لم تكمل «المؤسسة اللبنانية للإرسال»، أمس، بثّ إعادة حلقة الليلة السابقة من برنامج «كلام الناس». فقبل انتهائها، تذرّعت المؤسسة بخلل تقني، واستعاضت عن «كلام الناس» بمسلسل مُدبلج. أما الأسباب الحقيقية لتوقيف البث، فتعود إلى سلسلة اتصالات أجريت مع إدارة المؤسسة، تولّاها سياسيون وأمنيون أبدوا استياءهم مما ظهر في الحلقة. ردود الفعل المستنكرة لحلقة «كلام الناس» التي تمحورت حول «الأسلحة والبحث» أتت من كل حدب وصوب. قوى 8 آذار تتّهم المؤسسة ومقدّم البرنامج الزميل مارسيل غانم بتحويل الحلقة «إلى منبر للتحريض على حزب اللّه». أمّا تيّار المستقبل، فمُمتعض من «إظهار أهل السنّة طائفة قلقة تجمع السلاح».
في يوم صدور القرار الظني في الدعوى المرفوعة من «القوات اللبنانية» على رئيس مجلس إدارة المؤسسة اللبنانية للإرسال بيار الضاهر وعدد من المساهمين في المؤسسة، حقّقت شاشة «أل بي سي» نسبة مشاهدة تكاد تكون غير مسبوقة. ظهر التشويق منذ بداية الحلقة، إذ حضرت الأسلحة الرشاشة «شخصياً» إلى الاستديو. وقف مقاتل سابق من «القوات اللبنانية» يشرح عن كل واحد من الأسلحة، مؤكداً أنه لن يستخدمها مجدداً. السيدة «البيروتية السنية» (كما توجه اليها الزميل مارسيل غانم) التي تحدّثت عن ابنها الذي قتل في أحداث أيار 2008 على يد جاره، تجاهلت أن عائلتها قد أسقطت الدعوى المقامة على المتهم بالقتل، بعد إجراء مصالحة بين المدعين والمدعى عليه في المحكمة. تحدّثت عن تدخلات من «ناس كبار» أدّت إلى حصول المتهم على حكم مخفف. لم يستوقف كلامها غانم. إلا أن هذه الغلطة تمّ تداركها قبل نهاية الحلقة، بعد «ورود معلومات عن المصالحة خلال الحلقة». ولمّا سأل غانم ضيفته عن ذلك، أكدته، معيدة الأمر إلى «ضغوط سياسية». في بداية الحوار معها، رأت أن العيش في إسرائيل بات أكثر أمناً بالنسبة إليها (!). أما في ختامه، فدعت الشبان إلى ألا يقعوا في التجربة.
نجم الحلقة كان مفتي جبل لبنان الشيخ محمد علي الجوزو الذي ظهر عبر الأقمار الصناعية من مصر. قال إن حزب الله يسلح أنصاره في إقليم الخروب، وإن المشاكل في العالم الإسلامي بدأت منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران. سأل الجوزو عما إذا كان حضور مسؤول خليجي ممن تبرعوا لإعادة إعمار الجنوب سيُستقبل بالحفاوة ذاتها التي لقيها الرئيس الإيراني من حزب الله. وعندما بدا أن الجوزو «متهيب الموقف»، كانت المفاجأة في تصرف الزميل غانم الذي لم يعوض غياب البديل بمناقشة الجوزو آراءه، بل تولى استفزازه بطريقة لافتة وغير معهود منه استخدامها. تقمص شخصية الجوزو ليطرح عليه السؤال الآتي: حزب الله الشيعي يسلح أنصاره، فماذا أنتم فاعلون؟ الجوزو لم يجب بالحدة المعروفة عنه، فرمى غانم سؤالاً آخر: هل ستسمحون لهم بدخول منازلكم؟!
التقارير الميدانية التي صُوّرت في طرابلس والطريق الجديدة كانت تصبّ بمجملها في خانة واحدة: السنّة والشيعة يقفون على حد السلاح، والسنّة يجهزون أنفسهم لصد هجوم حزب الله عليهم. ظهرت المواقف الشعبية عارية: «هم» يريدون مهاجمتنا. و«نحن» نتسلح لندافع عن أنفسنا».
وفي الجزء الأكبر من الحلقة، غاب الطرف الآخر، أي حزب الله. الشيخ بلال دقماق، الخارج من السجن منذ مدة قصيرة والذي عاد للظهور الإعلامي الكثيف أخيراً، كان أبرز المهاجمين. وعلى مدة زمنية غير قصيرة، كان المشاهد «يتعلم» أن حزب الله حاضر بقوة في طرابلس من خلال «تسليحه بعض المجموعات في منطقة باب التبانة».
أكثر أجزاء الحلقة تسبباً بالغثيان كان «الحوار» بين الشباب الذين حضروا إلى الاستديو الجديد من الشمال والجنوب وبيروت والجبل. الشبان لم يأتوا بأي إضافة. كرروا مواقف زعمائهم من الأمور الخلافية في البلاد من دون زيادة أو نقصان. وفي هذا الجزء من الحلقة، «أجاد» غانم. قال إن لديه تقارير أمنية تتحدث عن تدريبات عسكرية يجريها حزب الله لأنصار التيار الوطني الحر. وفي وقت لاحق، قال إن التقارير الأمنية التي في حوزته تشير إلى أن معظم الأطراف تتسلح، «وإن كان ذلك بتفاوت، لكن لا شك أن هناك دوراً كبيراً لحزب الله». وهنا أيضاً، غاب حزب الله. غياب لم يعوضه حضور اثنين من مناصري المعارضة حول الطاولة. وكان لافتاً أن أحد المشاركين يسأل بسذاجة عن سبب عدم تسليح ايران الجيش اللبناني، وسط مراقبة غانم وصمته.
