أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

المعارضة تنتظر من سليمان «الانحياز» إلى «ثوابته»

الخميس 18 تشرين الثاني , 2010 10:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,646 زائر

المعارضة تنتظر من سليمان «الانحياز» إلى «ثوابته»
نجح الرئيس ميشال سليمان في ان يتحول من خلال كتلته الوزارية الى رقم صعب في الحكومة، معوضا بعض الشيء عن ضآلة الصلاحيات المتبقية لرئيس الجمهورية بموجب دستور الطائف. يستطيع سليمان عبر وزارئه الخمسة ان يرجح كفة على أخرى، او ان يصنع التعادل كما حصل في جلسة التصويت على العقوبات الدولية بحق إيران، أو أن يوزع الأدوار على وزرائه تبعا لمقتضيات اللحظة السياسية.
والأكيد ان عملية «الضم والفرز» التي شهدتها الحكومة في خضم التطورات المتلاحقة منذ تشكيلها، قد ساهمت في منح كتلة الرئيس سليمان قيمة مضافة، ولعل أحد أبرز العوامل التي دفعت في هذا الاتجاه، تمثل في خروج النائب وليد جنبلاط من فريق 14 آذار، مع ما رتبه ذلك من تناقص في عدد وزراء هذا الفريق بعدما انسحب منه الوزراء الثلاثة التابعون للحزب التقدمي الاشتراكي، ليصطفوا في الوسط المائل.. نحو المعارضة.
لكن هذا الحضور المؤثر والمكتسب للرئيس سليمان داخل الحكومة يحمّله في المقابل مسؤوليات سياسية إضافية، ويضعه تحت ضغط المطالب المتضاربة للقوى التي تتكون منها الحكومة، ذلك ان قدرته على الترجيح تدفع الآخرين الى مطالبته بالمزيد تحت طائلة اتهامه بالرمادية والميوعة. بهذا المعنى، يكاد «الموقع التوافقي» الذي اختاره رئيس الجمهورية يصبح عبئا عليه أكثر مما هو متنفس له.
ولعل أزمة شهود الزور هي مثال حي على كيفية تعامل رئيس الجمهورية مع التحديات التي تواجهه. يحاول سليمان ان يمسك هذا الملف من الوسط، محافظا قدر الإمكان على مسافة متوازية من المعارضة المطالبة بإحالته الى المجلس العدلي وقوى 14 آذار المتمسكة بالقضاء العادي، مع حرصه على ان يستظل بفيء التفاهم السوري - السعودي لحماية دوره التوافقي وممارسته حتى الحدود القصوى، برغم الضغط الذي يتعرض له لحسم خياره.
لكن، وإزاء التأخر في ظهور نتائج إيجابية حتى الآن، اضطر رئيس الجمهورية الى ان يبدأ بشراء الوقت من كيس رصيده الشخصي، مراهنا على ان الجهد الثنائي لدمشق والرياض سينجح في نهاية المطاف في بلورة تسوية متكاملة تُبعد عنه وعن لبنان شبح الاختبارات الصعبة.
يعتقد سليمان ان الانحياز الى هذا الجانب او ذاك في مسألة شديدة الحساسية سيؤدي حكما الى إنتاج إحساس بوجود غالب ومغلوب، تحت سقف حكومة تحمل عنوان الوحدة الوطنية ويجب ان تحافظ عليها. من هنا، فهو يفترض ان لجوءه الى اعتماد خيار التصويت لبت الخلاف حول المرجعية القضائية الصالحة للنظر في ملف شهود الزور، إنما سيؤدي تلقائيا الى توسيع الشرخ بين اللبنانيين في لحظة تستوجب رفع منسوب التماسك الداخلي لمواجهة الاستحقاقات الآتية، ناهيك عن ان هذا الخيار يمس صميم الاستراتيجية المتبعة من رئيس الجمهورية والقائمة على سلوك طريق التوافق لمعالجة الأزمات الوطنية، وهي طريق يرى سليمان انها الأضمن في نتائجها ولو كانت ألاطول في مسافتها.
