أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

مياه لبنان بين الانقطاع وتلوث الصهاريج والشركات غير المرخصة: أمراض وجراثيم تفتك بالمواطنين.. وتداخل الصلاحيات يعيق الحلّ

الأربعاء 29 أيلول , 2010 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,018 زائر

مياه لبنان بين الانقطاع وتلوث الصهاريج والشركات غير المرخصة: أمراض وجراثيم تفتك بالمواطنين.. وتداخل الصلاحيات يعيق الحلّ

فقد أصبح مشهد الصهاريج التي تنقل المياه في شوارع المدن والقرى على حد سواء، مشهدا عاديا، فيما يتكاثر كالفطر عدد شركات تعبئة المياه في الأحياء، حتى وصلت إلى درجة أنه بإمكان أي صاحب بئر ارتوازي القول إنه يكرر مياه بئره، لبيعها لاحقا إلى الأهالي.
تعلم وزارة الصحة بوجود ما يقارب ألف شركة في لبنان تبيع مياها تزعم أنها صالحة للشرب، ولا تملك تراخيص من الوزارة. ويمكن أن تكون تلك المياه من الآبار الارتوازية، أو مختلطة بمياه المجاري الصحية، أو بمواد كيميائية.
وبما أنها غير مرخصّة، فإن أصحابها يكررون المياه ويبيعونها على هواهم، من دون وجود رقابة من أي نوع.
ويسري الأمر ذاته على مياه الشرب التي تصل إلى المنازل بإدارة مصالح المياه الرسمية، لأن وزارة الصحة تفحص المياه عند مصدرها فقط، أي الينابيع التي يجري توزيعها منه، من دون رصد ما يحلّ بها في مسارها.
ويؤكّد رئيس مصلحة الهندسة الصحية في الوزارة المهندس فريد كرم أن «المياه الرسمية» صالحة للشرب، ملمحا إلى إمكانية وجود بعض الشبكات التي تعاني الاهتراء، فتتلوث المياه وتصل إلى خزانات المواطنين ملوثة.
وهناك سبب آخر للتلوث في موسم الشح، ناجم عن انقطاع المياه، إذ يضطر المواطنون لشراء المياه بواسطة الصهاريج لتعبئة خزاناتهم، فتختلط «مياه الدولة» بمياه الصهاريج وتصبح غير صالحة للشرب.
مواصفات المياه لجمهورية غير لبنان
يدرك المهندس فريد كرم، وهو المسؤول عن فحص المياه، التأثيرات الصحية للتلوث، شارحا أنّه يسبب أمراضا مثل والتيفوئيد والديزانطاريا وجرثومة السالمونيلا.
ويقدر كرم عدد المحال وشركات المياه غير المرخصة في لبنان بين الخمسمئة والألف. أما المدير العام لمديرية حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد فؤاد فليفل فيقدر أن العدد يتراوح بين سبعمئة وتسعمئة.
وكانت المديرية قد أعدت في العام 2004 تقريرا عن نتائج فحص المياه في لبنان، بيّن أن نسبة ثمانين في المئة من اللبنانيين يلجأون إلى قطاع المياه المكررة المعبأة التي تعمل ضمن حال كبيرة من الفوضى، من دون تراخيص، ومن دون مواصفات تضمن السلامة.
ومن المعروف أن معظم المستهلكين يلجأون للشركات التي تقدم أسعارا تنافسية، وإن تم ذلك على حساب نوعية المياه، علما أن الشركات تلجأ إلى خدعة تزين واجهات محالها بشهادات ترخيص من وزارة الصحة. إلا أن كرم ينفي صحة تلك الشهادات، موضحا أن الترخيص يخضع فقط للمرسوم الاشتراعي الرقم 108 الذي ينظم استثمار المياه والمرطبات المعبأة في أوعية، وبموجبه، يبلغ عدد الشركات المرخصة خمسا وعشرين شركة فقط.
