أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

"شتوةُ" تشرين تنتصرُ لموسم الزيتون... ولعطش البيروتيّين

الأحد 10 تشرين الأول , 2010 04:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,733 زائر

"شتوةُ" تشرين تنتصرُ لموسم الزيتون... ولعطش البيروتيّين

 

عــنــدمــا يـــعـــود بــعــض ســكــان العاصمة في الذاكرة القريبة الى تشرين الأول الماضي الــذي صبّ جام حرّه عليهم بلا رأفة، يحمدون فضل السماﺀ عليهم وينطلقون في استطلاع توقعات أهالي الجبال التي غالبً ا ما تجتمع على مقولة واحدة: "شتويّة قاسية كتير لأنو الصيف كان قاسي كتير".

هي الشتوة الأولى التي يوقعها تشرين بأنامله الطريّة ونسائمه المبشرّة بترطيبٍ قد يهبط على منطقة الــحــوض الــشــرقــي للبحر الأبــيــض الــمــتــوسّــط، إلاّ أن ذاك الترطيب المزعوم يثير الكثير من الريبة والــحــذر فــي نفوس بعض أهالي الجبال الذين بدأوا يكوّنون قناعة بأن الشتاﺀ سيكون منهِكً ا وهــو الأمـــر الـــذي دفــع بالكثيرين منهم الى إطلاق صفارة جمع الحطب وادخار الأموال لشراﺀ المازوت، فيما لا يــزال بعضهم الآخــر يهزأ بتلك "الهمروجة" التشرينية التي لا تعني شيئً ا: "عارفين حركاتو البلا طعمة لتشرين. غيمة وبتمرق. شو نسينا تشرين الماضي. يا عمي بين تشرين وتشرين صيف تاني". كلامٌ تشكيكيﱞ بــقــدرات تشرين الأول لا يثني أهل العاصمة عن التمتّع بانفراج "عبقة" الأشهر السالفة.

فــعــلاً تشرين الأول فعل في مطلعه مــا كــان متوقعً ا منه ولو بنسبة ضئيلة في نهايته. إلاّ أن تلك الانــفــراجــة الموقتة لــم تكن لتُمنح الــى اللبنانيين بالمجان أو بالمزاد العلني، فالشتوة الأولى وكما عهدها اللبنانيون لا بدّ أن تحمل معها بعض الكوارث والكثير من الانقشاعات... بين بيروت الغارقة بوحولها والجبل المنتشي برائحة تــراب الــزخــات الأولــى كيف مضى اليوم الشتائي الحقيقي الأول على أهالي العاصمة والجرود؟

   لم تكن شــوارع العاصمة التي تعتريها مئات الحفر والاعوجاجات تتوقع أن تــكــون العاصفة التي تحدّثت عنها الأرصاد الجوية قبل يومين بهذا المستوى من الغزارة والــصــخــب. تــمــامًــا كــمــا فــي غمرة الكانونيْن أو حتى في عز شباط غــرقــت طــرق العاصمة وأنفاقها بمستنقعاتٍ من المياه، فيما لم ترأف الأقنية المحشوّة بالنفايات في ما بقي من شــوارع أفلحت في تصريف مياهها على غفلة.

مصائبُ شوارع العاصمة كانت عند أهالي بعض المناطق فوائد وأكــثــر. فتشرين الأول لــم يشبع العين البيروتية الظمأى الى قطرة ماﺀ وحسب بل أشبع عطش السكان الــذيــن يــعــايــشــون شــحً ــا قسريً ا يدفعهم الى لعبة "السيترنات" لإنـــقـــاذ أحــلاقــهــم مـــن الــجــفــاف ومنازلهم من الفوضى. تلك العيون الظمأى لم تكن لتكتفي بمشاهدة مياه الأمطار الغزيرة تذهب هدرً ا في الشوارع وتصبح آثنة بعد أن تزاوجها النفايات والوحول، وهي المشهديّة المؤسفة التي دفعت بالكثيرين من أهالي العاصمة الى اتخاذ خطوةٍ غريبة لا بل جريئة...

تشريع أغطية الخزانات الى مياه الأمــطــار بــلا خــوف مــن أن تمتلئ بمياه موحلة... فالشتوة على حدّ قول بعضهم أتت "نظيفة"، ومياهٌ معكّرة فــي خــزانــات متخمة خيرٌ من بقايا مياه نظيفة في خزانات خاوية.

مشهديّتا العاصمة الطبيعية والنفسية لــم تكونا نسخة عمّا حصل في الجبال. فهناك رائحة الــتــراب كــافــيــة لتنسي الأهــالــي احتمال الشتاﺀ القارس وما يحمله معه من هموم خصوصً ا في تلك المناطق التي تفتح صدرها للثلوج على مــدار العام. لم تكن الشتوة الأولى لتمرّ على أهالي الجبال دون أن "يسرح" بعضهم مع "سرحة" البزاق الأولــى، فما كان بالكثيرين منهم إلا أن توجّهوا الــى أماكن معيّنة يقصدونها كلّ عام لجمع الــبــزاق الأبــيــض ومــتــى لــم يتوفر بكمياتٍ كبيرة فالأسود خيرُ بديل، إمّا ليشكل الوجبة الأولى على مائدةٍ تشرينية حرمت عشاق البزاق العام المنصرف من أكلة مبكرة وإما ليُباع على الطرق المؤديّة الى العاصمة حيث "يشتهي" بعض سكا ن بيروت هذه الوجبة الجبلية.

أمــا للزيتون فقصّة أخــرى مع الأمــطــار الأولـــى. "هــيــدي الشتوة كــتــيــر منيحة لــلــزيــتــون" يقول المعتاشون من هذه الــزراعــة، وإن كان الموسم الجنوبي هذا العام غير واعدٍ كما في بعض مناطق الشمال وكــســروان. والمعلوم أن الزيتون يخضع لمعادلةٍ نجح الأسلاف في رسمها وفي توريثها الى الأجيال المتعاقبة، وتقول هذه المعادلة صراحة أنّ الزيتون غالبً ا ما يثمر موسمً ا ويعتكف في الموسم التالي، على أن تختلف تلك المعادلة بين منطقةٍ وأخرى.

تشرين الأول ضــرب ضربته، ووعد الناس بموسمِ شتائي مبكر بعدما كان التخوّف من أن يكون تشرين 2010 نسخة عن تشرين 2009 وشــتــاﺀ 2010 نسخة عن شتاﺀ 2009 الذي حرم اللبنانيين من الثلوج كما حرمهم من طعم الشتاﺀ الحقيقي.

... وبعد العاصفة شروقٌ وحرارة معتدلة ومــوعــدٌ جــديــدٌ يضربه اللبنانيون مع تشرين الأول، علّ منتصفه ونــهــايــتــه يــحــنــان الــى مطلعه ويعيدان كرّة أمس الأول...

وأكثر.

توقعت مصلحة الأرصاد الجوية في إدارة الطيران المدني أن يكون الطقس اليوم غائمً ا جزئيّا مع ضباب على المرتفعات واحتمال أمطار متفرقة ليلاً من دون تعديل يُذكر في درجات الحرارة، على أن ينحسر المنخفض الجوي الذي يؤثر حاليّا على الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط تدريجيّا ابتداﺀً من صباح الغد.

 

Script executed in 0.18329215049744