أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

لبنان المجد.. أم المستنقع؟

الأربعاء 15 كانون الأول , 2010 04:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,327 زائر

لبنان المجد.. أم المستنقع؟


رغم مرور لبنان بحقبة الحرب الاهلية الدامية التي ضربته طيلة عقد ونصف عقد من الزمن، ورغم تظهير المجتمع السياسي اللبناني صورته كمجموعة قبائل طائفية ومذهبية وعشائرية متناحرة حول السلطة والنفوذ، ورغم انغماس طبقته السياسية في كل انواع وضروب الفساد المالي والسياسي والقضائي والاداري، ورغم وصف اللبنانيين في زمن الحرب وما بعده بالارهابيين من قبل حكومات «العالم الاول» في اميركا الشمالية واوروبا، ورغم انكشاف ازمته المالية كفضيحة العصر التي رمته في دائرة المديونية العامة والعجز المتنامي في خزينة الدولة، لا يزال هذا الوطن الضاربة جذوره في عمق التاريخ يستحوذ على هويته الفريدة في هذه المنطقة المظلمة من العالم الموصوفة “بالعالم الثالث” التي يعتبر الابداع اداتها الوصفية الاولى. 

ليست قوة لبنان في ضعفه كما قيل في السابق، كما انها ليست في قوته العسكرية على تعدد انواعها، ولا هي في قوة موارده الطبيعية وثرواته الاقتصادية، بل هي في نموذجيته كواحة تلاق فكري وحضاري ضمن الواجب الرسولي لهذه النموذجية في محيط تتراكم فيه نمطيات العقل الشمولي الاحادي، وسلوكيات الفرض القسري على مستويات التصرف السياسي والاداري والاقتصادي كافة، وعلى جبرية التفكير في الشأنين العام والخاص. فلو كان موقع لبنلن الجغرافي في مكان آخر كالغرب الاوروبي والاميركي الحالي، لما كانت لفرادته قيمة مضافة على القيم الانسانية والفكرية السائدة في تلك المجتمعات اليوم، ولا سيما ان هذه المجتمعات انغمست طويلا في ظلامية الاقطاع السياسي والديني الكلاسيكي، فيما كان لبنان يطلق تباعاً الابداعات الحضارية قبل بروز الديانات والعبادات والثقافات الايديوليوجية ومعها وبعدها. 

من المعروف ان الامبراطوريات القديمة والحديثة قد مرّت بجيوشها في هذا الوطن الرسالي (نسبة الى تسميته بالوطن الرسالة) من قبل البابا يوحنا بولس الثاني، ونقلت معها عدوى حضاراتها، لكن اللبناني اثبت عبر تلك الحقبات كافة انه قد تعلّم وعلّم كل تلك الحضارات واضفى عليها طابعها اللبناني من دون يذوب فيها وتضمحل هويته، بل اعطى لتلك الحضارات التاريخية هويتها اللبنانية. ولا زالت الاسماء اللمّاعة التي يتحدث عنها سعيد عقل دليلاً ساطعاً على تفوق النموذجية اللبنانية على اعتى الامبراطوريات التاريخية رغم تفوقها عليه في الجغرافيا والديموغرافيا والعسكر والمال. فذهبت كلها واندثرت من الوجود، فيما تمددت امبراطورية رساليته لتخلد على انقاض الامبراطوريات المندثرة. 

ان هذا الواقع التاريخي للبنان في فرادته وعراقته، يدفعنا لا محالة، الى الشعور بالحزن الشديد على حالنا الحاضرة. وهنا نتساءل، لماذا يصر الوسط السياسي اللبناني على المجاهرة بأنه ذو مستوى متدن جداً في الاخلاقية الابداعية على المستويات كافة. ولماذا يصر على اقناع نفسه بالعجز عن التفوق في الميادين الانسانية البعيدة عن همجية الثقافة العسكرية، وفساد الذهنية التجارية الربحية الفارغة من القيم الاجتماعية الفكرية. وهل يعقل ان تتناسى الاجيال السياسية المتعاقبة على السلطة هوية انتمائها العريق للابداع الانساني في ميادين الحياة الراقية لبني البشر. وهل ان افتقادنا لبئر نفطية، او صاروخ بالستي، او اسهم في البورصة العالمية، يجعلنا فاقدي الثقة بقدرتنا على رفع مستوى البشرية جمعاء، والارتقاء بها الى اعلى مراتب القيم الفكرية والنفسية الانسانية. ان معطياتنا التاريخية كأمة منتجة قائدة للمجتمعات، تؤهلنا لممارسة هذه القيادة بقوة تفوق قوة الولايات المتحدة الاميركية التي تخيف بأحجامها السياسية والاقتصادية والعسكرية كل دول العالم. هل يعقل ان نصدق او يصدق سياسيونا ان هذه الامة التي لا يتجاوز عمرها 240 سنة، تتفوق في قيمها على امّة عمرها ستة آلاف سنة. 

نحن قادرون على جعل سياسة لبنان الخارجية اكثر قوة وفاعلية من دبلوماسية الدول الخمس الدائمي العضوية في مجلس الامن الدولي، وذلك ليس لاننا اقوى من تلك الدول على صعيد الجغرافيا السياسية، بل لاننا قادرون على كسر المحرمات الثقافية التي تصادر الحقوق العامة والخاصة، والامكانيات الابداعية التي خصّنا الله بها من بين بنيه، ولان تاريخنا العريق يشهد على ذلك. 

اين سياسة لبنان الخارجية في ما خص القضية الفلسطينية، واين هي في قضية اقليم دارفور، واين هي في قضية تيمور الشرقية، واين هي في قضية العراق. اين سياستنا بالنسبة لمنطقة انطاكيا ومرجعيتنا الحضارية الاولى بالنسبة لانتمائنا الديني واين هي سياستنا الخارجية من قضايا الاقليات والحالات التوتاليتارية والديموقراطية الصحيحة وقضية الارهاب. اين سياستنا الخارجية من ازمة تغيّر المناخ والنظام الصناعي العالمي المدمّر للبيئة وللطبيعة والبشرية في آن واحد، واين هي من الازمة الاقتصادية العالمية وازمات الفقر وانتشار الاوبئة القاتلة والبطالة. اين سياستنا الخارجية من الانقسام الدولي والهيمنة القطبية، واين قضية العدالة والمساواة بين الشمال والجنوب. 

نحن امة اثبت تاريخها قدرتها على قيادة البشرية، فيما يصر سياسيونا على تصويرنا قطعاناً همجية لا تفقه من رقيّ البشر شيئاً، يجب ان نُنْزِل بسياسيينا حكم التاريخ، ولا نجعلهم يقودوننا الى الانحطاط. 

اذا استعدنا دورنا العالمي التاريخي، تصبح ازماتنا الداخلية مسائل بسيطة في اسوأ احوالها، اما اذا فقدنا الثقة باستعادة هذا الدور، فإننا نكون قد اسلمنا الروح الى السياسيين الفاسدين. ولن تقوم بعدها لنا قيامة. 

فليخرج سياسيونا من زواريب السلاح والمحكمة والوظائف ومحاصصة الطوائف، ليدخلونا عصر المجد الانساني اللبناني العريق، والا اسقطناهم في مستنقع محكمة التاريخ. 

Script executed in 0.033630132675171