أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

قهوجي: لا يراهننَّ أحد على انقسام الجيش

الثلاثاء 12 تشرين الأول , 2010 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,385 زائر

قهوجي: لا يراهننَّ أحد على انقسام الجيش

لا يكتم قائد الجيش العماد جان قهوجي قلقه من حدّة الاشتباك الدائر بين قوى 8 و14 آذار حيال المحكمة الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وحيال القرار الظني المتوقع صدوره عنها. ولكنه يجد نفسه معنياً بجانب واحد فقط من هذا الجدل، ومن موضوعي المحكمة والقرار الظني، هو الأمن الذي يقتضي ـــــ في رأيه ـــــ أن يكون في منأى عن تداعياتهما. كان قد أرسل إلى سياسيين رسائل تنبّه إلى «خطر التلاعب بالأمن»، في معرض عضّ أصابع سياسي. سمع أيضاً من زواره، وأخصّهم شخصيات دبلوماسية غربية، كالسفيرة الأميركية الجديدة مورا كونيللي وممثل الأمين العام للأمم المتحدة مايكل وليامز وسفراء أجانب آخرين، وكذلك من رئيس المحكمة الدولية القاضي أنطونيو كاسيزي عندما زار لبنان، أسئلة احتملت مخاوف من تأثير الصراع الداخلي على المحكمة الدولية والقرار الظني على الوضع الأمني في البلاد، في ظلّ الانقسام الحاد وانحسار فرص تسوية وشيكة.
كان السؤال المشترك الذي وُجّه إليه: هل تعتقد أن هناك مشاكل ستثيرها المحكمة الدولية والقرار الظني؟
ردّ قائد الجيش، وهو يحاذر الخوض في كل من الموضوعين غير المعني بهما سياسياً وقضائياً، ولا يدخلان في نطاق مهمة الجيش: «بالتأكيد أخشى أن يؤدي اتهام أعضاء في حزب الله باغتيال الرئيس رفيق الحريري إلى مشكلة، لأن اتهاماً كهذا سيجد مَن يحمّله بعداً مذهبياً لافتعال نزاع داخلي».
كان يضيف لهم: «لكن الجيش سيقوم بواجباته كاملة. سأمنع الفتنة بالقوة. الجيش يتحمّل مسؤولية الأمن والاستقرار، وسيتخذ الإجراءات الكفيلة بضمانهما وسلامة المواطنين».
واقع الأمر أن قائد الجيش، وقد سمع مراراً من سياسيين وشخصيات تزوره مخاوف مماثلة، لم يرَ بداً من تحديد دور الجيش في خضم التشنّج القائم، تبعاً للمواقف الآتية:
1 ـــــ يعتقد قهوجي بأن الصراع الناشب في لبنان بين قوى 8 و14 آذار هو «انعكاس صراع مشابه في المنطقة، أخذ اتساعاً أبعد مدى، إلا أن لبنان لم يتمكن من النأي بنفسه عنه. وتبعاً لذلك يدور النزاع الداخلي على صورة النزاع الإقليمي بأبعاده السياسية والمذهبية».

سؤال مشترك وجّهه سفراء إلى قهوجي: هل تعتقد أن هناك مشاكل ستثيرها المحكمة الدولية والقرار الظني؟

