ما ينطبق على جهة، لا ينطبق على أخرى، وبالتالي فإن مجموعات تعليمية سلفية، خرجت لتؤدي مجدداً دوراً في الخطاب السياسي المحلي، مشيرة إلى أن «التيار السلفي لا يتسلح»، لكن «لن نقف مكتوفي الأيدي إذا ما وقع اعتداء على مدينة طرابلس وأهل السُّنة عامة»، وهو القول الذي نطق به داعي الإسلام الشهال في يوم الثامن من شهر تشرين الأول الحالي، وكرره مرات عدة في غير مكان، علماً بأن الشيخ داعي الإسلام لم يكن في يوم من الأيام يمتلك تياراً بالتحديد الدقيق للكلمة، ولا امتلك القدرة على الدعوة إلى القتال، وانحصر دوره في التنفيذ المؤقت لمجموعة من الخطوات الميدانية خلال الاشتباكات بين جبل محسن وباب التبانة في طرابلس، ولم يوافق من يقف خلفه ومن يموله، من أطراف في المملكة العربية السعودية وآل الحريري وأجهزتهم الأمنية، على السماح للشيخ الشهال بمد يده أبعد من حدود القلمون. وقد تعاملوا معه بالقطعة، فلم يترك مرة ليتصرف لمدة تزيد على وقت الاضطرابات والحاجة الملحة إلى تهديد الخصوم بلحى من يصفونهم بالمتشددين.
وما يسجل لداعي الإسلام في مرحلة ما أنه أنكر تنظيم فتح الإسلام، وأسقط تعهّداته لهم، فتركهم محاصرين في مخيم نهر البارد بدلاً من أن يتمددوا نحو الولاية الإسلامية في طرابلس.
وفي المعطى الواقعي، فإن ما لوّح به الشهال، وغيره ممن انتقدوا كلام الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله لناحية قدرة الحزب على القيام بانقلاب منذ عام 2005، وجهوزية التيار السلفي في عملية المراقبة والاعتراض على أي فعل يقوم به حزب الله، أو على الأقل الدفاع عن مناطق «أهل السُّنة» أو وجودهم، لا يعدو أكثر من كونه كلاماً يخالف أبسط قواعد عمل المجموعات الجهادية، ويأتي من فراغ. فلا التيار السلفي في لبنان هو تيار شعبي واسع ومنتشر، ولا السلفية المدرسية أو الدعوية تمتلك القدرة على الانضمام إلى السلفية الجهادية، والخلاف الرئيسي هو في كيفية اعتماد مفهوم طاعة ولي الأمر في الجهاد، ومن هو ولي الأمر.
وفي يوم السابع من الشهر الحالي، أرسلت إحدى الجهات المرتبطة بالأجهزة الأمنية اللبنانية رسالة تحوي بياناً مزوراً باسم كتائب عبد الله عزام، يحمل على حزب الله والرئيس الإيراني، مهدداً بتفجيرات في بعض مناطق الجنوب التي سيقصدها محمود أحمدي نجاد. وكررت الجهة إرساله إلى أكثر من مؤسسة إعلامية حتى انزلقت إحدى المؤسسات ونشرت قسماً منه، على الرغم من ركاكة الصياغة وضعف الخطاب. وفي الثالث عشر من الشهر الجاري، عادت كتائب عبد الله عزام (الفعلية هذه المرة) لتنشر رسالة تفصيلية إلى أهل السُّنة في لبنان عن زيارة الرئيس الإيراني، وتعلن في ختامها براءتها من البيان الأول، الذي أُرسل عبر البريد الإلكتروني، لا عبر مؤسسة الفجر الإعلامية المعتمدة من بعض أطراف تنظيم القاعدة.
وجاء في البيان: «تدنس أرضُ لبنانَ الأسيرةُ اليوم بمقدمٍ غيرِ ميمون، للرئيس الإيرانيِّ أحمدي نجاد، الذي قدم متفقِّداً الأرضَ التي أقطعه إياها الصليبيون، في صفقةٍ خسيسةٍ آثمةٍ بين إيران الصفوية المتمددة الطامعة، وأمريكا الصليبية المنسحبة الحسيرة؛ فلبنان وغيرها هي المثمن، وأهل السنة هم الشاهد الغافل الخاسر إن سكت وظل معلِّقاً أمله على عدوه وعملاء عدوه». «وبعد أن سلَّمت لهم (أي الشيعة) أميركا العراق جاء دور الشام، وإذا سلِمَت لهم فسيمتد نفوذهم إلى دويلات الخليج».
و«ها هو رئيسهم (نجاد) اليوم يعلن قدومُه إلى لبنان عهداً جديداً ومستوى أرفع في التنسيق مع الأميركان لتقاسم بلاد المسلمين، تمهيداً لمحاربة أهل السنة بل إبادتهم وابتلاع لبنان. وإننا في (كتائب عبد الله عزام) نتوقع أن المعركة قادمة لا محالة، وعليكم أن تحسنوا الاستعداد لما هو آتٍ؛ فإنها حرب تهلك الحرث والنسل، وإن دينكم ونفوسكم ما تحارَبون عليه».
وفي البيان الثاني الذي يقع في سبع صفحات، فإن الفرع المحلي من التنظيم الدولي استعاد خطابه، الذي يرى في إيران وسوريا وحزب الله محوراً في خدمة المشروع الأميركي ولمحاربة أهل السنة، وهو في النهاية تحليل يتفق في الجزء الأول والرئيسي منه مع الوصف الأميركي للأطراف الثلاثة، ويتفق كذلك مع الرؤية الاميركية بأن الأطراف الثلاثة هي العدو.
علماً بأن البيان هذا هو الأول من سلسلة ستصدر تباعاً تحدد رؤية التنظيم إلى ما يجري في لبنان.