أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الحريري ـ الخليل: استكشاف التنـازلات أم حوار طرشان؟

الأربعاء 20 تشرين الأول , 2010 03:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,907 زائر

الحريري ـ الخليل: استكشاف التنـازلات أم حوار طرشان؟


لم يعدُ اجتماع رئيس الحكومة سعد الحريري والمعاون السياسي للأمين العام لحزب الله حسين الخليل، الأول منذ انفجار أزمة الثقة بين الحريري ودمشق في 3 تشرين الأول، كونه سوى محاولة يتوخى منها الحزب استكشاف مدى استعداد محاوره لتقديم معالجة مناسبة للمأزق القائم بينه وبين حزب الله، وبينه وبين دمشق، وخصوصاً في الملفين المتلازمين: شهود الزور والقرار الظني. ورغم ذهاب الرجلين إلى الاستكشاف المتبادل للتنازلات المحتملة، أحدهما حيال الآخر، يبدوان أقرب إلى حوار طرشان في ظلّ إصرار رئيس الحكومة وحزب الله على التمسّك بشروطهما: يتشبّث الحريري بالمحكمة الدولية وبعدم استباق القرار الظني برفضه قبل صدوره، ويتشبّث الحزب بإسقاط القرار الظني على طريق إسقاط المحكمة الدولية.
وهكذا، يذهبان إلى الحوار لتأخير الانفجار، وتبرير التسوية الساخنة بينهما.
مع ذلك، نُظر إلى اجتماع الطرفين على أنه ضرورة موقتة ريثما تتضح ملامح التفاهم السعودي ـــــ السوري على الملف العراقي، توطئة لتفاهم أكثر ثباتاً على الملف اللبناني. وشأن ما يقال عن حوار الطرشان في بيروت، لم توحِ إشارات مرتبطة بقمّة الرياض بين الملك عبد الله والرئيس بشّار الأسد الأحد (17 تشرين الأول) بأنهما دارا في فلك حوار طرشان. لكنهما لم يتفقا تماماً بعد في المسألتين اللتين يتجاذبان النفوذ فيها، هما العراق ولبنان.
كان رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، في لقائه الأخير مع الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله الأحد (17 تشرين الأول)، قد فاتحه في معاودة قنوات الحوار ـــــ وإن غير المباشر ـــــ مع الحريري بغية تبديد مناخات التشنج التي ترخي بثقلها على مآزق الملفات العالقة. لم يوصد نصر الله الأبواب مجدّداً، إلا أنه لم يعكس حماسة ظاهرة للقاء، ما لم يحمل إليه رئيس الحكومة مواقف كافية لشقّ طريق الحلول إلى مشكلتي القرار الظني وشهود الزور.
كان الوزير غازي العريضي الذي حضر اجتماع الأحد قد أثار الموضوع نفسه مع نصر الله في لقائهما في 19 أيلول، مقترحاً اجتماعاً بين الحريري والخليل يفتح كوة في الحوار المقطوع بين الطرفين، من شأن تقدّمه إتاحة المجال أمام لقاء يجمع رئيس الحكومة بالأمين العام لحزب الله.
ردّ نصر الله في اجتماع 19 أيلول، بأن اتصالاً بين الحريري والخليل ممكن، ولا حائل دونه، من غير أن يحسم بحدوثه، معلقاً إياه على ما يقتضي بالحريري التقدّم به لمعالجة أسباب تصاعد وتيرة التشنّج والتوتر، وأخطار فتنة مذهبية ناجمة عن القرار الظني.
حمل العريضي ردّ نصر الله إلى جنبلاط الذي وجد فيه نافذة لبذل جهد إضافي، وتحقيق لقاء بين الحريري والخليل.
بدوره وزير الأشغال العامة والنقل كان قد أثار الموضوع نفسه أيضاً في دمشق، في 5 تشرين الأول، مع معاون نائب رئيس الجمهورية اللواء محمد ناصيف، بعد 48 ساعة على صدور مذكرات التوقيف الغيابية السورية الـ33، وقد أطلعه على اجتماعه بنصر الله وفرص إحداث كوّة في الحوار المقطوع بين رئيس الحكومة ونصر الله، وطلب تشجيعه الجهود التي يبذلها في هذا الصدد مع الزعيم الدرزي.
في وقت لاحق على هذه الجهود، قال نصر الله لزواره في معرض سؤاله عن فرص معاودة الحوار، وإن غير المباشر مع الحريري، إنه لم يعطِ التزاماً محدّداً لأيٍّ من مراجعيه في الحوار بين الحريري والخليل، ولا بتحديد موعده، مكتفياً بالقول إنه لا قطيعة مع رئيس الحكومة. بيد أن لا جدوى من الحوار معه ما لم يحمل إليه موقفاً صريحاً من القرار الظني وشهود الزور.
سرعان ما اكتسبت جهود تحريك الحوار بعداً أوسع مدى مع زيارة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد للبنان في 13 تشرين الأول. فوتح في بعض اجتماعاته الرسمية ببذل وساطة لدى نصر الله لعقد اجتماع مع رئيس الحكومة وإعادة التواصل المباشر بينهما. وتردّد أن رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس المجلس نبيه برّي من سعاة هذا الهدف، بغية تخفيف وطأة الاحتقان الداخلي، وإتاحة الفرصة أمام تفاهم سياسي. في وقت تردّد فيه كذلك أن رئيس الحكومة كان ينتظر من الرئيس الإيراني مبادرة في هذا الصدد. وهو فاتح الرئيس السوري في سحور 30 آب في إحجام نصر الله عن تحديد موعد للاجتماع به. كان ردّ الأسد حينذاك، تكرار نصيحته له بإبقاء الحوار مفتوحاً مع الأمين العام للحزب، وطمأنته إلى حمايته سلاح المقاومة من الأخطار التي تدرك سوريا والحزب أنها تستهدفهما معاً.
تحفّظ نجاد عن التوسّط، ثم أسرّ إلى نصر الله في الاجتماع الذي ضمّهما في مقرّ السفارة الإيرانية في بئر حسن، قبل اختتام زيارته للبنان ليل 14 تشرين الأول، عن مفاتحته بالعمل على عقد لقاء بين الرجلين.
قال الرئيس الإيراني لنصر الله إنه أخطر محدّثيه، إنه لن يتدخّل في هذا الموضوع على الإطلاق، وهو يعدّه شأناً داخلياً.
وخاطب الأمين العام للحزب: أنتَ تقدّر كيفية معالجة هذا الأمر، والآلية المناسبة له. لكنني أحببت إطلاعك على ما فوتحت به، وأنا لم أطرح على الرئيس الحريري موضوع اللقاء معك، بل أكدت أمام كل الذين التقيت بهم على الوحدة الوطنية والتماسك الداخلي في مواجهة إسرائيل.
ورغم أن اجتماع الحريري بالخليل مساء أمس أشاع انطباعاً إيجابياً بعودة الحوار بين الطرفين، وبإتاحة المجال أمام مجلس الوزراء لمعالجة الملفات الوثيقة الصلة بالخلاف الحاد الناشب بشأن المحكمة الدولية والقرار الظني وشهود الزور، إلا أن الآمال تبدو ضئيلة حيال توقع خطوات ملموسة تبعاً لمعطيات منها:
1 ـــــ لا تزال أبواب الرئيس السوري موصدة تماماً في وجه رئيس الحكومة، من غير أن تبرز عناصر مشجعة على اسئناف الاتصال بين الطرفين في مدى قريب. ولا يعكس بالضرورة اجتماع الخليل بالحريري

