أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

المديريّة الخائفة تحاصر محيطها

الجمعة 12 تشرين الثاني , 2010 11:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,241 زائر

المديريّة الخائفة تحاصر محيطها

تخيّلوا المشهد: ممنوع أن يزورك أحد بعد الساعة الثامنة مساءً. ممنوع أن تمرّ سيارة التاكسي لتقلّك من المنزل أو توصلك إليه بعد الساعة الثامنة مساءً. وبعد الساعة نفسها ممنوع أن تطلب الطعام «الجاهز» إذ إنّ عامل التوصيل ممنوع أن يدخل بدراجته إلى مكان السكن. وفي تمام الثامنة أيضاً ممنوع أن تدخل في سيارتك إلى منزلك من دون التوقف عند حاجزي تفتيش لتعرض عند كليهما معظم الأوراق الثبوتية والتراخيص الموجودة في محفظتك.
في هذا المشهد لا تعني الساعة الثامنة موعد نشرات الأخبار، بل التوقيت اليومي الذي فرضته المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي لانطلاق تنفيذ خطتها الأمنية لحماية مقرّها في الأشرفية. إذ قرّرت المديرية منذ 27 تشرين الأول الماضي، تاريخ حادثة «العدالة في العيادة»، البدء بتطبيق إجراءات خاصة بين الساعة الثامنة مساءً والسادسة صباحاً من كل يوم خوفاً من أي عمل أمني قد يطاول المديرية، سواء أكان رد فعل على «العيادة» أم نتيجة تطوّر أي توتّر سياسي داخلي. فحاصرت الأهالي في مربّعاتهم السكنية مانعةً عنهم الحياة الاجتماعية والاقتصادية.
ولدى سؤال عناصر المديرية عن سبب هذه الإجراءات الليلية وفكّها في ساعات النهار، يأتي الجواب خبيثاً وأبله: «المعلومات التي وصلت إلى فرع المعلومات تفيد أنّ حزب الله، إذا أراد القيام بهجوم لاحتلال المديرية، فسينفّذ هذه العملية في ساعات الليل».
وقد أصدرت المديرية لائحة الممنوعات وباشر عناصرها تطبيقها على جيران المقرّ من دون إعلان أو تفسير مسبّقَين. إضافةً إلى هذه اللائحة التي على المواطن احترامها، اتّخذت المديرية إجراءات سير غريبة في حرمها، إذ تُقفل الطرقات المحيطة بالمديرية: من جهة البرجاوي (ستاد دو شايلا) ومن جهة طريق المتحف، ومن جهة جادة الرئيس إلياس الهراوي. وتتحوّل المنطقة إلى «غيتو» خاص بالقوى الأمنية التي تضيّق ليلة بعد أخرى على جيرانها.

ريفي: نعرف أن أي إجراء أمني هو مصدر إزعاج للمواطن لكن السكان متفهّمون

أما المدير العام لقوى الأمن الداخلي، اللواء أشرف ريفي، عند سؤاله عن هذه الإجراءات، فيجيب أولاً بعبارة «لا تعليق». لكن سرعان ما يؤكد تفهّمه لما يعانيه السكان، فيقول إنّ المديرية «تعرف أن أي إجراء أمني هو مصدر إزعاج للمواطن». يشير إلى أنه التقى عدداً كبيراً من السكان، ويشدد على أنّ «البعض منزعج والبعض الآخر داعم لهذه الإجراءات». يتابع لافتاً إلى أنّ السكان، منزعجين كانوا أو مؤيدين، «هم بأغلبيتهم متفهّمون لهذه الخطوات الأمنية التي هي في الأساس مؤقتة وستزول قريباً إن شاء الله».
تعكس وجهة نظر اللواء ريفي الكثير من الإيجابية لجهة موقف السكان من هذه الإجراءات، لكن في الحقيقة ثمة من القاطنين في محيط المديرية من يصف الحالة بـ«الخنقة». وهذه الإجراءات، بحسب سكان المنطقة، تتطوّر منذ عام 2005، إذ انطلقت الخطة الأمنية مع توقيف الضباط الأربعة، حيث كانت المهمة الأساسية للانتشار الأمني لعناصر فرع المعلومات. وازدادت مهمّات هذه العناصر في الأشرفية مع الرصاصات الأولى لعملية «شارع المئتين» ومن بعدها أحداث مخيّم نهر البارد. ومع توقيف مجموعات من عناصر تنظيم «فتح الإسلام» ونقلهم إلى مقرّ المديرية، ارتفعت نسبة الجهوزية الأمنية في محيط المديرية وازداد حجم انتشار الفرع ووجوده في الشوارع المحيطة بالمقرّ. هذه الإجراءات كلها كانت تقتصر على وجوب نيل السكان تراخيص من المديرية لإيقاف سيّاراتهم، ووجوب تصريح معظم الزوّار عن هوّياتهم. ولم تكن هذه الخطوات تسبب ذاك القدر من الإزعاج لجيران قوى الأمن، لا بل كانت تشعرهم بأنهم محميون وأن أمنهم في عهدة المؤسسات.