في تيار المستقبل، يرى أحد النواب أن حلقة «كلام الناس» أول من أمس «معيبة». فسرها بأنها رد من الـ«أل بي سي» على القرار الظني الصادر لصالح «القوات اللبنانية»، عبر القول «إن الدولة التي أصدرت قراراً كهذا غائبة عن المشهد السياسي – الأمني في لبنان». وفي 8 آذار، لفتت مصادر رفيعة إلى أن الحلقة أتت في توقيت غير مفهوم، وبدت «دعوة للفتنة وتهديداً للسلم الوطني». ورأت المصادر أن من «غير المفهوم تركيب هذه الحلقة. فهل هي للتشويش على زيارة أحمدي نجاد؟ أم أوراق اعتماد تقدَّم إلى «القوات اللبنانية» بعد صدور القرار الظني مفادها أن «أل بي سي» يمكنها الوقوف على يمين القوات؟». وتسأل المصادر: «هل يعقل أن يكون الشيخ محمد علي الجوزو أكثر حياداً من مارسيل غانم؟».
بالتأكيد، لم يجرِ إعداد الحلقة خلال الساعات اللاحقة لصدور القرار الظني في قضية «القوات» المرفوعة على بيار الضاهر، يقول مصدر في المؤسسة. بل إن ما بُثّ معدّ مسبقاً. يضيف مصدر آخر: «كان علينا الاختيار بين حلقة عن زيارة نجاد، أو هذه الحلقة. ولما لم يكن ممكناً إجراء مقابلة مع الرئيس الإيراني، قررنا بث حلقة «حرب وأسلحة»». أما مضمون الحلقة، فيستغرب المصدر استنكار الآخرين له. ويقول «إن معدّي الحلقة لم يعرضوا في تقاريرهم كل ما قيل لهم، حرصاً على عدم توتير الأجواء في البلاد. وكل ما جرى عرضه يتحدث به المواطنون والسياسيون ويُنشر في تقارير الصحف اليومية، فضلاً عن أن الأجهزة الأمنية ترصده وتنظّم تقارير به». ويرى أن «كل الأسئلة التي طرحها غانم على ضيوفه يسألها المواطنون يومياً، وهي جزء من همومهم الحالية». ويختم المصدر بتأكيد أن الحلقة كانت بمثابة "جرس إنذار ينبغي أن يُقرع في ظل اهتراء الدولة في لبنان».
على المستوى الرسمي، أعلن وزير الإعلام طارق متري أنه اتصل برئيس مجلس إدارة «المؤسسة اللبنانية للإرسال» بيار الضاهر، "بعد تلقيه مكالمات عديدة تستغرب أو تنتقد ما كان يبثه برنامج كلام الناس». وبحسب الوزير، فإن الضاهر أبدى «تفهمه لردود الفعل وحرصه على تجنب المزيد منها واستعداده لاختصار بث البرنامج».
من جانبه، بادر المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع الى الإعلان عن «وضع يده على الملف»، داعياً «جميع وسائل الإعلام إلى التزام القوانين والأنظمة والتصرف بالحس الوطني المسؤول لتحصين الوحدة الوطنية وعدم التورط في ما يثير العصبيات ويفتح الابواب امام الفتن والمؤامرات التي تستهدف البلاد».
وقد أصدر عضو «كتلة المستقبل» النائب خضر حبيب بياناً استنكر فيه «برامج التشنج والتوتير والتحريض التي أطلت علينا أمس، معيدة نكء الجراح وفتح الهواء لمن لا يمثلون الناس على الأرض ليشتموا ويحرّضوا ويهدّدوا علناً بالجهوزية لزعزعة الأمن والاستقرار والتبشير بمعارك مقبلة، ما أثار ذعراً وخوفاً في صفوف المواطنين».
معركة القرار الظني
عقد النائب جورج عدوان مؤتمراً صحافياً أمس تحدث فيه عن القرار الظني في دعوى «القوات اللبنانية» على «المؤسسة اللبنانية للإرسال»، مشيراً إلى أن القضية «تدور كلها حول نقطة واحدة وحيدة اسمها ملكية (LBC)». وعدّد عدوان «وقائع» تثبت ملكية القوات للمؤسسة، «بشهادة الراحل أنطوان شويري وأقرباء بيار الضاهر»، الذي «لم يتمكن من إبراز دليل على أنه اشترى المؤسسة من الدكتور سمير جعجع عام 1992»، لأن «لكل عملية بيع ثمناً».
وعدوان الذي أدى لفترة دور الوسيط بين الجانبين، كان أيضاً أحد الذين تولوا الضغط للإسراع في إصدار القرار الظني. أمّا الفريق الآخر، فيستعد لمواجهة قانونية تستند في جانب منها الى قراءة سياسية من النوع الذي يرتبط بكون الجهة المدعية على صلة سياسية بالحكم، أي أن وزير العدل ابراهيم نجار هو ممثل القوات داخل الحكومة، وأنه مارس الضغط لتسريع عمل قاضي التحقيق، وأن الأخير متهم من الجهة المدعى عليها بأنه ليس حيادياً.