2 ـــــ عندما يتحدّث عن أن الأمن سياسي، يفصح بذلك عن أن المناخات السياسية المتشنّجة «تجعل الأمن أكثر حساسية، وتضع صعوبات في طريق ضمان الجيش أمن المواطنين». ومن دون أن يربط بين العمل السياسي والأمن يقول إنه يراقب الحركة السياسية، ويلاحظ أن تأزمها يضع الجيش دائماً في موقع دقيق، ممّا يحمله على حضّ هؤلاء السياسيين على إبعاد خلافاتهم السياسية عن عناصر الاطمئنان والاستقرار. في ظلّ اضطراب سياسي متأثر بمناخات مذهبية «يصبح دور الجيش أكثر صعوبة، إلا أن ذلك لا يثنيه عن القيام بدوره كاملاً».
يضيف: «حيث يقع خلل أمني، الجيش جاهز لمواجهته وسدّ الثغرة فوراً».
3 ـــــ يقول قائد الجيش إنه قلق، ولكنه ليس خائفاً. يتلقى يومياً التقارير الأمنية من المناطق ويدرسها بعناية، من غير أن يهمل خططاً مستقبلية لدور الجيش في نطاق تعزيز الأمن والاستقرار. إلا أن مراقبة الوضع الأمني تستنفد وقتاً طويلاً من جهد القيادة بغية ألا تفاجئها الأحداث.
يقول أيضاً: «أنا مطمئن إلى قدرات الجيش وهي تواكب حال الاستنفار التي يسبّبها التشنّج السياسي. لدينا في بيروت 4000 عسكري إلى قوى احتياط للتدخّل عند الحاجة، عند أي أعمال شغب أو فوضى. في طرابلس هناك فوج كامل للجيش، إلى قطع من اللواء العاشر، وفوج مغاوير متمركز في عمشيت جاهز للتدخّل عند أي اضطراب أمني».
4 ـــــ لا يخفي قهوجي اعتقاده بوجود سلاح بين أيدي المواطنين وفي بيوتهم: «هناك سلاح في كل بيت تقريباً، وهذه مشكلة مزمنة. ورغم أنه سلاح خفيف، إلا أن من شأن أي استفزاز أو حادث استدراج الناس بسلاحهم الخفيف إلى الشارع. لكن ذلك لا يعني على الإطلاق أن الوضع سائب، ولن نسمح بتسيّبه. إلى الآن لم نرصد سلاحاً ثقيلاً عند أحد. وأقصد بذلك المدافع والدبابات والهواوين. صحيح أن هناك أسلحة آر. بي. جي متوافرة لدى أفرقاء، بيد أنها ليست مصدر قلقي. وأنا أستثني هنا المقاومة التي تملك سلاحاً ثقيلاً لدوافع تتصل بعملها في مواجهة العدو الإسرائيلي. بلغتنا أخبار عن وجود سلاح ثقيل لدى أفرقاء، وتحققنا، ولم نتثبّت من صحة ما قيل لنا. اليوم الجدل الدائر بين الأطراف، كلّ يتهم الآخر بالتسلّح، وهو أشبه بمَن يلقي الحرام على الآخر. الجميع لديهم سلاح خفيف، وهم يعرفون أننا نعرف. إلا أن إجراءات الجيش ترمي إلى كشف الأمر. لا نسأل عن هذا الطرف أو ذاك، بل ماذا لديه».
يضيف: «من الصعوبة بمكان تهريب سلاح إلى أي فريق لبناني عبر البحر. الجيش والقوة الدولية العاملة في نطاق القرار 1701 يسيطران على حركة العبور إلى المرافئ. براً لا حدود لنا إلا مع سوريا. عبر المعابر الشرعية لا تسلّح سوريا أحداً، لأنها تشاركنا همّ الاستقرار الداخلي. يمكن أن يحصل تهريب من خلال معابر غير شرعية بكميات قليلة تنقل من خلال وسائل نقل بدائية. مع ذلك نتقاسم والسوريين مواجهة أي تهريب سلاح إلى الداخل».

