أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

نكات التقطها الرادار

الأربعاء 24 تشرين الثاني , 2010 12:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,893 زائر

نكات التقطها الرادار
 
كما رافقت انطلاقة عمل الرادار ولادة باقة من النكات، تم تداولها عبر الإنترنت، على شكل أسئلة مواطنين تجيب عنها وزارة الداخلية.
وفي هذا السياق، يمكن توزيع الأسئلة على خانات:
منها ما يهدف إلى تسخيف الرادار وتجريده من هالة «القانون»، ليضحي «بشرياً» خاضعاً كسواه لأهواء الفرد. مثال عن ذلك، الأسئلة التالية: هل يجب أن يكون شعري مصففاً والمكياج كاملاً في أثناء التقاط صورة المخالفة؟ هل يصلح استعمال صورة المخالفة لجواز السفر؟ أنا لا أبتسم أبداً وأظهر عابسة في الصور كأنني «شامّة ريحة»، هل تستطيعون مساعدتي؟
ومن الأسئلة، ما يسعى للتأكيد على الاستمرار في المخالفة، وكأنها جينية يعجز صاحبها عن التخلي عنها، أو موقف شخصي يأبى المواطن الصالح التراجع عنه. ومثال عنها: ماذا يحصل إذا سجلت رقماً قياسياً في السرعة على رادار معين؟ أنا معروف أني أقود بشكل همجي، وأنا أعلم مسبقاً أنني سأسجل مخالفتين في اليوم على الأقل، هل من طريقة سهلة لتسديد المخالفات؟ هل كثرة التصوير على الرادارات تؤثر على إمكانية إنجاب الأطفال؟
أما العينة الثالثة من الأسئلة فتستبق المصير الذي سيلاقيه الرادار: لدي ورقة من عميد في الوزارة تمنع أي دركي من تحرير مخالفة في حقي، وقد تعرض الدركي الذي «يتيّس» لأشد العقوبات سابقاً، فكيف سيتعامل الرادار اليوم مع هذه الورقة؟
ومن الإجابات التي اقترحها مروّج الرسالة الإلكترونية، يتضح أنه بدوره «ابن بلد»، يفهم الأسباب والدوافع، ويتعامل معها بما تستأهله. فتتشح الإجابات بكثير من السخرية المرحة التي تطال، في آن، المواطن الساعي للتفلت، والدولة التي تفرض قانوناً متجاهلة حالها. فتمنى على السيدة التي تحمل ورقة الإعفاء أن تبرزها «من خارج نافذة السيارة في أثناء التقاط الرادار لصورة المخالفة، ونحن نهتم بالباقي». كما عرض توطين المخالفات في مخفر أو في «الداخلية» على المهتم بآلية الدفع. وتم فرز عنصر من قوى الأمن الداخلي للسيدة التي «شامّة ريحة» كي يقول لها «تشييز» كلما صادفت راداراً ...
ولذلك أسباب.
فالمخالفة سائدة ضمن الغابة. ومن الناس من يتحجج بالسائد كي يرفض التصحيح الجزئي، حتى ولو حلّ عند الضرورة القصوى كالموت الكثيف بسبب حوادث السير. ومنهم من يخشى على السائد من التغيير، كي لا ينهار النظام الذي صنعه لنفسه في ظل الفوضى الكبرى. ومنهم من يستعين في تفلّته بالذكريات الكثيفة عن «إصلاحات» أجهضت واتضح أن سببها صفقة إطفائيات صغيرة عقدها نائب أو وزير...
من هنا، تأتي الأسئلة وإجاباتها لتذكّر ببرامج السخرية المنتشرة بكثافة الجنون على الشاشات التلفزيونية المحلية. فقد باتت كلّ شاشة تتسلّح ببرنامج نكات، تضاف إلى برامج حوارية معدّة بأسلوب ساخر، ناهيك عن نشرات الأخبار التي بدورها باتت مساحة قابلة للتندّر، والبرامج السياسية التي بات المضيف فيها صديقاً للضيف، ما يتيح «النكات الداخلية» عن حال البلد.
كان اللبنانيون يروون في زمن سابق عن آلية المصريين في التعامل مع مصائب العيش عبر النكات التي تستهدف حالهم. إلا أن نكات المصريين تطال ثباتهم على السائد أولاً، أما نكات اللبنانيين فتطال القانون أولاً. في الأولى، يعاقب المواطن نفسه على القبول بحال ينقده. في الثانية، يسخّف المواطن صفته كمواطن، من خلال إلغاء القواعد التي يفترض بها أن تنظم الحياة العامة، وتجعله ضمنها مواطناً.
أما على الأرض فيلوح طيف الالتزام بالسرعة القانونية، خشيةً من الرادار، أو، بشكل أدق، خشيةً من كلفة المخالفة. ولا ينفي ذلك وجود مواطنين يشتهون بشدة أن يُعلَن عن قانون ليلتزموا به، وذلك للحفاظ على ماء وجه المواطَنة من جهة، ولحماية الحياة في عروقهم الخاصة وفي عروق الآخرين، من جهة أخرى.
ويبقى التمنّي ألا تتفشى في البلد أخبار عن «مركز قوة» ألغى مخالفة فلان الفلاني، أو ...
فتلك أخبار تكفي وحدها لاستعادة السرعة مكانتها في شوارع يبدو وكأن سكانها يشدّون بأجسامهم نحو الموت أكثر مما يتمسكون بالحياة. حلّ الرادار بعدما مات كثيرون، وأصيب كثيرون، وعلت الصرخة المدنية. إن أفسد النظام محاولة الرمق الأخير هذه، سيسود صمت مصدره اليأس، كما جرت العادة في مختلف القطاعات الحياتية، من الكهرباء مروراً بالماء وصولاً إلى البندورة. سيسود صمت يشبه صمت القبور.. فيخرقه مواطن بزمّور في منتصف الليل، كي لا تظهر الحقيقة، كما نعرفها.

Script executed in 0.039149045944214