تزامناً مع انتقال الأفرقاء اللبنانيين إلى الدوحة، وقبيل خروج الدخان الأبيض مبشراً بالاتفاق على مبايعة قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، سارع أحد أفراد عائلة سليمان إلى إجراء ثلاث عمليات تجميل، دفعة واحدة وبسرعة كبيرة، كلّفت أضعاف تكلفة العمليات المماثلة في ظروف عادية. رغم ذلك، لم تكن نتيجة الجراحات باهرة، إلا أن الأهم تحقق: ازدادت ثقة القريب من الرئيس بالنفس. بدوره، غالباً، ما يتّكل سليمان منذ وصوله إلى بعبدا على عمليات التجميل في إخراج مواقفه السياسية. نادراً ما تكون النتيجة باهرة، إلا أن بعض المعطيات تؤكد أن الأهم أن ثقة الرئيس بالنفس ازدادت.
بعبدا التي غالباً ما تُجمل كل ما يمسّ التوافق ليغدو أكثر توافقياً، جازمة بأن هناك ثابتتين بالنسبة إلى الرئيس ميشال سليمان: أولاً، الحفاظ على المحكمة الدولية، وثانياً، ضبط سلطة المحكمة الإجرائية.
في الثابتة الأولى، يذكر أحد المقرّبين جداً من سليمان أنه لا أحد من الأفرقاء السياسيين الأساسيين قال علانية أو طلب سراً إلغاء المحكمة الدولية. وتتّكل مصادر الرئاسة الأولى على العناوين التي اتفقت طاولة الحوار عليها، لتؤكد «الإجماع على المحكمة»، في ظل تداول بعض الأوساط السياسية معلومات غير موثقة عن تعهد سليمان، عشية انتخابه رئيساً، بأمر واحد للرئيس سعد الحريري والسيدة نازك الحريري، هو حماية المحكمة الدولية. وبالتالي، تدير الرئاسة الأولى الأذن الطرشاء لما يهمس به من رغبة مشتركة بين سوريا وحزب الله لإلغاء المحكمة الدولية، ويلتزم الرئيس بتعهده لآل الحريري بشأن الحفاظ على المحكمة.
يرضي الرئيس إذاً في ثابتته الأولى تيار المستقبل، ويلتزم بتعهده قبل أن يحاول إرضاء حزب الله وحلفائه (النائب وليد جنبلاط ضمناً) في الثابتة الثانية، فيحاول الاستفادة من وجود الوزير السابق ناجي البستاني بقربه للتوصل إلى مخرج قانوني يوفر الحماية للمقاومة التي سبق للرئيس أن تعهد بالدفاع عنها برموش عينيه (وهو مستعد لتكرار تعهده بهذا الشأن إذا برزت ضرورة لذلك اليوم). ويشرح المصدر القريب من سليمان أن ضرب صدقية المحكمة كما تفعل المعارضة السابقة اليوم أمر ممكن، لكن إلغاء المحكمة، حتى إذا وافق سعد الحريري على ذلك، هو أمر مستحيل. أما الممكن فهو إيجاد ضوابط جدية لسلطة المحكمة الإجرائية لحماية العدالة وقطع طريق الفتنة. وبلغة قانونية، يمكن القول إن قواعد الإجراءات والأدلة والإثبات الخاصة بالمحكمة قابلة للتعديل (في المحكمة الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة عدّلت هذه القواعد أكثر من عشرين مرة، وقواعد المحكمة الخاصة بلبنان عدّلت مرتين)، ويمكن الاتفاق على مجموعة تفاهمات لبنانية ـــــ لبنانية لضبط سلطة المحكمة الإجرائية، مع العلم بأن من يعدل قواعد المحكمة هم قضاتها (ندوة القضاة)، ومن بينهم أربعة لبنانيين، حيث يكفي أن يقترح أحد هؤلاء القضاة إجراء هذه التعديلات. وتشير المعلومات المتوافرة من بعبدا إلى أن ملف شهود الزور أساسي في إثبات أن الكذب كما الصدق لا يتجزآن، لكن السير في ملف شهود الزور لا يوصل أبداً إلى إلغاء المحكمة الدولية، ومحاكمة شهود الزور لن تلغي المشكلة، فضلاً عن استحالة إثبات أن فلان يقف خلف فلان، وذلك السياسي فبرك هذا الشاهد. وبالتالي المطلوب، إضافة إلى متابعة قضية شهود الزور، وضع خطة متكاملة للانتهاء من المشكلة لا تأجيلها أو التلهّي ببعض فخاخها.
إذاً، في خضم السجالات والتباعد والتهديد والوعيد، ما زال سليمان مؤمناً بعمليات التجميل، تجميل المحكمة الدولية وتجميل القرار الظني وتجميل الخلاف السوري ـــــ السعودي. المطّلعون من أهل القصر ينعمون بثقة فائضة بالنفس، ويؤكدون أن خطاب سليمان قابل للترجمة العملية هذه المرة، مشيرين إلى أن رئيس التوافق لن يذهب إلى مبادرة يشك في إمكان مصادفة أحد بنودها ضوءاً أحمر واحداً في إحدى عاصمتي الـ«سين ـــــ سين». لكن ماذا ينتظر الرئيس لإخراج تفاصيل مبادرته إلى العلن أو طرحها جديّاً؟ المقرّبون منه يرون أن إشارته العرضية إلى موقفه من المحكمة الدولية في مقابلته على قناة الجديد لم تكن بريئة، وكان الهدف منها جسّ نبض المعنيين. والأكيد أن الرئيس يعتقد أن التصدي للمشكلة الواقعة رهن بواحدة من الهيئتين الدستوريتين (نتيجة وجود بعض الموترين على طاولة الحوار): مجلس النواب ومجلس الوزراء. الأول مقفل عملياً. أما في الثاني، فالهرب مستمر إلى الأمام، حيث يتجنّب الطرفان الدخول إلى صلب الموضوع، ولم يبلغ التوتر في أي جلسة حدّ الحاجة إلى تقديم مبادرة جدية للحل. ويعتقد المصدر أن سليمان تعلّم من التجارب الماضية، ولديه ثقة كبيرة بأن التحدي الأساسي للطرفين، اليوم، هو من يحرج الثاني أكثر، لا من ينهي الآخر. والاثنان، بحسب المصدر القريب من سليمان، يعلمان أنهما سيجلسان في النهاية إلى طاولة الحل؛ فلا حزب الله قادر على أن يحكم من دون تيار المستقبل، ولا تيار المستقبل قادر على أن يخفي حزب الله. وبالتالي، ينتظر سليمان أن يرتفع صوت أحد المتخاصمين في مجلس الوزراء، فجوراً أو استغاثة، ليدلي بما لديه. في النتيجة، سواء نجحت مبادرة سليمان أو فشلت، مجرد إعلانه «إنني هنا ولديّ ما أقوله» هو أمر يستحق المتابعة.