وضعت المديرية يدها على عقارات وشيّدت طبقتين من الحاويات

لكن مع تطوّر الوضع السياسي في لبنان أخيراً، نفّذت المديرية في مناسبات عدة عرّاضات أمنية في محيط مقرّها. وسجّلت هذه العراضات يوم 12 أيلول الماضي، يوم الاستقبال السياسي والأمني الذي أقامته قوى المعارضة للواء جميل السيّد في مطار رفيق الحريري الدولي. يومها استنفرت مجموعة من فرقة «الحماية والتدخل» التابعة لفرع المعلومات عند مداخل المقرّ، وتوزّعت آلياتها العسكرية في زوايا المربّع الأمني وانتشر عناصرها بأسلحتهم الرشاشة والمتوسطة في مشهد عكس مدى القلق الذي تعيشه المديرية.
لكن مع حادثة العيادة، تبدّلت الإجراءات كلّياً، وبدأت المضايقات تطاول السكان، فتقفل الطرقات المؤدية إلى المديرية من الثامنة مساءً حتى السادسة صباحاً، وينجو من هذا الإقفال القاطنون في المنطقة حاملو التراخيص اللازمة. وهؤلاء يفتَّشون بدقة مرّتين عند دخولهم بسياراتهم، وتطلب منهم التراخيص وبطاقات الهوية ورخص القيادة ووثائق تسجيل السيارات. أمّا العابرون مشياً، فتُفتش حقائبهم وأكياسهم ويُدقّق في هوياتهم ووجهاتهم وأسماء أصحاب المنازل الذين يقصدونهم. أي إنّ السكان والزوار باتوا مجرّدين كلياً من خصوصياتهم وحرمات بيوتهم.
اللافت أنّ هذه الإجراءات تنفذها مجموعة من «الحماية والتدخل»، التي سبق أن أنذرها الوزير زياد بارود بعدم إقامة متاريس في محيط المديرية. ويؤكد أكثر من مالك وقاطن في المنطقة، أن الأهالي أعدّوا قبل أسبوعين عريضة للاحتجاج على هذه الممارسات، وطلبوا موعداً لتسليم اللواء أشرف ريفي هذه الاعتراضات، إلا أنّ المدير العام رفض مقابلة الأهالي مبرراً: «أعلم ماذا يريدون وعلى ماذا سيحتجّون»، فكان أن نقل مكتب ريفي تمنّيه على الأهالي تحمّل هذه الإجراءات.
الغريب في كل هذه الخطة الأمنية، أنّ قوى الأمن الداخلي تظهر كأنها خائفة على نفسها من أي طارئ أمني، بدل أن تكون هي عنصر الأمان وطمأنينة المواطن. وهو ما يدفع كثيرين من أهالي محيط مدرسة «الليسيه» الفرنسية وجوار مستشفى أوتيل ديو وفندق ألكسندر، إلى الشعور بالقلق والعيش في «نقزة» متواصلة.
يراجع «السكان الأصليون» لهذه المنطقة من الأشرفية سنوات الحرب الأهلية، ويؤكدون أن ممارسات الميليشيات والمسلحين وقذارة الحرب لم تزعجهم بقدر ما تضايقهم اليوم إجراءات المديرية العامة.

انتشار وقضم

عمدت المديرية في الأسابيع الأخيرة إلى إقفال مجموعة من المداخل والزواريب، وخصوصاً في المنطقة الواقعة في شمال ـــــ غرب نطاق المقرّ. حيث أُقفل مدخل مخصص لثلاثة مبان، وآخر مخصص لأربعة، وعمدت قوى الأمن إلى جعل هذه الزواريب مخصصة لسيارات المديرية، العسكرية والمدنية (الخاصة بالاستخبارات). هذه الإجراءات أضرّت بعدد كبير من أصحاب المحال التجارية والأفران الموجودة في هذه الشوارع. حاول هؤلاء إيصال شكواهم إلى الجهات المعنية، لكن حتى اليوم لم تُتخذ أي خطوة تسهم في عودة الحياة الاجتماعية والاقتصادية إلى هذه المحال.