في هذا السياق، يمكن تفهم حاجة سليمان الى إعطاء فرصة التفاهم حول سبل معالجة قضية شهود الزور كل مداها الزمني والسياسي الضروري، إلا ان النقاش يتعلق بتقدير المهلة او المساحة التي يجب ان تعطى لاحتمال التوافق.
من الواضح ان المعارضة تخشى من ان تؤدي مبالغة الرئيس سليمان في «وسطيته» الى ابتعاد الحل وليس اقترابه، لأن الرئيس سعد الحريري لن يجد ضرورة لإبداء أي مرونة في مقاربة ملف شهود الزور ما دام مطمئنا الى ان رئيس الجمهورية لن يغادر الموقع التوافقي ولن يقدم على خطوة حاسمة، تكسر الـ«ستاتيكو» القائم على طاولة مجلس الوزراء، بشأن «شهود الزور».
وعليه، هناك في صفوف المعارضة من ينصح رئيس الجمهورية بأن يكون أشد وضوحا في توجهاته، بعدما يضع قضية شهود الزور في سياق خلفياتها واستهدافاتها الحقيقية، لأن من شأن هذا الوضوح ان يزيد حظوظ التوافق ولا يضر به.
كيف ذلك؟
يعتقد أصحاب هذا الرأي انه في حال حدد رئيس الجمهورية سقفا زمنيا واضحا لمسعى التفاهم، وأبلغ الحريري انه ضاق ذرعا بالانتظار غير المجدي وبات ملزما باللجوء الى التصويت لحسم النقاش، فمن المرجح عندها ان يجد الطرف الآخر ان الافضل له تعديل موقفه المتصلب للحد من خسائره، مدركا ان عدم بقاء سليمان والنائب وليد جنبلاط على الحياد سيخلط الاوراق لغير مصلحته في مجلس الوزراء. بهذا المعنى، يصبح المطلوب «استدعاء» الآخرين الى التوافق لا إقناعهم به، وفي حال عدم الاستجابة، لا بد لرئيس الجمهورية من ان يستخدم، وهو مرتاح الضمير، حقه الدستوري في دعوة مجلس الوزراء الى التصويت.
يستند هذا المنطق الى قناعة سائدة لدى أوساط واسعة في المعارضة وفحواها ان ملف المحكمة الدولية وما يتفرع عنه (القرار الاتهامي وشهود الزور) لم يعد محصورا بالبعد القضائي او الجنائي، بل بات يرتبط ارتباطا وثيقا بأمن المقاومة ووجودها، وينبغي التعامل معه على هذا الاساس، بما يكفل إفهام الخارج المتربص بالمقاومة انه لا يستطيع النيل منها او الانقضاض عليها عبر بوابة المحكمة.
ووفقا لهذا المعيار، فإن هذا الملف الخطير ليس جزءا من المسائل الداخلية التقليدية التي تبرر البقاء على مسافة واحدة من الجميع، بل يُصنف في خانة القضايا الاستراتيجية والثوابت الوطنية التي لا تحتمل التأويل، وتتطلب من رئيس الجمهورية مواقف قاطعة لا لبس فيها، تماما كما هي مواقفه حيال خيار المقاومة والعلاقات مع سوريا، حيث أثبت سليمان في أكثر من مناسبة انه لا يمزح في مثل هذه المسائل، وكم من مرة كان يتدخل بحزم لتصويب المسار لدى محاولة البعض حرفه في اتجاهات مريبة، متخليا عن قفازات التوافق الناعمة، فهل سيخلعها مرة أخرى إذا اقتضت الضرورة، وصولا الى السير بنظرية تعليق الاتفاقية المبرمة مع المحكمة الدولية كونها تمت بشكل تجاوز دوري رئيس الجمهورية ومجلس النواب، ام ان السعودية وسوريا ستوفران عليه خوض هذا الاختبار من خلال الإسراع في إنضاج التسوية المنشودة؟
عماد مرمل

Script executed in 0.038491010665894