لا يخلو لقاء بين أصدقاء أو أقرباء من الحديث عن الغلاء الذي يعشش على رفوف المحال التجارية، حتى بات يشبه في ثباته الحديث عن الطقس أو الصحّة.
في الصورة العامة، يتوزع المواطنون على مجموعتين: أشخاصٌ يصرّون على استهلاك ما اعتادوا استهلاكه «لأنه من المستحيل التوفير في أمور الأكل والشرب والمستلزمات اليومية»، وآخرون يحاولون التوفير على مستوى أغراض كانوا يعتبرونها من «الأساسيات» وباتوا يدرجونها ضمن لائحة «الكماليات».
على هذين الوترين، أي «الأساسيات» و«الكماليات»، يعزف المتسوّقون. فتتكرر صورة السيدة التي تلتقط غرضاً من أحد الرفوف وتعيده إليه بعد تفكير... لربما كان غرضاً من «الأساسيات»، وأضحى جزءاً من «الكماليات».
لائحة المشتريات «تزمّ»
تلفت لور، وهي امرأة عزباء تعيش مع والدتها وشقيقتها، إلى أنها باتت «تختصر» لائحة الأجبان والألبان واللحوم الباردة: «كنت أشتري ثلاثة أنواع من الجبن ومارتديللا وجامبون. حالياً، بت أكتفي بنوعين من الجبن، ولا أشتري أصنافاً أخرى إلا إذا عرفنا أن أولاد أخي سيزوروننا». وتضيف ضاحكة: «كان البرّاد مليان والجيب مليان، أما اليوم فلا البرّاد ولا الجيب..».
مثلها، فرضت أم طارق على لائحة مشترياتها حدوداً، وطردت منها أصنافاً كثيرة كانت تبتاعها بلا تردد: «صحن السلطة، ممكن يقتصر على الخسّ والبندورة.. بلا الخيار، وبلا التنويع بالخضار». إلا أنها سحبت من النقاش الأصناف التي تصنع منها سندويشات أولادها الأربعة، وهم تلامذة: «أعمارهم دقيقة، يعتبر فيها الغذاء أساس الصحة والنمو». ولذلك، تدفع أم طارق ما يقارب المئتي ألف ليرة أسبوعياً، ثمناً للأجبان والألبان وغيرها من الأصناف المخصصة لسندويشات الأولاد.
زيادة ٤٠٪ على الفاتورة الشهرية
مروان هو شاب متزوج، وأب لطفل في الثالثة من عمره. احتسب الزيادة على كلفة مصروف بيته، ووجد أن فاتورة الأغراض الشهرية ارتفعت بنسبة تقارب الأربعين في المئة، خلال سنة واحدة. يقول: «مع بداية كل شهر، نشتري غالبية الأغراض التي نحتاج إليها، فلا نبتاع خلال الشهر إلا التفاصيل اليومية كالخضار والبن والدخان... كنا ندفع حوالى مئة وعشرين ألف ليرة شهرياً، أما اليوم فلا تقلّ الفاتورة عن المئة وسبعين ألف ليرة، أي بزيادة قدرها خمسون ألفاً».
ويشير مروان إلى أن سعر علبة الحليب التي كان يشتريها لابنه عند ولادته، كان أحد عشر ألف ليرة، وقد بات سعرها اليوم ستة عشر ألف ليرة، أي بزيادة نسبتها خمسون في المئة على سعرها المسجّل قبل ثلاث سنوات.
إلا أنه لا يوزع مشترياته ضمن لائحة للأساسيات وأخرى للكماليات، «لأن كل ما يتعلّق بالأكل والشرب لا يمكن أن يكون من الكماليات».
في المقابل، يقول محمد إن لائحة مشترياته «قابلة جداً للاختصار». فتطول لائحة الكماليات لتشمل «أولاً، المشروب على أنواعه، من الكحول إلى المشروبات الغازية بالإضافة إلى أصناف الحلوى ورقائق البطاطا، علماً أنها باتت من الأساسيات بالنسبة إلى جيل اليوم».
في أحد محال التسوّق الكبرى، أمسكت سيّدة ببضعة أكياس نايلون، وراحت تضع حبة واحدة من البندورة في كيس، وحبتين من الخيار في كيس، ... لم يرق المشهد لمتسوقة أخرى، فقالت لرفيقتها: «صرنا مثل أوروبا نشتري بالحبّة، لكن الفارق أن المواطن الأوروبي يتمتع بكامل التقديمات الاجتماعية، أما نحن فلا حقوق لنا».
