إلى تسيير أمور الدولة»، وهذا يتيح اصطياد عصافير عدّة بحجر واحد، ولا سيما منها القفز فوق العوائق القانونية التي تمنع المجلس النيابي من نشر قانون الموازنة لعامي 2010 و2011 قبل إيجاد التسوية المقبولة لمسألة وضع الحسابات المالية النهائية عن السنوات بين عامي 2006 و2009.
هذه التحذيرات بحثها وزراء ما يسمّى «المعارضة السابقة» في اجتماع عقدوه أمس، قبيل جلسة مجلس الوزراء، بحضور المعاون السياسي لرئيس المجلس النيابي النائب علي حسن خليل والمعاون السياسي للأمين العام لحزب الله حسين الخليل، واتُّفق على التيقّظ من احتمال وجود مثل هذه النيات، وإفشال هذه الخطة إذا كانت موجودة، وذلك عبر التمسّك بـ3 مسائل جوهرية في مناقشة مشروع موازنة عام 2011:
1ـــــ الإصرار على مناقشة مبدأ تمويل المحكمة الدولية، انطلاقاً من مدى توافر الشروط القانونية والسياسية لهذا التمويل.
2ـــــ الإصرار على وضع الحسابات المالية النهائية للسنوات الماضية، وبصيغة تفصيلية، بحسب ما تنص عليه القوانين النافذة.
3ـــــ الإصرار على مناقشة السياسات المالية والضريبية والاقتصادية والاجتماعية كمدخل لوضع إطار مشروع الموازنة، بوصفه الأداة الأساسية لتنفيذ هذه السياسات، بما في ذلك تسليح الجيش وإدخال ضريبة على الربح العقاري والمالي وزيادة الاستثمار في البنى التحتية الأساسية وتسديد كل المستحقات المترتبة على الدولة لمصلحة المواطنين ومؤسسات القطاعين العام والخاص، ولا سيما الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
انطلاقاً من هذه المسائل الثلاث، رفض وزراء «المعارضة السابقة» في جلسة مجلس الوزراء أمس، وهي الجلسة الثانية المخصصة لمناقشة الموازنة، البدء بمناقشة اعتمادات الوزارات قبل استكمال مناقشة السياسات العامّة، وهو ما استغرق نصف الجلسة تقريباً. وتخلل هذا النقاش إصرار من الرئيس الحريري على وقف تسريب محاضر الجلسات، وهو ما التزم به معظم الوزراء، إذ رفض معظم الوزراء الإدلاء بأي معلومات تفصيلية عن المناقشات، فيما اكتفى وزير الدولة عدنان السيد حسين بالقول «إن المناقشات كانت هادئة ومجدية، وإن الجلسة لم تتطرق إلى تمويل المحكمة الدولية بسبب غياب وزير العدل».

دراسة قانونية لكنعان تجزم بأنّ إمرار قطع الحساب يحتاج إلى أكثريّة ثلثي أعضاء مجلس الوزراء