التلويح بانقسام الجيش هو استخدام الورقة الخطأ في التوقيت الخطأ

5 ـــــ يرى قهوجي أن الكلام عن مواجهة تبدأ من طرابلس «لا يعدو كونه جزءاً من حرب سياسية تتوسّل الشائعات التي هي أخطر من الحرب الحقيقية. الناس يملكون السلاح، ولكنهم في الوقت نفسه خائفون. تستند الشائعات حول طرابلس إلى وجود معارضة وموالاة وسلفيين، أضف إشاعة منحى مذهبي على أي مواجهة محتملة. ما أستطيع تأكيده أن الجيش لن يترك طرابلس فريسة هذه الشائعات التي تريد استدراج المدينة إلى نزاع مسلح، ولن نسمح هناك بأي تسيّب. ليس لدينا النيّة فحسب في ذلك، بل أيضاً العزم».
6 ـــــ يقول قائد الجيش إنه وجّه رسائل صريحة إلى كل الأفرقاء: «اشتغلوا في السياسة مقدار ما تشاؤون، ولكن حذار مسّ الأمن. على الأرض احسبوا من الآن حساب الجيش. ادرسوا الوضع كما شئتم، لكنّ الجيش لن يسمح بجعل الأمن إحدى وسائل الخلاف السياسي».
يطمئن قهوجي أيضاً إلى أن الوضع الأمني متماسك أكثر ممّا يشاع. بالتأكيد لا يستبعد محاولات متعمّدة لافتعال خلل أمني. في النهاية هذا هو لبنان كما يقول.
7 ـــــ ساءت قهوجي مواقف أفرقاء أدخلوا الجيش في نزاعاتهم السياسية، كالقول إنه سينقسم عند حصول أي انفجار أمني، ويتوزّع مذهبياً. كان ردّه حاسماً في الاجتماع الذي عقده الخميس الماضي في اليرزة، وخاطب فيه كبار ضباط الأركان وقادة الوحدات الكبرى والوحدات المستقلة، قائلاً: «الوضع اليوم مختلف كلياً عن عام 1976 عندما انقسم الجيش. حينذاك تدخل السياسيون في شؤون الجيش وأبقوه بعيداً عن مهمته سنة ونصف سنة في ثكنه فانقسم، بينما الأفرقاء يتقاتلون على الأرض من حوله، من غير أن يُسمح للجيش بالقيام بدوره الحقيقي وكاملاً. ليس الوضع الآن كذلك. لا الجيش على الحياد عندما يتعلق الأمر بسلامة المواطنين وحفظ النظام والاستقرار، ولا أحد من السياسيين يسعه التلاعب به والتأثير عليه. الجيش ينتشر على الأرض في كل مكان. كل قائد لواء هو بمثابة قائد جيش مزوّد التعليمات الضرورية والكافية من القيادة التي تجعله يقرّر الأوامر التي يصدرها، تبعاً لدقة الوضع الأمني الذي يقع في نطاق عمليات اللواء وحساسيته، ومهمته ضبط الأمن والسيطرة عليه من أي شغب أو فوضى».
يضيف قهوجي: «أدعو أصحاب هذه الشائعات إلى ألا يراهنوا على انقسام الجيش. إنهم يستخدمون الورقة الخطأ في التوقيت الخطأ. الجيش أصلب ممّا يتوقعون، ولا مجال لإثارة حساسيات مذهبية داخل صفوفه».
يرى أيضاً في أصحاب هذه الآراء «إفلاساً سياسياً ومحاولة لزجّ الجيش في الخلاف السياسي. لن أسمح بذلك. لم يُزجّ الجيش في أي من النزاعات السياسية المفتوحة، ولن أسمح بالتدخّل في شؤونه، وهو ملتزم الثوابت الوطنية».
لم يلمس قهوجي أيضاً أي إشارة من أي فريق سنّي أو شيعي، إلى مآخذ على أداء الجيش ودوره الوطني: «الجميع ملتفّون حوله. رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، والأفرقاء الباقون الذين يعوّلون على هذا الدور، وكذلك المقاومة. لا أحد لا يريد دوره، ولكن لا أحد أيضاً يعدّه منحازاً إلى الطرف الآخر. أشعر كذلك بتهيّب السياسيين من أي تهوّر يعرّض الاستقرار للزعزعة ومن فلتان الشارع وعدم سيطرتهم عليه، ولذا يقولون لي إنهم يعوّلون على دور الجيش».

Script executed in 0.19263601303101