أعاد نواب الأكثرية فتح بند قانون برنامج تمويل المحكمة الدولية، وهم يعرفون قبل خوض المعركة أمس، أنّ النقاش في لجنة المال والموازنة غير حاسم لأن الهيئة العامة هي وحدها المكلفة بتّ هذا الملف. دخل الأكثريون إلى جلسة أمس وهم يحملون كلمات تأنيب الرئيس سعد الحريري لهم بسبب انسحابهم من جلسة 16 أيلول الجاري. ووفقاً لما اتّفق عليه كل الأطراف في اتصالات أول من أمس، قرأ رئيس اللجنة، النائب إبراهيم كنعان، قسماً من محضر تلك الجلسة، وما إن انتهى من تلاوة ما جرى تدوينه، حتى انهالت مداخلات الأكثريين المعترضين على ما حصل. فكان النائب أحمد فتفت رأس حربة المعركة، إذ قدّم مداخلات عدة عن المادة 43 من النظام الداخلي وعدم شرعية التصويت. وأمام هجوم فتفت، طالب نواب أكثريون بالمضي في الصيغة التوافقية لبتّ بند تمويل المحكمة، رغم أنهم وفتفت اقترحوا الاحتكام إلى التصويت في جلسة 16 أيلول. فاستندت مداخلة نواب 14 آذار إلى ما تضمّنته المادة المذكورة بأنه عند مناقشة موازنة أي وزارة، تدعى إلى جلسة المناقشة اللجنة النيابية المعنية بحيث يحق لأعضاء هذه اللجنة المشاركة في النقاش وتقديم الاقتراحات والتصويت. ولأن الأعضاء يحقّ لهم التصويت، رأى نواب 14 آذار أنّ أعضاء اللجنة يدخلون في النصاب القانوني للجلسة، رغم أنّ نص المادة لم يذكر أن هؤلاء يُعدّون جزءاً من النصاب.
حاول كنعان طيلة هذه النقاشات التأكيد أنّ المسألة هي بيد الهيئة العامة، وأنّ البت لم يحصل أصلاً في الجلسة الماضية، لكن فتفت عاد وأصر على أن ما حصل غير قانوني، مشدداً على: «بلا هذا البند، لا نريد الموازنة». وبعدما أطال الأكثريون الكلام، اختار النائب علي عمار مواجهة فتفت، فعبّر عن ملله من طروحات الأكثريين وأساليبهم، وتوجه إلى فتفت بالقول: «لنوقف الدجل بعضنا على بعض. تهدّدون البلد عبر الدفاع عن المحكمة الإسرائيلية». فرد فتفت على عمار: «هذا الكلام يصبّ في مصلحة إسرائيل»، فعاد عمّار ورفع السقف بقوله: «أنت الإسرائيلي وأنت الجاسوس، استبددتم بالحكم وأخذتم البلد إلى المهوار، أتيتم بحرب تموز وخلّفتم الدمار والمجازر والشهداء».
فتح ردّ عمار الجلسة على أبواب التفجير، واستمرّت البلبلة داخل القاعة إلى أن تدخّل النائب علي حسن خليل وطلب تغليب النقاش الهادئ على التوتر وشطب كل ما جرى تناقله قبل دقائق من المحضر. وأصرّ خليل على التباين الموجود بشأن قضايا عدة، داعياً إلى الالتزام بالتعبير عن الاختلاف الموجود. كما عمل عدد من النواب على التهدئة لتعود الأمور وتسكن مع طلب فتفت وزملائه استراحة للتشاور ومرجعياتهم، فمنح كنعان نواب 14 آذار نصف ساعة للتشاور.
