أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

القرار الاتهامي الدولي: كل لبناني شريك في الجريمة

الأحد 21 تشرين الثاني , 2010 10:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,685 زائر

القرار الاتهامي الدولي: كل لبناني شريك في الجريمة
منذ سبعين شهراً ولبنان يجلد ذاته باسم العدالة الدولية.
شطر الاستثمار الدولي للجريمة البلاد وشعبها قسمين متواجهين: أحدهما مدعٍ غير ذي صفة والثاني مدعى عليه بغير وجه حق.
ضرب الغلط ركائز الدولة وأفرغ مؤسساتها من مضمونها الجامع: هشّم الرئاسة الأولى وعطل الحكومة بعدما خسرت صفتها التمثيلية الموحدة. شق الشعب وفرزه طوائف ومذاهب مصطرعة.
دمر الغلط العلاقة مع سوريا. أفسدت الهتافات المعادية الهواء. جاءت «الدول» بأجهزة التنصت على نبض الأشقاء ولهفة الشوق إلى التلاقي.
فتح التحقيق أبواب لبنان (المفتوحة أصلاً) لكل أنواع التدخل وفي مختلف جوانب حياته. وصل اهتمام اللجان الدولية إلى أرحام النساء. صار السفراء أخطر من مجلس الوزراء مجتمعاً. صارت واشنطن أقرب من دمشق. وصارت إسرائيل في موقع المدعي العام. صار جاك شيراك المطارد في بلاده باتهامات شتى ولي الدم. صار جورج بوش سفاح العراق وأفغانستان ووحدة السودان وصاحب القرار بمد حرب تموز الإسرائيلية على لبنان مرجعاً للعدالة. صار تيري رود لارسن المزوّر والمشبوه والناظر الإسرائيلي للقرار 1559 شاهد إثبات على استمرار المقاومة في مقاومتها.
... وها هم اللبنانيون ينطوون داخل مخاوفهم وهم يترقبون إصدار القرار الاتهامي وكأنه زلزال سيدمر كيانهم الصغير ويخلخل أركان دولتهم المتهالكة: من كان يفترض ان القرار سيكون المدخل إلى انتصاره السياسي بدأ ينتبه من غفلته ويدرك ان الكلفة أثقل من أن يستطيع دفعها، ومن كان يفترض أن القرار يهدف إلى إكمال الحصار لحساب إسرائيل وكتعويض عن هزيمتها يستعد للحرب على القرار باعتباره امتداداً للحرب الإسرائيلية في تموز 2006.
ليست مبالغة القول ان اللبنانيين يؤخذون إلى تصادم لن يخرج أحد منه سليماً. لا مجال لانتصار العين على العين، وأين موقع القلب في صدام داخل الصدر الواحد؟
كيف يمكن لشعب ان يواصل حياته في دولة واحدة وبعضه يتهم بعضه الآخر بالتواطؤ مع عدو الأخوين عليه، بينما الطرف الآخر يتهم شريكه باستخدام سلاحه الذي أنجز الانتصار في جرائم الاغتيال المثيرة للفتنة والتي قد تذهب بالوطن جميعاً؟!
على امتداد سبعين شهراً ولبنان ممزق بالتسريبات والأخبار المفبركة والتحقيقات على الطلب، مرمي في سوق الاستثمار الدولي يمكن لكل دولة أو جهة ان تأخذ منه وفيه ما يفيدها في أغراضها ومصالحها ومعاركها ضد من ترى فيهم خصوماً: داخله مفتوح بالكامل، والخارج يعبث بكل مقومات تكوينه. أرشيف وزارة العدل صار مشاعاً. المحفوظات الأمنية صارت في حوزة من سوف يستخدمها ضد شعبه. المجلس النيابي مشروخ بالخلاف السياسي. الحكومة معطلة بشهود الزور والتزوير. نجحت حكومة الوفاق الوطني في تجسيد المثال الحي للعدالة فإذا هي عمياء فعلاً.
ان أي قرار اتهامي سوف يصدر عن لجنة التحقيق الدولية سيكون ـ بغض النظر عن النص والسند القانوني ـ قراراً دولياً بأن الشعب اللبناني ليس شعباً واحداً ولا تدل هويته على الانتماء إلى دولة واحدة، بل إن هذه الأقوام المتباغضة هي مجموعات من القبائل والعشائر والطوائف والمذاهب المقتتلة، والتي لا يجمعها جامع من الوطنية أو الموقف الموحد من العدو والاحتلال ولا من الدولة ومؤسساتها.
