أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

حزب اللّه ـ الحريري: غالب ومغلوب

الإثنين 01 تشرين الثاني , 2010 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,716 زائر

حزب اللّه ـ الحريري: غالب ومغلوب

في الأزمة الحاصلة اليوم لا مجال لتسوية وفق مبدأ لا غالب ولا مغلوب. فخلافاً لما يحاول بعض أفرقاء المعارضة السابقة إيهام أنفسهم والآخرين به، لا حلّ للأزمة إلا بواحد من اثنين: تراجع الرئيس سعد الحريري عن دعمه المطلق للمحكمة ومباركته صدور القرار الظني الذي يتهم حزب الله، وبالتالي انكسار الحريري؛ أو قبول حزب الله بصدور القرار الظني في محكمة تحظى بتأييد الحكومة التي يشارك فيها، وبالتالي انكسار حزب الله.
بين الاثنين لا حل وسطاً كما يوحي البعض. حزب الله مدعوماً من القيادة السورية، يرفض الاقتراح الحريري القائل بتحميل بعض العناصر في الحزب المسؤولية عن اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفع الغطاء الحزبي عنهم، وخصوصاً إذا توافرت أدلة تؤكد تورطهم. والحريري مدعوماً من القيادة السعودية، يرفض دعوة حزب الله إلى رفع الغطاء الحريريّ ـــــ اللبناني عن المحكمة واعتبارها منتحلة صفة في بحثها عن الحقيقة. بغض النظر عن البديل الذي سيقدم لهذا أو ذاك مقابل تراجعه عن موقفه، التسوية بهذا المعنى تعويض معنوي للمغلوب. يذكر هنا أن استمرار المحكمة بعملها لا يمثّل تهديداً وجودياً لحزب الله، أما إيقافها فسيكون، بحسب الكثيرين، بداية النهاية للحريرية السياسية.

سقوط الرهانات الحريرية

عباقرة الأمن السياسي في تيار المستقبل كانوا يراهنون، منذ وُجّهت أصابع الاتهام إلى حزب الله بالمسؤولية عن جريمة 14 شباط، على ثلاثة أمور، باتت معلنة وتثير الضحك في أوساط المعارضة السابقة:
الأول، تصديق حزب الله أن الأزمة ستحل بتخلّيه عن ثمانية أو تسعة عناصر من تنظيم يتجاوز عديده تسعة وتسعين ألفاً، وبالتالي ترحيبه بمحاكمة هؤلاء باعتبارهم ضالين وخارجين، خططوا وأعدّوا وجهزوا ونفذوا ثم تواروا دون معرفة قيادة الحزب التي يقول إعلام المستقبل نفسه إنها تعرف سرعة دقات قلوب اللبنانيين في الدقيقة.
الثاني، مباركة القيادة السورية اتهام مجموعة من حزب الله، على اعتبار أنها تنشد الطمأنينة، وأن اتهام الحزب يحمي دمشق التي ستكون واثقة بأن إصبع الاتهام لن يدور دورة كاملة ويعود ليحمّلها مسؤولية التنسيق مع المجموعة الضالة، حين ترغب الولايات المتحدة الأميركية في ابتزاز دمشق.
الثالث، وجود مجموعتين داخل حزب الله، إحداهما تُعنى بالعمل المقاوم وهي ترى أن التنسيق مع تيار المستقبل، وخصوصاً مع العقيد في قوى الأمن الداخلي وسام الحسن، يخدم مقتضيات صراعها مع إسرائيل، واستعداد هذه المجموعة بالتالي للتعاون مع وسام الحسن لمحاسبة المسؤولين عن خسارة حزب الله المظلة الدولية التي كان يوفرها الرئيس رفيق الحريري للحزب.
حزب الله أسقط الرهان الأول لفريق الحريري، سوريا أسقطت الرهان الثاني، والواقعية السياسيّة لبعض المحيطين بالحريري أسقطت الخيار الثالث. وبالتالي، يمضي هذا الفريق إلى الأمام، دون أية رهانات معلنة على ضغوط تمارس على خصومه الداخليين للقبول بالمحكمة أو تعديل موقفهم الرافض ليس للقرار الظني فحسب بل لصدور قرار كهذا.

... ورهانات حزب الله

في المقابل، راهن المحيطون بحزب الله على ثلاثة أمور، كانت تثير استهزاء خصومهم:
أوّلها، التشكيك في صدقية المحكمة عبر التركيز على غرابة الانتقال من اتهام القيادة السورية باغتيال الحريري إلى اتهام حزب الله فور تصالح هذه القيادة مع المجتمع الدولي، وعبر إثارة ملف شهود الزور. وكان بعض المؤيدين لحزب الله يعتقدون، كلما أطلّ الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله منتقداً عمل المحكمة أو مقدماً أدلة ترجّح فرضية التورّط الإسرائيلي في جريمة 14 شباط، أن الحريري سيعقد مؤتمراً صحافياً يسحب فيه ثقته من المحكمة.
ثانيها، انتظار الفرج من السين ـــــ سين أو التعويل على قدرة دمشق على إقناع الرياض بأن المحكمة مسيّسة ويجب طيّ صفحتها.
ثالثها، انهيار الحريري نتيجة الضغط المتواصل واستسلامه، وخصوصاً بعد أن يتبيّن له أن رهاناته الثلاثة ساقطة وأن صدور قرار اتهامي كهذا سيمنعه من الحكم لاحقاً، فضلاً عن خسارة الحريري لحليفه الرئيسي النائب وليد جنبلاط. وبحسب أحد المعارضين السابقين، فإن أداء المعارضة السابقة، سواء في لجنة المال والموازنة أو في مجلس الوزراء، أوصل أكثر من رسالة إلى رئيس الحكومة، معتبرين أن الحريري لن يغامر في التخلّي عن السلطة مهدّداً مصالحه المباشرة المتمثلة في سوليدير وسوكلين ومجلس الإنماء والإعمار والهيئة العليا للإغاثة ووزارة المال وغيرها.
هنا أيضاً سقطت الرهانات الثلاثة. تكفّل الحريري بإسقاط الرهان الأول والثالث، مطيحاً مقولة الحكم مقابل المحكمة، فيما أسقطت السعودية الرهان الثاني.