وعند عودتهم، ووجه الأكثريون بالكثير من التهكّم الأقلوي، بما فيه تأكيد هؤلاء أنّ مرجعياتهم تثق بهم. أمّا فتفت وزملاؤه، فعادوا بهدوء وحاولوا فتح النقاش من جديد، لكن رئيس اللجنة أصرّ على أنّ طرح الملف لن يجدي نفعاً وأنّ استمرار النقاش فيه يلغي الموضوع المطروح على جدول أعمال الجلسة، وهو مناقشة موازنة وزارة العمل. احتوى كنعان الهجمة الأكثرية ولم يقفل الأبواب أمام نوابها، فأشار إلى أنّ أي اعتراض في الشكل على المحضر يجب أن يوجه إلى هيئة مكتب المجلس. وأضاف كنعان إنه وجّه كتاباً إلى الأمانة العامة لمجلس النواب، «وسوف أوجّه كتاباً إلى هيئة مكتب المجلس لاختياري رئيس لجنة، بما كان معتمداً في السابق في مسائل تتعلق بالنصاب والتصويت الى ما هنالك في لجنة المال والموازنة». كما وزّع كنعان دراسة فسّر فيها «أوجه الاختلاف ما بين الهيئة العامة واللجان»، شرح فيها الكثير من الالتباسات القانونية التي وقع فيها نواب الأكثرية في ما يتعلّق بالنصاب والسرية والعلنية والمحاضر والتحضير والتقرير. وتوافق الحاضرون بالإجماع على حذف كل الكلام المسيء الذي ذُكر خلال الاجتماع، أكان من جانب عمار أم فتفت.
وبرغم النقاش العقيم الذي حاول نواب الأكثرية افتعاله أمس، يمكن القول إنّ كنعان استطاع تجاوز عقبة تمويل المحكمة بالاحتكام إلى الأصول القانونية والهيئة العامة، فيما يُعتبر مشروع الموازنة الذي أعدّه سالكاً تجاه تلك الهيئة.
وبعد الانتهاء من إثارة ملف تمويل المحكمة، عادت اللجنة وناقشت موازنة وزارة العمل. وصرّح كنعان بعد الجلسة بأنّ النقاش تناول «دور الضمان الاجتماعي والمتأخرات المتوجّبة لصندوق الضمان وموازنة 2011 وما ستتضمنه».
أما فتفت، فأكد بعد خروجه من الجلسة أنّ «تمويل المحكمة ذات الطابع الدولي والقرار النهائي فيه وبتّه هو من اختصاص وحق الهيئة العامة للمجلس». وجاء موقف فتفت المتجانس مع ما أعلنه كنعان مختلفاً تماماً عما فعله في الجلسة، ليعود ويشدد في كلمة للصحافيين على عدم قانونية الجزء الأخير من جلسة 16 أيلول الماضي، مؤكداً رفض فريقه لمحضر تلك الجلسة. وعن التلاسن الذي حصل بينه وبين النائب عمار، قال فتفت: «أستغرب أنكم سمعتم بهذا السجال لأنه بناءً على طلب من كل أعضاء اللجنة، سُحب هذا الكلام، أي كلام النائب عمار، ونحن نرى أن هذا الكلام تخويني وفتنوي ويخدم الإسرائيلي، ولا أريد التعليق أكثر، لأن هذا الكلام سحب من محضر الجلسة».
وقال النائب غازي يوسف: «وافقنا على موازنة وزارة العمل التي بلغت نحو 359 مليار ليرة لبنانية، من ضمنها نحو 354 ملياراً دفعات للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وهذا يعني أن الحكومة قررت دفع هذا الدين واعترفت به وتقسّطه لصندوق الضمان». وتابع يوسف قائلاً: «أردت إثارة هذا الموضوع لأربط بين ما يحصل اليوم من خلال هذه الوزارة ودفع مستحقات صندوق الضمان، وبين ما يقوم به الوزير شربل نحاس الذي يعتبر نفسه المرجع المالي الصالح في هذا البلد ويقرر ماذا نفعل بالدين العام». وفتح يوسف النار على نحّاس ومؤتمره الصحافي الأخير، مشيراً إلى أن «لدينا حساباً مع هذا الوزير». واستوجب موقف يوسف رداً من النائب عباس هاشم الذي قال: «لن ننسى تلك الدرع التي قدّمها غازي يوسف إلى (جون) بولتون وأطلق عليها اسم درع الأرز، في الوقت الذي كان فيه ذاك البولتوني يساهم في إحراق كل خشب الأرز في لبنان».