إلا أن مصدراً وزارياً أشار إلى أن جلسة أمس أقرّت معظم موازنات الوزارات، وعُلّقت النقاشات عندما وصلت إلى موازنة وزارة العدل، وبرزت خلافات جوهرية على البند المتعلق بتمويل المحكمة الدولية، وهو ما أوحى به وزير الإعلام طارق متري الذي تلا مقررات الجلسة، إذ سأله أحد الزملاء الصحافيين: «هل وصلتم إلى موضوع تمويل المحكمة الدولية، وخصوصاً أنه ورد إلينا أن البحث تناول هذا الموضوع؟»، فأجاب: «لا أعلم ما الذي ورد إليكم، لكننا بحثنا في كل ما هو موجود في أرقام الموازنة، وهناك العديد من الأمور التي لم نأخذ قراراً بشأنها، تناقشنا بهدوء ولم نتوصل إلى قرار بالنسبة إلى عدد من الوزارات، منها وزارة الطاقة مثلاً». وردّ على سؤال آخر بالقول: «الوزراء قرروا أن يطبّقوا القانون الذي يعدّ مداولات مجلس الوزراء سرية، ولكن المهم أننا نناقش الموازنة، وهذه المناقشة قد تأخذنا إلى البحث في قضايا سياسية (...) نحن كنا في حوار صريح وهادئ وعقلاني في كل المسائل التي تعرضنا لها، ولم نتوقف عند مسألة خلافية دون سواها، ولم نأخذ قراراً في أي موضوع قد يستدعي المزيد من النقاش».
الجدير بالإشارة أن مجلس الوزراء كان قد قرر في جلسته ما قبل السابقة أن يعقد جلستين هذا الأسبوع، أمس والخميس، إذ تقرر أن تُخصص جلسة أمس لإنجاز النقاشات باعتمادات الوزراء، وجلسة الخميس لإنجاز المواد القانونية، على أن يحال المشروع على المجلس النيابي قبل 15 يوماً من بداية العقد العادي الذي يبدأ يوم الثلاثاء الذي يلي الخامس عشر من شهر تشرين الأول المقبل. كذلك تقرر في جلسة يوم الخميس الماضي أن يستضيف الرئيس الحريري الوزراء ريا الحسن وشربل نحاس وحسين الحاج حسن وجبران باسيل في منزله، مساء الأحد الماضي، لوضع الإطار العام للسياسات التي يجب أن تعكسها الموازنة... ولكنّ اجتماع الأحد لم يحصل بسبب الأوضاع السياسية المتأزمة واضطرار الحريري إلى السفر إلى السعودية، فيما جلسة أمس توقّفت عند بند تمويل المحكمة الدولية، وأُجّلت جلسة الخميس المقبل إلى الاثنين المقبل بانتظار عودة رئيس الجمهورية ميشال سليمان من الولايات المتحدة الأميركية لكي يشارك في جلسة مجلس الوزراء ويرعى النقاش في شأن بند المحكمة الدولية لكي لا يتحوّل إلى لغم قد يفجّر الحكومة.
بمعنى آخر، سقطت خطّة التحصّن بسند دستوري يحقق القدرة على إصدار الموازنة بمرسوم إذا أحالت الحكومة مشروع الموازنة قبل 15 يوماً من بدء العقد العادي للمجلس النيابي، ولم تعد هناك إمكانية لتوفير هذا الشرط، ولا سيما أن التوقّعات تفيد بأن بند المحكمة الدولية سيستغرق نقاشاً طويلاً ما لم تظهر ملامح تسوية سياسية لملف المحكمة برمّته.

