إنّه خليل محيي الدين الميس، وهو اليوم مفتي زحلة والبقاع، وللحديث عن إدارته للعباد والعلماء صلة لاحقة إذا اقتضى الأمر.
خلال احتفال في السفارة الإيرانية، قال الشيخ الميس إن الخميني ثورة السماء على الأرض، وهو أتى ليجدد هذا الدين. وفي إحياء ذكرى المفتي حسن خالد، يقول الميس إن الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله مشروع فتنة مذهبية (يمكن مشاهدة الكلمات على موقع youtube.com).
لكن ما لا يحتمل عقلاً ولا ديناً ولا سياسة، هو ما قاله خلال الانسحاب السوري من لبنان من «أن السماء تبكي على رحيل الجيش السوري». وخلال الوجود السوري في لبنان، كانت تربط المفتي الميس علاقة باللواء غازي كنعان، وكان بخطبه يشيد بسوريا. وفي أحد الاحتفالات التي أجراها حزب البعث في بلدة السلطان يعقوب التحتا عام 2004، وصف الرئيسَ الراحل حافظ الأسد بالنبي، إذ قال: «هناك ثلاث حركات تصحيحية عبر التاريخ: الأولى قادها النبي عيسى، والثانية قادها النبي محمد، والثالثة قادها الرئيس حافظ الأسد، ولو كان هناك نبي بعد محمد لكان حافظ الأسد».
المفتي الميس، الذي يشاع عنه أنه سلفي الهوى، يحدثك حين تجالسه بما في نفسه بعفوية أبناء البقاع. لكن في اليوم التالي، بعد أن تنشر ما يقوله، قد يصدر نفياً لما قاله لك، وحتى بلقائه بك.
هو رجل سياسة لبناني بامتياز، وحين استقبل الرئيس الأسبق أمين الجميّل في 19 أيلول الجاري، عقد معه خلوة لمدة عشر دقائق قبل أن ينتقلا معاً إلى قاعة الأزهر، حيث تحدث الميس مؤكداً أنه «ليس من قبيل المصادفة، لكنها الموافقة، عندما كان الاسمان في البيت ينتميان إلى رسول الله، محمد الأمين ومحمد البشير، وهذا الشعور في التاريخ يعني الانتماء إلى الأمة، الأب الذي رعى الحزب ليرعى الوطن، وكأني به بمن نشأ على يديه من ذرية أراد أن يقربها إلى الوطن، فكان هذان الاسمان، البشير ليبشر، والأمين ليؤتمن على الوطن. وقدركم أن تكونوا مؤتمنين ودفعتم مع غيركم ثمن هذا الائتمان».
أن يتحدث رجل سياسة عن آل الجميّل بهذه العبارات، يكون مجانباً للصواب، ويعبّر عن وجهة نظر متطرفة. أما أن يعبّر عالم دين عن موقف مشابه تجاه آل الجميّل، فذلك ما يدعو إلى الدهشة، بغضّ النظر عن انتماء رجل الدين، أي دين. فيكفي أن يذكر المرء تاريخ آل الجميّل الذي تخلّله القتل وسفك الدماء وتشريد المواطنين، وقيادة البلاد نحو الخراب، وأن يتذكر أن والد أمين هو الشيخ بيار صاحب حرب السنتين وما تلاهما، وشقيقه بشير الذي يحمل صفات النبي بحسب الميس، هو صاحب معارك لا تنتهي ومجازر لا تُعَدّ ولا تحصى، وقد أنهى حياته رئيساً للبلاد على ظهر الدبابات الإسرائيلية. أمّا أمين الجميّل، فهو الذي أوصل لبنان إلى الانهيار الاقتصادي، وأتى بقوات مشاة البحرية الأميركية لتقصف القرى والمدن اللبنانية في الجبل والضاحية، ثم ذهب إلى سوريا في اليوم الأخير من ولايته ليضع نفسه بخدمة الرئيس السوري حينها حافظ الأسد مقابل التجديد لحكمه ستة أعوام أخرى. وهو أمين الجميّل الذي عقد اتفاق السابع عشر من أيار مع العدو الإسرائيلي، قبل إسقاط الاتفاق بفضل حرب الجبل وانتفاضة الضاحية الجنوبية وبيروت وعمليات جبهة المقاومة. ثم يعطيه عالم دين (إلى أي مذهب انتمى) صفة من صفات الأنبياء، فتلك من علامات قيام الساعة.
هل فكّر المفتي الميس فيمَ سيكون عليه موقف إخوته من السلفيين الجهاديين والسلفيين الدعاة أو المدرسيين من موقفه هذا من آل الجميّل؟ وهل سمع من أبناء مجدل عنجر وقب الياس ومكسه وغيرها رأيهم في الرئيس الأسبق للجمهورية، وخاصة أن المفتي يعطي تصاريح أئمة متجولين لبعض مسؤولي السلفية ومشايخهم؟
في دار الفتوى العديد ممن يتبرمون من الحديث الذي حصل في التاسع عشر من أيلول في البقاع، وهم يرون أن في ما قاله المفتي مجانبة للواقع. والكل يعلم أنه لا مجال لمقارنة أحد بنبي الإسلام، وأن محاولة التشبيه بين آل الجميّل ونبي الإسلام غير جائزة، أضف إلى أنها تُظهر كمّ الادعاء والتزلف للشخص الزائر، وعلى نحو مفضوح، ويشيرون إلى أنه ليس كل علماء الدين بعيدين عن التوظيف.
قبل أحداث أيار 2007، أعطى مفتي البقاع قاعات الأزهر وبعض مبانيه لتيار المستقبل، فاستُعملت للإقامة والتدريب لعناصر الشركة الأمنية. وكان يعطيهم دروساً دينية عن الشيعة، وطبعاً كانت تلك الدروس عمليات تحريض منظمة. وكان يقول لمن يسائله: «ما المشكلة؟ فالشيعة يكدسون أسلحتهم في المساجد والحسينيات». ورغم أنه من دعاة تسلح السنّة، بغض النظر عن وظيفة هذا السلاح، إلا أن ذلك لم يمنعه من زيارة مقر حزب الاتحاد منذ أيام والإشادة بالحركة الناصرية والحزب وقائده عبد الرحيم مراد، الذي يعود ويصفه في لقاءات جانبية بأنه «شيعي»، نظراً لتحالف مراد الدائم مع سوريا.
لكن المفتي الميس الذي حرّض على مفتي سوريا أحمد حسون، واصفاً إياه بأنه ليس مسلماً، طلب وساطة حسون منذ أسابيع لفتح قناة له في سوريا لإعادة العلاقات مع دمشق. ورغم ذلك، لا يزال الميس يسأل: «لماذا غيرنا مسموح له أن يحمل السلاح، ونحن غير مسموح لنا؟».
مولانا، اخلع عمامتك وافعل ما شئت.