ويمكن أن تشكل إعادة التذكير بالشروط التي وضعت في المرسوم بالفارق الشاسع بين المياه التي يشتريها المواطنون عمليا، وبين الشروط الواردة في المرسوم، إذ تبدو الشروط كأنها لجمهورية أخرى غير الجمهورية اللبنانية.
تلوث «المياه الرديفة»
تقول الطبيبة المختصة بالأمراض الجرثومية غنوة دقدوقي لـ«السفير» إن تلوث المياه يسبب العديد من الالتهابات الناتجة من تكاثر البكتيريا أو الجراثيم، وخاصة لدى اختلاط مياه الشفة بمياه المجاري الصحية.
ومن تلك الأمراض التهابات الكبد الوبائية وهي ناتجة حصرا من شرب مياه ملوثة، وجرثومة السالمونيلا، والروتا فايروس الذي يسبب الإسهال والجفاف، والتهابات في الأمعاء. وقد انتشر بكثرة الصيف الفائت، لا سيما بين الأطفال. وكانت تقارير عدد من المستشفيات قد أكّدت اتساع انتشار مرض الروتا فايروس في البلاد خلال الصيف، بالإضافة إلى الأمراض التي تسببها كميات النترات الزائدة في المياه، والناتجة من كثرة استخدام الأسمدة الكيميائية المشبعة بمادة الآزوت، وتسربها إلى المياه الجوفية.
أما انقطاع المياه فيؤدي تلقائيا إلى تراجع مستوى النظافة، وخاصة في الأحياء المكتظّة. وتوضح دقدوقي أن عدم توافر المياه تسبب بظهور أمراض جلدية، مثل الحكة، لكنها لم تصل إلى مستوى الظاهرة، بل بقيت حالات فردية معزولة.
من جهته، يقول طبيب الأمراض الجرثومية تحسين محفوظ الذي عمل في مستشفيات في كل من الضاحية والجنوب، إن بعض أطباء الجلد من معارفه، استقبلوا مرضى مصابين بخرّاجات تحت الجلد، ولكن عددهم قليل، كما استقبلوا عددا قليلا من العائلات المصابة بالحكاك الجلدي.
أما تلوث المياه بالمعنى الوبائي، فهو لم يحصل في السنوات الثلاث الماضية.
وللتذكير، يبلغ ثمن تعبئة خمسة براميل مياه سبعة آلاف وخمسمئة ليرة. وبما أن الحرارة تستدعي استهلاك كميات زائدة من المياه، تحتاج العائلة إلى عشرة براميل أسبوعيا على الأقل، ويترتب عليها بالتالي دفع ما يقارب الستين ألف ليرة فقط ثمن مياه رديفة كل أربعة أسابيع.
نتائج الفحوصات تبقى ملكا لوزارة الصحة
يعتبر مختبر الجامعة الأميركية في بيروت، المختبر الوحيد في لبنان الذي يستند إلى معايير دولية لفحص المياه، صادرة عن نظام شهادات الجودة العالمية «آيزو».
وبحسب نتائج الفحوصات في المختبر، تعتبر المياه الرسمية صالحة للشرب، لكن ما يلوثها هو خلط مياه الشرب بالمياه المعبأة بواسطة الصهاريج.
ولا يصدر المختبر أي نتائج لفحص المياه المعبأة التي تطلبها وزارة الصحة لأنها تبقى ملكا للوزارة، وهي المسؤولة عن الإعلان عن نتائجها.
ويقول أحد الموظفين في المختبر إن عددا كبيرا من أصحاب شركات المياه المعبأة يجري فحوصات مخبرية لمياهه في المختبرات الطبية العادية، مع العلم أنها غير مؤهلّة لإجرائها، وبالتالي فإن النتائج الصادرة عنها غير علمية.