نجاد لنصر الله: قلت لمَن فاتحني باجتماعك بالحريري، لن أتدخّل في شأن داخلي

 

نصر اللّه لزوّاره: الحوار ليس مقطوعاً لكن يقتضي بالحريري حمل معالجة للمشكلة

رسالة سورية غير مباشرة إلى طيّ الأزمة العالقة بينهما، أو أن دمشق أصبحت أكثر استعداداً لاستقبال رئيس الحكومة. بل تتصرّف كأن ما يجري في الداخل تنأى بنفسها عنه، وعن أزمة الثقة بينها والحريري، كي لا يبدو الترابط حتمياً.
لدى حزب الله ما ينتظره من الحريري، ولدى دمشق أيضاً ما تنتظره من الحريري. أوصد نصر الله أبوابه في وجه رئيس الحكومة قبل أن يوصدها الأسد. ولكل منهما دوافعه، وما يعدّه إخلال الحريري بتعهّدات كان قد قطعها له.
2 ـــــ بحسب مسؤول سوري رفيع المستوى، تجد القيادة السورية نفسها في حيرة في علاقتها بالحريري. يقول في معرض سؤاله عن احتمال استقبال دمشق رئيس الحكومة: ماذا يسعنا أن نقوله له أو يقوله لنا؟ لم يترجم أياً ممّا قاله لنا. بل على العكس من ذلك، ما يقوله هنا في دمشق نقيض ما يفعله هناك في بيروت.
3 ـــــ وضعت سوريا سقفاً غير قابل لخفضه، هو إلغاء المحكمة الدولية. واستمعت من بعض زوارها ذوي الصفة الرسمية إلى اقتراحات بذلك، كالقول بمبادرة مجلس النواب بوضع يده على ملف المحكمة أو اتخاذ مجلس الوزراء قراراً يستعيد سيادة القضاء اللبناني على ملف اغتيال الرئيس السابق للحكومة. في الحالين يمثّل الحريري الابن جزءاً من التسوية، سواء بصفته رئيساً للحكومة أو بصفته رئيس الكتلة النيابية الأكبر عدداً. بيد أن الاقتراحين لم يعمّرا. لكن الزوّار الرسميين سمعوا من دمشق كلاماً متشدّداً حيال المحكمة. والبعض يقول إن رفض الحريري القرار الظني قبل صدوره، لم يعد كافياً لطيّ صفحة المحكمة.
4 ـــــ على طرف نقيض ممّا تتطلبه دمشق، يتصرّف رئيس الحكومة على أنه لا يرفض القرار الظني قبل صدوره فحسب، بل أيضاً إحالة ملف شهود الزور على المجلس العدلي. وهو يعكس بتصلّبه هذا إصراراً على المضي في المواجهة ضد خصومه.
5 ـــــ يراهن كل من رئيس الجمهورية وجنبلاط على مخرج يؤول إلى إقناع رئيس الحكومة بالتخلي عن القرار الظني، تحت شعار تهديده بفتنة مذهبية، إذ يتهم أفراداً في حزب الله باغتيال والده. ويراهنان في الوقت نفسه على تفاهم يقود إلى إحالة ملف شهود الزور على المجلس العدلي بتوافق مجلس الوزراء، انطلاقاً من إقناع الحريري أيضاً بخطوة كهذه. في أحسن الأحوال، عندما يحين أوان بتّ ملف شهود الزور في مجلس الوزراء، لن يسع سليمان وجنبلاط إلا الموافقة على هذا الخيار بتصويت وزرائهما على إحالة الملف على المجلس العدلي.

Script executed in 0.19041800498962