بهذا المعنى سيقول القرار، وإن لم يكتبه بالنص، ان كل لبناني شريك في الجريمة.. البعض قد يكون شارك في ارتكابها، وبعض آخر في استثمارها ضد أخيه... وهكذا لا يبقى في خانة المستفيد من الجريمة إلا إسرائيل وإلا مشروع الهيمنة الأميركية بالفتنة ـ متكافلين متضامنين ـ وبإعادة المنطقة العربية جميعاً إلى حظيرة «الاستعمار» بنسخته الامبريالية المعدلة!
ان إطالة أمد التحقيق، وتبدل لجان التحقيق والمحققين، وصولاً إلى المحكمة الدولية وإجراءاتها والمدعي العام فيها، قد أبقت لبنان ممزقاً حتى ومرمياً في سوق الاستثمار الدولي حتى تعفنت مؤسساته الرسمية والاجتماعية وتسممت وشائج القربى وروابط الأخوة بين أبنائه، فصار مؤهلاً لإنتاج الفتنة الطائفية والمذهبية وتصديرها ومن ثم استيرادها وإدخالها في المقاصة التي يتقن مصرفيوه فنونها جميعاً.
لقد استنقع وضع لبنان ففسد فيه الهواء. خان الصديق صديقه وأنكر الأخ أخاه، وانتقل كل بعائلته بعيداً عن ذوي قرباه حتى لا يتهم بهم.
تهرأت الروابط الإنسانية وتم تسميم الهواء. تهاوت القيم، حل النفاق محل الشهامة وصدق الأخوة. صار بين اللبناني والآخر محقق دولي يتنصت عليه تمهيداً لمحاسبته على نواياه التي لم يعبر عنها ولم يمكنه بالتالي من تسجيلها ليستخدمها دليلاً في إدانته.
صار لحلف الأطلسي موقف من الجريمة. فبعدما أكد الشراكة الكاملة مع إسرائيل، وأعلن استعداده للتدخل لفرض «السلام» أفتى بضرورة استمرار التحقيق وبضمان ان تؤدي المحكمة الدولية عملها كاملاً وإلا...
ووجد في لبنان مراجع تشغل مواقع يفترض ان تكون جامعة ومرشدة لا تتورع عن القول ان المحكمة أهم من الاستقرار.
وانحاز كل من صالح العدو الإسرائيلي بشروطه إلى المحكمة بأمل ان تضرب المقاومة في لبنان فيرتاح من احتمال ان يشتد ساعد المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي في المنطقة جميعا.
باع البعض العدالة بأمنه الشخصي، وباعها بعض آخر بأمن نظامه.
صار لبنان العالم جميعاً. ازدحمت في مساحته الضيقة الدول بمصالحها وتناقضاتها. سممت هواءه. شاركت العائلة فراشها في المنزل. واصلت بثها الحي على مدار الساعة. يكتب الكاتب في المانيا، ينقل الناقل في الكويت، يترجم المترجم في فرنسا، يعرب الترجمة تحرير في بيروت، ثم يعاد البث من بيروت إلى سائر العواصم. تتحول الكذبة إلى خبر والخبر إلى سبق صحافي والسبق الصحافي إلى دليل إثبات... ومع ذلك يتم إنكار ما لا ينكر: شهود الزور!
لم يحصل في التاريخ ان جلد شعب نفسه كما يجلد اللبنانيون أنفسهم منذ خمس سنوات وبضعة أشهر. لقد حاصروا أنفسهم بأنفسهم، شهَّر الكل بالكل، أسقط البعض وطنية البعض الآخر، تواطأ الكل على تهميش الدولة... ثم انصرفوا إلى أكل لحوم بعضهم البعض بشهية مفتوحة.
ها هم اللبنانيون يقتربون الآن من لحظة الحقيقة: انتفت عنهم صفة الشعب الواحد. أسقطت عن كيانهم صفة الدولة. فتحت أمامهم أبواب الجحيم، وها هم يدفع بعضهم بعضاً نحو نارها متوهماً انه سيكون الناجي.
لقد اصدر اللبنانيون قراراتهم الظنية ضد بعضهم البعض.
... وها هو لبنان كله قيد المحاكمة وليس بعض أبنائه على وجه التحديد.
وبغض النظر عن ماهية «الحكم القضائي» الذي قد يصدر ذات يوم فإن حكماً آخر معنوياً قد صدر بالفعل ضد لبنان باعتباره الشعب الذي لا يعرف كيف يحفظ شهداءه، ولا يعرف كيف يحمي أحياءه.

Script executed in 0.038416147232056