أعد الأهالي عريضة لتقديمها إلى ريفي الذي رفض مقابلتهم

ويمكن القول إنّ المديرية وضعت يدها على المحيط الشمالي للمقرّ، واللافت أنّ المديرية توسّع نطاق انتشارها في جنوب المقرّ، إذ وضعت مجموعة من الحاويات الخاصة بالعناصر، وضاعفت العدد مع تقدّم الإجراءات، بحيث بات في جنوب المديرية حاويات تتوزّع على طابقين.
أكثر الأمور غموضاً أنّ هذا التوسّع في جنوب المقرّ يحصل في عقارات شاغرة، فعام 2005 هُدمت 4 مبان كانت مشيدة فيها بسبب مشروع توسيع الطريق الممتدة من البرجاوي ـــــ سيار الدرك ـــــ جادة الرئيس إلياس الهرواي، مع العلم أنّ مشروع هذه الطريق أطاح أيضاً في العام نفسه المبنى القديم للمديرية. ومع مرّ السنوات، يظهر أنّ قوى الأمن «صادرت» هذه العقارات إذ وضعت فيها الحاويات وعزّزت حمايتها بـ«بلوكّات» من الباطون.
الجديد أنّ المديرية وضعت يدها على موقف للسيارات بمحاذاة الجهة الجنوبية ـــــ الغربية من المقرّ، وأقامت حواجز حديدية، مقلّصة بذلك مساحات وقوف السيارات، وهي مساحة ضيّقة أساساً.
الخطير في سياسة قضم العقارات التي تنتهجها المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، أنها قد تصبّ في إطار توسيع مقرّ القيادة. إذ سبق للمديرية أن ناقشت مشكلة المكان وعدم قدرته على الاستيعاب، ما دفع عدداً من الضباط إلى الإشارة إلى ضرورة استملاك المباني المحيطة بالمقر. ناقشت القيادة هذا الطرح قبل سنوات، لكن ما عرقل الموضوع هو عدم تخصيص ميزانية لإتمام عملية الاستملاك.
وما يثير القلق اليوم هو أنّ تكون هذه الإجراءات الأمنية والمضايقات إحدى خطوات المديرية «لتهشيل» الأهالي من محيط سيار الدرك بهدف وضع اليد على المنطقة بكاملها، وجعلها منطقة عسكرية، بدل أن تناقش القيادة إمكان نقل مقرّها من منطقة سكنية، فيها مدرسة وجامعة ومستشفى وفندق ومحال تجارية، إلى منطقة يمكن المديرية فيها أنّ تنعم بالأمن والسلام.
ويتناقل الأهالي أن المديرية عمّمت على معظم أصحاب المباني ضرورة إعلامها عن شقة تخلو من شاغريها، وهو ما يعني أيضاً أن قوى الأمن تسير في مشروع عسكرة المنطقة.



تبادل الخوف

 

الإجراءات التي تُتخذ في محيط المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي في الأشرفيّة كل مساء، لم تمنع حصول بعض السرقات في الشوارع التي ينتشر فيها عناصر فرع المعلومات وقوى الأمن الداخلي. إذ سُجّلت سرقة بارزة في الأسابيع الماضية، لأجهزة الطاقة الشمسية الخاصة بإحدى الورش التي تقع في المربع الأمني الخاص بالمديرية. وقدّر حصول هذه العملية عند الساعة الثانية بعد منتصف الليل، أي في ظل الانتشار الأمني المكثّف في محيط سيّار الدرك وبوجود عناصره في الأزقة. مع العلم أنّ سعر هذه الأجهزة يتخطّى مبلغ 20 ألف دولار.
وقد أقفلت قيادة المديرية المدخل الخلفي للمبنى، المخصص أصلاً لدخول ضباط قوى الأمن وعناصرها. ويعلّق أحد هؤلاء على هذا الإجراء مشيراً إلى أن «ثمة خوفاً بعضنا من بعض». وتجدر الإشارة إلى أنه في خريف عام 2008، أوقف أحد عناصر حماية المديرية ليتبيّن أنه على صلة بمجموعة عبد الغني جوهر التي اتّهمها القضاء بالانتماء إلى تنظيم فتح الإسلام، وبتنفيذ عدد من التفجيرات التي استهدفت الجيش في منطقة الشمال، أي البحصاص والعبدة والتلّ. وقد ضبطت في حوزة أحد أفراد مجموعة جوهر خريطة لثكنة المقرّ العام ومداخلها، إضافةً إلى تفاصيل تتعلّق بالحراسة والمناوبات والتفتيش.
ومن الملاحظات أيضاً على هذه الخطوات الأمنية، كيف أنّ المديرية غضّت النظر عن الحفريات التي نفّذتها إدارة مدرسة «الليسيه» على طول الطريق الممتدة بين المدرسة وملعب «ستاد دو شايلا». مع العلم أنّ جزءاً من هذه الحفريات لا يزال قائماً منذ نحو عام، من دون أن ترى المديرية في ذلك أي خطر أمني، سواء أتى من فوق الأرض أو من تحتها.


Script executed in 0.040313005447388