ويؤكد مدير برنامج الجودة في وزارة الاقتصاد علي برو أن البرنامج الممول من الاتحاد الأوروبي ساهم في دعم ستة عشر مختبرا في لبنان، ضمن أحدث الطرق العالمية، وقام خبراء من مؤسسة بريطانية للصحة العامة بتدريب سبعين مراقبا من وزارة الصحة، وعشرة مراقبين من مديرية حماية المستهلك.
ويقول إن مشكلة المياه المعبأة هي مشكلة مستقلة لأنها تحتاج إلى ترخيص، أما عملية متابعة عمل المراقبين فهي من اختصاص وزارة الصحة، وليس برنامج الجودة. لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن تطوير البنى التحتية لسلامة المياه والمواد الغذائية في لبنان يجب أن يتحّول إلى عملية مستمرة، وألا تقتصر على التدريب.
تعدد الجهات المعنية بمراقبة المياه
يؤكد فريد كرم الذي يتولى الترخيص لشركات المياه أن وزارة الصحة تملك صلاحية مراقبة شركات المياه، لكنها لا تملك صلاحية إقفالها، بل مجرد إبلاغ النيابة العامة التي تتحرك.
يضيف أن الوزارة أبلغت النيابة العامة التمييزية بمشكلة المياه المعبأة خلال فترة تولي القاضي عدنان عضوم منصب مدعي عام التمييز، ثم أرسلت بلاغات إلى كل من مدعي عام التمييز الحالي سعيد ميرزا، والقاضية ربيعة عماش، لكنه لا يعرف ما هي الإجراءات التي تتخذها النيابة العامة، مشيرا إلى أنه عندما يحال الموضوع إلى القضاء لا يعود للوزارة علاقة به، «لأن السلطة التنفيذية لا تتدخل في عمل السلطة القضائية في لبنان».
ويشير إلى إقفال عدد من المحال في السابق، لكن ما حصل هو انتقال أصحابها إلى أماكن أخرى، وإعادة فتح محال من جديد: العملية غير مكلفة، استئجار محل مع عدة بسيطة.
وتتمثل آلية الرقابة لدى الوزارة، بوجود طبيب صحة عامة في كل قضاء، يسمى طبيب القضاء، ويقيم عادة في السرايا الحكومية، فيما يعمل عدد من المراقبين الصحيين تحت إشرافه، ويتبعون له إداريا وليس للوزارة، مع العلم أنها هي التي توظفهم.
في المقابل، لا تملك الوزارة العدد الكافي من المراقبين، إذ يوضح كرم أنها تعاقدت مع ثلاثة وأربعين مراقبا جديدا، أضيفوا إلى تسعين مراقبا يحالون إلى التقاعد تباعا، وهناك أقضية ليس فيها مراقبون أصلا، مثل أقضية مرجعيون وراشيا وجزين، مع إشارته إلى نقص عدد المراقبين في الجنوب عامة.
وكما هي عملية توزيع المهام المتداخلة والمختلطة في جميع الوزارات تقريبا، يتولى مراقبو وزارة الصحة عملية مراقبة المواد الغذائية والمياه. كما يتولى مراقبو وزارة الزراعية مراقبة مواد غذائية، ومراقبو وزارة الصناعية أيضا مواد غذائية ولكن المصنعة في المعامل، فيما يتولى مراقبو مديرية حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد متابعة المواد الغذائية المنتهية الصلاحية، فتكون النتيجة ضياع الرقابات، حتى لو حصلت فعليا.
ينهي كرم حديثه بتعبيره عن مشاعر اليأس، لكنه لا يرى أن المخاطر الناتجة من تلوث المياه والغذاء، هي في المستوى الذي يتم تصويرها فيه، ويعتبر أن الحل يكمن في إعطاء البلديات صلاحية مراقبة المياه والمواد الغذائية، كل في مدينته ومنطقته، لأن «لا أحد أكثر حرصا من البلدية على صحة المواطنين».

Script executed in 0.18282699584961