أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

«الذي يخيف إسرائيل» مرّ من هنا

الخميس 14 تشرين الأول , 2010 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,661 زائر

«الذي يخيف إسرائيل» مرّ من هنا

بدأوا الحضور في السابعة. سدّوا المنافذ كلها: الكوكودي، مفترق عين الدلبة، ومستشفى الرسول الأعظم. الفلسطينيون أتوا باكراً بدورهم. منذ زمن بعيد، لم يخرج سكان مخيّم برج البراجنة، وأهل الضاحية في احتفال واحد، على مقربة من معاقلهما. ركّزت الأحاديث كلها على «الرجل الذي يخيف إسرائيل». الحاضرون من جميع الأعمار. أما طرق التعبير عن معالم الاحتفال بالزائر، فمتنوعة. صارت البالونات أمراً روتينياً في مهرجانات حزب الله. أصبحت الصور المذيّلة بعبارة «خوش آمديد» مألوفة أخيراً. وحضرت العادات الشعبيّة أيضاً، فذبحت الجِمال، ترحيباً. حتى الموسيقى الإيرانية، التي بثتها مكبرات الصوت القوية، على امتداد طريق المطار القديم، بدت شبه مفهومة للحاضرين. تضمنت مقاطع من وثائقي «روح الله»، الذي يروي سيرة الإمام الخميني، وأناشيد تعود إلى حقبة الثورة الإيرانية أواخر سبعينيات القرن الماضي. كان من الصعب جداً، إخفاء حنين بعض المناصرين، والمحازبين، إلى حزب الله ـــــ الثمانينيات. الأعلام الإيرانية، على الطرقات، شرفات المنازل، الدراجات النارية، وفي كل مكان. طبعاً، المناسبة حتمت ذلك. وحتمت الإفراط في استخدام اللغة الفارسية، كي يفهم الوفد العريض المرافق، مدى اهتمام البيئة الحاضنة في الضاحية خصوصاً، واللبنانيين عموماً، بزيارة ثاني رئيس إيراني بعد الثورة إلى لبنان. وإلى ذلك، اضطر عريف الاحتفال إلى تذكير الحشود، بأن الضيف هو ممثل «الفقيه المولى» و«المرشد الأعلى» (المقصود الإمام الخامنئي)، وتالياً، شحنهم لإبداء المزيد من الترحيب. لم تفت العريف مسألة القبضات. ذكّرهم بضرورة رفع القبضات، وترداد الهتافات المعادية للأعداء، أكثر من مرة. كان واضحاً، منذ خروج أول سيارة في موكب الرئيس الإيراني من المطار، أن محمود أحمدي نجاد ليس محمد خاتمي إطلاقاً. الأول يحظى بشعبية لافتة في المنطقة، فلا يفوقه إلا السيد حسن نصر الله.
وفي انتظار نجاد، لم يجد المنتظرون ما يشغل عيونهم عن الطريق. المراسم لا تتغير كثيراً في مهرجانات الحزب، إلا أنها المرة الثالثة التي يقيم فيها الحزب استقبالاً، بعد عملية تبادل الأسرى في 2004، وتحرير سمير القنطار وأسرى الحزب في حرب تموز الأخيرة. بكلمات أدق، جماهير الحزب لا تتدفق إلى المطار لتأدية الاستقبالات، إلا في المناسبات الكبرى. هكذا، تتفاوت مهرجانات الحزب في الأهمية، رغم دقة التنظيم الدائمة، وصعوبة ملاحظة انحدار في عدد المشاركين. وحدهم رجال الانضباط لا يتغيّرون. كانوا أمس كما في كل مرة. والفرد الذي يشاهد احتفالاً ينظّمه حزب الله، للمرة الأولى في حياته، سيظنّ أنهم جميعهم رجل واحد، بملامح مختلفة.