عون: كلّهم لصوص
على صعيد آخر، رأى رئيس تكتل التغيير والإصلاح، العماد ميشال عون، أمس، أن «السلطات هي من اخترعت شهود الزور»، متسائلاً «إذا كانت الحكومة ومن عملوا بالتحقيق أبرياء من شهود الزور، فلماذا لا يحاكمون؟»، مؤكداً «أننا نريد أن نعرف الحقيقة، ومن الضروري أن نعرف من فبرك شهود الزور، وبعدها نصل الى الجريمة الأساسية بشكل طبيعي».
ووصف عون وزارة المال بـ«مغارة علي بابا»، مشيراً إلى أنّ رفض قطع حسابات الموازنة «أكبر فضيحة تاريخية. صرفوا الأموال ولا يريدون أن يبرّروا أين صرفوها ومن عمل فيها بالانتخابات وبنى عقارات». وأعاد عون فتح ملف فرع المعلومات، حيث «يتمّ التعاقد مع الناس ثم يجري إدخالهم بطريقة غير شرعية»، مشيراً إلى أنّ هذا الفرع تأسس عام 2005 «ولم نكن حينها في الحكم». وتناول أداء الوزير زياد بارود منذ 2008 فقال: «ذهبنا الى الرئيس ميشال سليمان وقلنا له يبدو أن وزيرك لا يريد أن يجادل رئيس الحكومة، فلا تشكيلات حصلت، ولا مجلس قيادة للدرك... فقامت القيامة علينا». وأشار عون إلى مجموعة من المخالفات الموجودة في مديريات وزارة الداخلية، إضافة إلى تسريب المعلومات عن التحقيق مع العميد فايز كرم.
وتساءل عون: «من هو وسام الحسن؟ ومن هو معلّمه في لبنان؟ لديّ تاريخي وليس كل واحد لديه الحق بالتطاول علينا»، مضيفاً «فليحقق كما يريد، لكن عليه ألّا يسرّب التحقيق». وأضاف: «ليس كل من يلعب بالتوتر العالي يبقى حياً... فلا وسام الحسن ولا معلمه يستطيع أن يتكلم علينا. رفيق الحريري بقي 15 سنة يحقق ولم يجد شيئاً، ووضع لي ملفاً فارغاً ولم يعيدوا لي الأموال التي صادروها. فكلّهم لصوص، وخاصة فؤاد السنيورة».
المستقبل: محكمة واستقرار
إلى ذلك، عقدت كتلة المستقبل اجتماعها الأسبوعي أمس برئاسة الرئيس سعد الحريري، وفي غياب الرئيس فؤاد السنيورة. ورأت الكتلة في بيان صدر عنها «أن تصاعد الحملة على المحكمة الدولية يتعارض مع كون المحكمة باتت واقعاً يستحيل تجاهله». وكرّرت الكتلة تمسّكها بخيار «المحكمة والاستقرار معاً في مواجهة كل التهديدات»، وأكدت «أنها ستبقى على موقفها الرافض للفتنة والانقسام، والداعي إلى معالجة كل الأمور بمسؤولية تعزيزاً للوحدة الوطنية».
وفي سياق متّصل، أكد السفير الفرنسي دوني بييتون أن مسألة إيقاف المحكمة الخاصة بلبنان غير مطروحة، مشيراً الى أن الرئيس الحريري «يعي مسؤولياته كاملة، وهمّه المحافظة على استقرار لبنان». ورأى بييتون أن سوريا «شريك أساسي للبنان من دون أن يتعارض ذلك في أي شكل من الأشكال مع استقلال لبنان وسيادته الضروريين»، مشدداً على أن «معادلة س ــ س مهمة، لكنها لا تكفي».