يلاحظ أحد العاملين في المحل أن «السلّة تفوّقت على العربة»، في مراقبته للمتسوقين. يشرح: «السلّة تعني الاختصار وشراء القليل الضروري.. بينما تعني العربة أن الفاتورة ستقفز فوق المئة ألف ليرة».
يعمل الموظف، برفقة صديقه، خلف براد الأجبان واللحوم. ويتفقان على أن «استهلاك الناس للأصناف الرخيصة والمتوسطة ما زال على حاله، لكن الأصناف الباهظة الثمن لم تعد تلق رواجاً». ولا يعود ذلك، بحسب ملاحظاتيهما، إلى عزوف الطبقة الميسورة عن شرائها، بل إلى تراجع الطبقة الوسطى عن تناولها.
الحذر واجب من «الأرخص»
ربما يستطيع الناس غضّ الطرف عن الدلال، لكنّ التوفير في قاموس عدد منهم بات يشمل «البديهيات» أيضاً، كأنواع الحبوب والمعلّبات والشامبو، ... ما يستدعي تفعيل الرقابة المعرفية على الأصناف الرخيصة. فشامبو ميرنا كان يكلّفها ستة آلاف ليرة، إلا أنها منذ أسبوعين استبدلته بقارورة ثمنها ثلاثة آلاف وخمسمئة ليرة.. فأصيبت بحساسية شديدة، عالجتها بشامبو طبي سعره يناهز الستين ألف ليرة! تقول: «ربما لا يلاحظ المتسوّق ضرر الأصناف الرخيصة مباشرة على جسمه، لا سيما المعلّبات.. لكن لا مفر من بعض التوفير».
لمس أحد أصحاب سلسلة من المحال التجارية الكبرى، «سياسة التوفير التي بات يعتمدها المتسوّقون»، فبات يركّز على العروض الخاصة. ويفاوض عدداً من الشركات، لا سيما تلك التي تبيع المعلبات وغيرها من مكونات الطبخ، لتخضع أصنافها لعرض يكون إما عينياً أو مادياً. يشرح: «يكون العرض مادياً عندما أنصح الشركة بالإشارة على عبوّة منتوجها إلى أن نسبة عشرين في المئة منه تقدّم مجاناً كهدية.. ويكون العرض عينياً عندما تقدّم الشركة عبوة سائل للجلي مجاناً عند شراء عبوتين منه، أو عند شراء عبوة من مسحوق الغسيل». ويضيف، بعدما فضّل عدم نشر اسمه لكون ما أدلى به «يضرّ بتجارتي»: «من حقنا المحافظة على أرباحنا، والتفاوض لتخفيض أسعار البضاعة».
في المقابل، ينفر عدد من المتسوّقين من سياسة العروض، إذ تقول دانيا إن العرض بالنسبة إليها يعني «التسويق لبضاعة سيئة النوعية، وبالتالي غير رائجة فتستدعي التخلص منها».
كيف يدفعون؟
أمام كلفة سندويشــات الأولاد قيمتها مئتا ألف ليرة في الأسبوع، أي ثمانمئة ألف ليرة في الشــهر، كيف يحيا الناس؟ تقول إحدى المتسوقات إنها ستستعين بـبطاقات التــسليف التي تقدّمها المصارف، «إذا اضطررت لأن أؤمن لأولادي نوعيــة جيّدة من الطعام». وإذا كانــت تلك الخطوة تعتبر آخر الدواء بالنسبة إليهــا، فإن ريــهام تدفــع ثمن الأغراض المنزلية بواسطة بطاقتها المصــرفية، «عندما يشارف الشــهر على النهاية». فتكون «مجــبرة علــى دفع فائدة نسبتها عشرة في المئة على ما اقترضته من البطاقــة، إذا تأخــرت في تســديد المبلغ.. وكثيراً ما أتأخّر».
ربما لم تعمّم حالة ريهام بعد، إلا أن أي ارتفاع جديد في الأسعار سيجعلها حالة شائعة.. وعندها، ربما تطرح المصارف قرضاً جديداً أو بطاقة خاصة بالتسوّق المنزلي!