إنها التاسعة صباحاً. الزلزال البشري يضرب محيط مستشفى الرسول الأعظم. يتدافع الجميع نحو العوائق الحديدية الفاصلة عن طريق المطار. يتسابقون. يرفعون أيديهم ويقفزون. يقذفون التهديدات الروتينية لإسرائيل و«الشيطان الأكبر». يرمون بأنفاسهم نحو الشريط الأصفر الذي يرسم الخطوط المسموحة. يشهرون هواتفهم النقالة لالتقاط الصور التذكارية، فرغم أن الاحتفالات المشابهة تتكرر دائماً، هذه هي المرة الأولى التي يأتي فيها الرئيس محمود أحمدي نجاد إلى لبنان. بعضهم يقبض على أيادي أطفاله خوفاً من الإعصار، وبعضهم ينشغل بالاحتفاء بالمناسبة، فيداس الأطفال في المعمعة. يختلط «حابل» حزب الله بـ«نابل» حركة أمل. يرتدي أفراد الحركة قمصاناً سوداء موحّدة، تسهّل تمييزهم عن رجال أمن الحزب. وفي الزحمة يختفي الفارق. في خضم الجنون، يصبح التمييز بين العلمين اللبناني والإيراني صعباً... نظراً إلى تطابق الألوان وتلاصق الأعلام. الجميع يقترب من الحدث. اللحظة تاريخية بنظرهم. وكما في المحطات السابقة، على طوال الطريق، ابتسم الرئيس الإيراني، ورفع يديه تحية لمحبّيه. رفع شارة النصر كالمعتاد. ووسط المرافقة الكثيقة من رجال الأمن الإيراني، بدا الأمر أشبه بعرض عسكري، يرافقه الرئيس، متفيّئين جميعهم في ظلال المروحيات التي ما انفكّت تحلق منذ ساعات الصباح الأولى. وإذا استثنينا مروحيات الجيش، وأفراد الاستخبارات، بدا موكب نجاد شبيهاً إلى حد كبير بمواكب ياسر عرفات في بيروت السبعينيات، والعروض العسكرية التي كانت تقيمها حركة فتح في لبنان. لكن، مما لا شك فيه، أن حجم التدافع، والحشد، أمس، كانا يفوقان الوصف.
لا يختلف الرئيس نجاد عن صورته التلفزيونية. تطغى ابتسامته المتواضعة على العوامل الظاهرية الأخرى. لا يتوقف عن التلويح للحشود. لا يتعب إطلاقاً رغم أن عينيه الصغيرتين تعبتان. تبدوان كذلك على الأقل. ينوّع في الإشارات؛ فتارةً يحيي جماهيره بالطريقة العسكرية، وطوراً يرفع لهم قبضته. في المحصلة، يشبه نجاد صوره المزروعة على ضفتي الطريق إلى حد بعيد.
عن قرب، يستحيل التصديق، أن هذا الرجل «الودود»، هو نفسه الذي يطلق التصريحات «الوجوديّة»، التي تقضّ مضاجع العالم من حين إلى آخر.