أصرّ الحريري على وقف تسريب محاضر الجلسات وهو ما التزم به معظم الوزراء

والمعروف أن بند تمويل المحكمة الدولية عرقل أيضاً مسار عمل لجنة المال والموازنة النيابية، الذي كان قد صُمّم لإنجاز المناقشات في شأن مشروع موازنة عام 2010 قبل نهاية هذا الشهر، إلا أن ذلك بات مستبعداً أيضاً، علماً بأن استحالة إقرار مشروع موازنة هذا العام في المجلس النيابي كما إمرار مشروع موازنة العام المقبل في مجلس الوزراء، لا يتوقّفان فقط على البند المذكور، إذ إن قضية قطع حسابات السنوات الماضية لا تقلّ أهمية، لكونها تتصل أيضاً بمخالفات دستورية وقانونية يتحمّل رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة المسؤولية المباشرة عنها، وتمثّل مدخلاً إلى مساءلته... وكانت قد جرت محاولات في مجلس الوزراء لإمرار مشروع قانون يرمي إلى إعفاء الحكومة من موجب وضع هذه الحسابات عبر أكثرية النصف زائداً واحداً، وذلك لحماية السنيورة من هذه المساءلة، وهو ما أقرّ به الرئيس الحريري في جلسة سابقة عندما أعلن أمام الوزراء أنه لن يسلّم المستند الذي يثبت وجود المخالفات. إلا أن وزراء المعارضة السابقة عرقلوا إقرار هذا المشروع حتى الآن، وهم تسلّحوا الآن بدراسة وضعها رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان تبيّن بما لا يتيح مجالاً للشك أن إقرار مشروع قانون قطع حساب الموازنة العامة والموازنات الملحقة في مجلس الوزراء يستوجب التوافق أساساً، وإلا فأكثرية ثلثي أعضاء الحكومة المحدد في مرسوم تأليفها.
وتستند دراسة كنعان إلى الفقرة 5 من المادة 65 من الدستور، التي تنص على أن «مجلس الوزراء يتخذ قراراته توافقياً، فإذا تعذر ذلك فبالتصويت، ويتخذ قراراته بأكثرية الحضور. أما المواضيع الأساسية فإنها تحتاج إلى موافقة ثلثي عدد أعضاء الحكومة المحدد في مرسوم تشكيلها. وتُعتبر الموازنة من المواضيع الأساسية».
وبحسب دراسة كنعان، فإنّ عبارة «الموازنة العامة للدولة» لم تُحدد بدقة، ما يستوجب الاستدلال على هذا المفهوم في النصوص الدستورية والقانونية والنظامية من جهة، وفي الظروف التي أحاطت بالتعديل الدستوري الذي أدى إلى وضع المادة 65 من الدستور من جهة ثانية. فالمادة 87 من الدستور ربطت نشر كل موازنة بإقرار حسابات مالية نهائية عائدة لسنة سابقة، أي لموازنة سنة سابقة. أما النظام الداخلي لمجلس النواب فقد جاء أكثر تحديداً عندما نصت المادة 118 منه، التي تحدد أولويات التصديق بالنسبة إلى قوانين الموازنة، على أن «المجلس يصدّق أولاً على قانون قطع الحساب ثم على موازنة النفقات ثم قانون الموازنة، وفي النهاية على موازنة الواردات»، وحددت المادة الخامسة من قانون المحاسبة العمومية قانون الموازنة بأنه «يحتوي على أحكام أساسية تقضي بتقدير النفقات والواردات، وإجازة الجباية، وفتح الاعتمادات اللازمة للإنفاق (إجازة الإنفاق)، وعلى أحكام خاصة تقتصر على ما له علاقة مباشرة بتنفيذ الموازنة... فضلاً عن قانون قطع حساب الموازنة أو القانون الذي بموجبه تُصدّق الحسابات المالية النهائية وفقاً لأحكام المادة 87 من الدستور».
وتشير دراسة كنعان إلى أن المادة 197 من قانون المحاسبة العمومية أوجبت «على الحكومة أن تحيل مشروع قانون قطع حساب الموازنة على مجلس النواب قبل أول تشرين الثاني من السنة التالية لسنة الموازنة، أي في التاريخ المحدد ذاته لتقديم مشروع الموازنة إلى مجلس النواب بموجب المادة 83 من الدستور».
وتخلص دراسة النائب كنعان إلى أن النصوص الدستورية والقانونية والنظامية بيّنت التلازم الوثيق بين قانون الموازنة كإجازة للجباية والإنفاق وتحديد الواردات والاعتمادات، وقانون قطع حساب الموازنة كتعبير عن الحسابات المالية النهائية، حيث يتبلور مدى تقيّد الحكومة بإجازتي الجباية والإنفاق. هذا التلازم الذي يبدو جلياً في تقديم مشروعي القانونين إلى المجلس النيابي في التاريخ ذاته، كما يبدو جلياً في كون إقرار أحدهما شرطاً لازماً لإقرار الآخر ونشره، وبالتالي فإن المقصود بعبارة «الموازنة العامة للدولة» الواردة في الفقرة 5 من المادة 65 من الدستور هو كل ما يتعلق بالموازنة العامة، بما في ذلك إبراء ذمة الحكومة عن تنفيذها للموازنة والتزامها بإجازتي الجباية والإنفاق، أي مشروع قانون قطع حساب الموازنة العامة والموازنات الملحقة.
(الأخبار)

Script executed in 0.20197200775146