مجلس النواب وإلا...

استمرار المحكمة لا يمثّل تهديداً لحزب الله أما إيقافها فسيكون بداية نهاية للحريرية

لا تيار المستقبل ولا حزب الله في وارد الانكسار إذاً، وليس لدى أحد الطرفين ما يراهن عليه باستثناء تراجع خصمه في اللحظة الأخيرة. المستقبل يأمل تراجع حزب الله، لأن الفتنة تضرّ بالمصلحة العليا للمقاومة، وحزب الله يأمل تراجع المستقبل لأن الفتنة تهدد وجود المستقبل برمّته. الرئيس ميشال سليمان يتفرج في مجلس الوزراء منذ نحو شهرين مع وزرائه الخمسة على الطرفين يتجنّبان دخول الموضوع، يتلهيان بتفاصيل مملّة، وهو مقتنع بأن الهروب إلى الأمام لا يفيد. بالنسبة إليه جعل شهود الزور، لا المحكمة، القضية، لا يفيد، ولا الاستبسال في الدفاع عن هؤلاء يفيد أيضاً. ومن معرفة الرئيس بالحريري، بات يعلم طريقة تفكيره، ويثق بأنه لن يقبل بأن يخيّر بين الحكم والمحكمة، حتى ولو كان واثقاً مئة في المئة بأنه سيضطر إلى اختيار أحدهما في نهاية الأمر. لكن ماذا يستطيع الرئيس سليمان أو أي طرف وسطي أن يفعل في هذه اللحظة. يعتقد أحد مستشاري الرئيس أن للتسويات ملاعبها، وللغالب والمغلوب ملعبهما أيضاً. ويرى أن الشوارع ليست المكان المثالي لهذة اللعبة، بل المجلس النيابي. هناك يمكن الأكثرية النيابية أن تحدد باسم الشعب اللبناني موقفها من المحكمة الدولية وتضع حدّاً للسجال العقيم الحاصل اليوم. رئيس الجمهورية يبارك إذاً مبادرة النائب وليد جنبلاط والرئيس نبيه بري، باعتبارهما الممثلين الفعليين للسين سين، في الذهاب إلى المجلس النيابي.
في كلام المقرّبين من الرئيس مفاجآت إضافية، يؤكد هؤلاء أن الرئيس ينسّق معظم خطواته مع القيادة السورية، وليس في دمشق أي عتب عليه. ويروون أن جيفري فيلتمان حمل إلى سليمان رسالة مكتوبة من الرئيس الأميركي باراك أوباما، يخالف مضمونها ما ذكر عن الرسالة الأميركية غير المكتوبة إلى النائب وليد جنبلاط (حمل جنبلاط تفاصيل هذه الرسالة على ورقة صفراء إلى الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله)، وقد أبلغ سليمان وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون مرتين، خلال الشهر الماضي، أن شهود الزور عثرة كبيرة أمام صدقية المحكمة، ولم يلقَ رداً دفاعياً أو هجومياً.



المجلس النيابي غطاء مبكر؟

 

يطرح مسؤولون سوريون بطريقة حثيثة فكرة أن يسحب المجلس النيابي الغطاء الدستوري والقانوني عن المحكمة الدولية، ويلاقيهم في هذا الطرح معظم سياسيي المعارضة السابقة. ويقول هؤلاء السياسيون إنّ قراراً من الهيئة العامة لمجلس النواب سيغطي كل المسؤولين الرسميين اللبنانيين، أمنيين وقضاة ووزراء وإداريين، عندما يرفضون التعاون مع المحكمة. لكن أوساط الرئيس نبيه بري لا تزال ترى أن اللجوء إلى هذه الخطوة مبكر حالياً، وخاصةً أنه يعني عملياً الخروج من تحت المظلة السورية ـــــ السعودية التي لم يُفقد الأمل بعد بالحلول التي يمكن أن تقدّمها، رغم كل الضغوط التي تمارسها الإدارة الأميركية على القيادة السعودية. وتلفت تلك الأوساط إلى أن الأمين العام لحزب الله لمّح في خطابه الأخير إلى أنه لا يزال يعلّق آمالاً على الجهود السورية ـــــ السعودية. ولا توافق أوساط رئيس المجلس على القول إن القيادة السورية تطلب الإسراع في الإقدام على هذه الخطوة.


Script executed in 0.19045209884644