 

فرح الضاحية ضباب العاصمة

محمد محسن
ساسة لبنان مشغولون، لكن شوارعه، أمس، كانت هادئة وكأنّ البلد في يوم عطلة. النقل العام ليس على نشاطه، وعن بعد، يمكن ملاحظة الحافلات والسيارات العمومية الفارغة. جامعات ومدارس أقفلت أبوابها، إما ترحيباً بالضيف أو رهبةً من تداعيات افتراضية لزيارته. فلنبدأ من لحظة وصول نجاد. قرب مطار بيروت، يبدو مجمع الحدث الجامعي جاهزاً لاستقبال الرئيس الإيراني اليوم. على شجراته مناديل ملوّنة بألوان العلم الإيراني. يجهد طلاب من التعبئة التربوية في حزب الله لإنهاء إجراءات التزيين، التي تترافق مع إجراءات أمنية اتخذها أمن المجمّع، أولى إشاراتها السؤال عن البطاقة الجامعية لكل من يريد الدخول. اللافت هو عدم توقيف الدروس في الكليّات التي يحظى «حزب الله» برئاسة مجلس طلابها، فيما أقفلت كليّات أخرى حتى نهاية الأسبوع ككلية الطب.
يدرك من يمشي في شوارع الضاحية الجنوبية أنّه أمام مشهد فرح. تخلّى الكثيرون عن إفشاء السلام بالعامية، وترددت «خوش آمديد» و«خوداد حافظ» على ألسنة السكّان. «منذ فترة ننتظر زيارة نجاد. لولا السلاح الذي أمدّت به إيران المقاومة لما عدنا إلى بيوتنا بعد حرب تموز» يقول سعيد عوّاد. سؤال سكّان الضاحية عن رأيهم بزيارة نجاد ليس سهلاً. ستكون أمام وابل من الأحاديث عن صفات الرئيس السادس للجمهورية الإسلامية. فضلاً عن دعمه المقاومة، يحسب له الجميع أنه «زاهد في الدنيا، ابن بيئة فقيرة، والأهم أن زيارته ترعب إسرائيل. لقد رأيت دموعه أثناء استقبالنا له صباحاً» كما تقول ملاك جعفر. أمّا حسن وزني فيجهّز نفسه للجلوس في أقرب مكان في ملعب الراية، يسمح له برؤية نجاد: «أحب هذا المجاهد. هل تعرف أنه نصب خيمة في الثلج مواساةً لسكان شمال طهران الذين انقطع عنهم الغاز في إحدى العواصف الثلجية، ولم يبارحها قبل توصيل الغاز. أين رؤساء العرب منه؟». بالنسبة إلى الجزء البعيد عن أجواء الزيارة، هم مقسومون إلى قسمين: رافضون ولامبالون. يرى القسم الأول أن الزيارة استفزاز لفئة كبيرة من اللبنانيين، متماهين مع تصريحات السياسيين المعارضين للزيارة. أمّا الجزء الثاني فيتجنّب الحديث عن الزيارة «عادية، كأي رئيس يزورنا. لا داعي لكل هذا القلق. لقد سئمنا السياسة» يقول حسين عبد الله.
في شوارع العاصمة، الصورة ضبابيّة. ثمّة جو من الخوف الممزوج ببعض الاستفزاز من زيارة نجاد، على الرغم من أن أنباء اتصال نجاد بالملك السعودي خفضت حدّة التوتر. «في الحد الأدنى يمكن زيارته أن تدخلنا في حرب جديدة مع إسرائيل. ماذا لو صعد إلى الجنوب وردّت إسرائيل؟» يقول مواطن في كورنيش المزرعة، يتأهّب غسان شهاب حين سؤاله عن رأيه بالزيارة: «إنها استفزازية في ظل الوضع المشحون». يقول بغضب يختفي تحت وجهه: «ماذا يريد نجاد؟ توقيت زيارته مقلق للغاية. جماعة المعارضة هدّدوا بأن حفلتنا قادمة بعد رحيله. هل أتى ليدعمهم علناً؟». لكن الرئيس سعد الحريري صافح نجاد بحرارة، وكتلة المستقبل رحّبت؟ «هذا شأنهم، هم أهل السياسة وأدرى بها. أما نحن فلسنا مرتاحين»، يقول. القلق ذاته يهيمن في الأشرفية والدورة. في أحد المراكز التجارية الضخمة، هدوء أكثر من المطلوب، وزوّار صباحيون قلائل. لا تخفي كارولين سابا إعجابها بـ«كاريزما أحمدي نجادي. لكني أخاف من زيارته، سمعنا أمس تهديدات كثيرة له. الله يستر».