أما الحلول التي تقترحها الدولة لمعالجة الأزمة المعيشية.. فغائبة.
مادونا سمعان
في الصورة العامة، يتوزع المواطنون على مجموعتين: أشخاصٌ يصرّون على استهلاك ما اعتادوا استهلاكه «لأنه من المستحيل التوفير في أمور الأكل والشرب والمستلزمات اليومية»، وآخرون يحاولون التوفير على مستوى أغراض كانوا يعتبرونها من «الأساسيات» وباتوا يدرجونها ضمن لائحة «الكماليات».
على هذين الوترين، أي «الأساسيات» و«الكماليات»، يعزف المتسوّقون. فتتكرر صورة السيدة التي تلتقط غرضاً من أحد الرفوف وتعيده إليه بعد تفكير... لربما كان غرضاً من «الأساسيات»، وأضحى جزءاً من «الكماليات».
لائحة المشتريات «تزمّ»
تلفت لور، وهي امرأة عزباء تعيش مع والدتها وشقيقتها، إلى أنها باتت «تختصر» لائحة الأجبان والألبان واللحوم الباردة: «كنت أشتري ثلاثة أنواع من الجبن ومارتديللا وجامبون. حالياً، بت أكتفي بنوعين من الجبن، ولا أشتري أصنافاً أخرى إلا إذا عرفنا أن أولاد أخي سيزوروننا». وتضيف ضاحكة: «كان البرّاد مليان والجيب مليان، أما اليوم فلا البرّاد ولا الجيب..».
مثلها، فرضت أم طارق على لائحة مشترياتها حدوداً، وطردت منها أصنافاً كثيرة كانت تبتاعها بلا تردد: «صحن السلطة، ممكن يقتصر على الخسّ والبندورة.. بلا الخيار، وبلا التنويع بالخضار». إلا أنها سحبت من النقاش الأصناف التي تصنع منها سندويشات أولادها الأربعة، وهم تلامذة: «أعمارهم دقيقة، يعتبر فيها الغذاء أساس الصحة والنمو». ولذلك، تدفع أم طارق ما يقارب المئتي ألف ليرة أسبوعياً، ثمناً للأجبان والألبان وغيرها من الأصناف المخصصة لسندويشات الأولاد.
زيادة ٤٠٪ على الفاتورة الشهرية
مروان هو شاب متزوج، وأب لطفل في الثالثة من عمره. احتسب الزيادة على كلفة مصروف بيته، ووجد أن فاتورة الأغراض الشهرية ارتفعت بنسبة تقارب الأربعين في المئة، خلال سنة واحدة. يقول: «مع بداية كل شهر، نشتري غالبية الأغراض التي نحتاج إليها، فلا نبتاع خلال الشهر إلا التفاصيل اليومية كالخضار والبن والدخان... كنا ندفع حوالى مئة وعشرين ألف ليرة شهرياً، أما اليوم فلا تقلّ الفاتورة عن المئة وسبعين ألف ليرة، أي بزيادة قدرها خمسون ألفاً».
ويشير مروان إلى أن سعر علبة الحليب التي كان يشتريها لابنه عند ولادته، كان أحد عشر ألف ليرة، وقد بات سعرها اليوم ستة عشر ألف ليرة، أي بزيادة نسبتها خمسون في المئة على سعرها المسجّل قبل ثلاث سنوات.
إلا أنه لا يوزع مشترياته ضمن لائحة للأساسيات وأخرى للكماليات، «لأن كل ما يتعلّق بالأكل والشرب لا يمكن أن يكون من الكماليات».
في المقابل، يقول محمد إن لائحة مشترياته «قابلة جداً للاختصار». فتطول لائحة الكماليات لتشمل «أولاً، المشروب على أنواعه، من الكحول إلى المشروبات الغازية بالإضافة إلى أصناف الحلوى ورقائق البطاطا، علماً أنها باتت من الأساسيات بالنسبة إلى جيل اليوم».
في أحد محال التسوّق الكبرى، أمسكت سيّدة ببضعة أكياس نايلون، وراحت تضع حبة واحدة من البندورة في كيس، وحبتين من الخيار في كيس، ... لم يرق المشهد لمتسوقة أخرى، فقالت لرفيقتها: «صرنا مثل أوروبا نشتري بالحبّة، لكن الفارق أن المواطن الأوروبي يتمتع بكامل التقديمات الاجتماعية، أما نحن فلا حقوق لنا».