 

الفلسطينيّون انتظروا «ماردم يار»

قاسم س. قاسم
على طريق المطار (مروان بو حيدر)على طريق المطار (مروان بو حيدر)«خوش امديد به مردم صادقانه ترين» أو «أهلاً وسهلاً بكم يا أشرف الناس». بضع كلمات فارسية تعلّمها الفلسطينيون في الفترة الماضية ليقولها للرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد الذي بالطبع لن يسمعها من افواههم مباشرة، ففضلوا ايصال رسالتهم هذه عبر كتابتها على لافتة وضعت على الباب الشمالي لمخيم برج البراجنة. هكذا، خرج ابناء المخيم امس لاستقبال الرئيس نجاد. حضر اللاجئون منذ الساعة السادسة صباحاً، وقفوا بالقرب من مفرق مخيمهم. الأعلام التي حملوها دلّت على هويّتهم، إذ غابت أعلام الفصائل الفلسطينية ووضعت جانباً مع أنها كانت مُعدّة. اما الحاضر الوحيد فكان العلم الفلسطيني الجامع. المشاركة في الاستقبال لم تكن حكراً على أحد، ولم يتبنّها أي فصيل. فحضر مسؤولو فصائل تحالف القوى الفلسطينية المحسوبون على المحور «السوري – الايراني»، بالاضافة إلى مسؤولي فصائل منظمة التحرير الذين كانوا موجودين أيضاً في استقبال الرئيس الايراني. على باب المخيم وقف مسؤول حركة فتح بالقرب من مسؤول الجبهة الشعبية. بالنسبة لأبناء مخيم البرج، وقوفهم في استقبال نجاد واجب، خصوصاً لشخص قدمت بلاده العديد من التبرعات للمخيم. إذ إن الدولة التي يرأسها نجاد ساهمت بمساعدة أبناء المخيم في مراحل عدة، إن من خلال إنشاء صندوق لمساعدة الاسرى وعوائل الشهداء في المخيم، أو بتبرع الدولة الإيرانية لعملية توسيع جبانته وترتيبها، بالاضافة إلى تبرعها بعدد من المولدات الكهربائية للمخيم.
منذ مساء أول من أمس، جهّز الفلسطينيون انفسهم لاستقبال الرئيس الايراني. حضرت الأعلام الفلسطينية، ووجه كل فصيل دعواته إلى مناصريه للمشاركة في الاستقبال. على طول الطريق المؤدية من الباب الغربي لمخيم البرج وتحديداً عند مفرق المحامص، وصولاً الى ساحة القدس في نزلة العاملية، اصطفّ اللاجئون بانتظار الرئيس نجاد. شارك الجميع في استقبال «ماردم يار» ايران، تلامذة الاونروا التي أغلقت مدارسها في الضاحية كانوا حاضرين ليهتفوا للرجل. في انتظار وصول الموكب الرئاسي، حاول الجميع أن يحتل الصف الاقرب للطريق. هكذا، يقف محمد الخطيب ابن المخيم حاملاً علم فلسطين بيد وصورة لنجاد بأخرى، بالقرب من جادة الشهيد عماد مغنية. النقطة التي اختارها الخطيب مدروسة بدقة، إذ اختار أن يقف قرب «الكوع»، لأن السيارات ستجبر على تخفيف سرعتها. بالنسبة إليه، وقوفه في استقبال نجاد واجب «عليّ أنا الفلسطيني». اما السبب؟ فلأن «نجاد هو الوحيد الذي يجرؤ على القول إنه يريد إزالة إسرائيل من الوجود»، يقول الخطيب. بالنسبة إليه، ما يقوله نجاد قد يكون «أمام التلفزيونات فحسب، لكن أن يقدم رئيس دولة على قول ذلك علناً، فهذا يكفي لأن ندعمه»، كما يقول. لحظات وترتفع الاصوات معلنة اقتراب الرئيس الايراني من امام المخيم. تقف نهاد عيسى الصبية العشرينية حاملةً كيس أرز بيدها. تدافع الناس يجبرها على العودة الى الوراء. «طالع من السيارة، يا ألله ما أهضمو»، تقولها عيسى وهي ترش الارزّ على الموكب. بالطبع تعليق عيسى لم يسمعه احد بسبب هتافات «ألله أكبر»، التي علت بمجرد مرور الموكب. هكذا، يمر الرئيس نجاد محيّياً الحاضرين الذين ركضوا خلف موكبه، على أن «نراه الليلة (امس) في ملعب الراية» تقول عيسى.

Script executed in 0.18243598937988