يلاحظ أحد العاملين في المحل أن «السلّة تفوّقت على العربة»، في مراقبته للمتسوقين. يشرح: «السلّة تعني الاختصار وشراء القليل الضروري.. بينما تعني العربة أن الفاتورة ستقفز فوق المئة ألف ليرة».
يعمل الموظف، برفقة صديقه، خلف براد الأجبان واللحوم. ويتفقان على أن «استهلاك الناس للأصناف الرخيصة والمتوسطة ما زال على حاله، لكن الأصناف الباهظة الثمن لم تعد تلق رواجاً». ولا يعود ذلك، بحسب ملاحظاتيهما، إلى عزوف الطبقة الميسورة عن شرائها، بل إلى تراجع الطبقة الوسطى عن تناولها.
الحذر واجب من «الأرخص»
ربما يستطيع الناس غضّ الطرف عن الدلال، لكنّ التوفير في قاموس عدد منهم بات يشمل «البديهيات» أيضاً، كأنواع الحبوب والمعلّبات والشامبو، ... ما يستدعي تفعيل الرقابة المعرفية على الأصناف الرخيصة. فشامبو ميرنا كان يكلّفها ستة آلاف ليرة، إلا أنها منذ أسبوعين استبدلته بقارورة ثمنها ثلاثة آلاف وخمسمئة ليرة.. فأصيبت بحساسية شديدة، عالجتها بشامبو طبي سعره يناهز الستين ألف ليرة! تقول: «ربما لا يلاحظ المتسوّق ضرر الأصناف الرخيصة مباشرة على جسمه، لا سيما المعلّبات.. لكن لا مفر من بعض التوفير».
لمس أحد أصحاب سلسلة من المحال التجارية الكبرى، «سياسة التوفير التي بات يعتمدها المتسوّقون»، فبات يركّز على العروض الخاصة. ويفاوض عدداً من الشركات، لا سيما تلك التي تبيع المعلبات وغيرها من مكونات الطبخ، لتخضع أصنافها لعرض يكون إما عينياً أو مادياً. يشرح: «يكون العرض مادياً عندما أنصح الشركة بالإشارة على عبوّة منتوجها إلى أن نسبة عشرين في المئة منه تقدّم مجاناً كهدية.. ويكون العرض عينياً عندما تقدّم الشركة عبوة سائل للجلي مجاناً عند شراء عبوتين منه، أو عند شراء عبوة من مسحوق الغسيل». ويضيف، بعدما فضّل عدم نشر اسمه لكون ما أدلى به «يضرّ بتجارتي»: «من حقنا المحافظة على أرباحنا، والتفاوض لتخفيض أسعار البضاعة».
في المقابل، ينفر عدد من المتسوّقين من سياسة العروض، إذ تقول دانيا إن العرض بالنسبة إليها يعني «التسويق لبضاعة سيئة النوعية، وبالتالي غير رائجة فتستدعي التخلص منها».
كيف يدفعون؟
أمام كلفة سندويشــات الأولاد قيمتها مئتا ألف ليرة في الأسبوع، أي ثمانمئة ألف ليرة في الشــهر، كيف يحيا الناس؟ تقول إحدى المتسوقات إنها ستستعين بـبطاقات التــسليف التي تقدّمها المصارف، «إذا اضطررت لأن أؤمن لأولادي نوعيــة جيّدة من الطعام». وإذا كانــت تلك الخطوة تعتبر آخر الدواء بالنسبة إليهــا، فإن ريــهام تدفــع ثمن الأغراض المنزلية بواسطة بطاقتها المصــرفية، «عندما يشارف الشــهر على النهاية». فتكون «مجــبرة علــى دفع فائدة نسبتها عشرة في المئة على ما اقترضته من البطاقــة، إذا تأخــرت في تســديد المبلغ.. وكثيراً ما أتأخّر».
ربما لم تعمّم حالة ريهام بعد، إلا أن أي ارتفاع جديد في الأسعار سيجعلها حالة شائعة.. وعندها، ربما تطرح المصارف قرضاً جديداً أو بطاقة خاصة بالتسوّق المنزلي!
أما الحلول التي تقترحها الدولة لمعالجة الأزمة المعيشية.. فغائبة.
مادونا سمعان