أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

سالت الدماء في ساحل العاج فرفعت «MEA» أسعار التذاكر!

الثلاثاء 21 كانون الأول , 2010 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,467 زائر

سالت الدماء في ساحل العاج فرفعت «MEA» أسعار التذاكر!

 والآن يبدو أن الفضيحة نفسها تتكرّر، مع تدهور الأوضاع الاقتصاديّة وعدم تمكّن عائلات كثيرة من تحمّل أكلاف العودة إلى بلاد لم تعد تتسع إلّا للسياح وقضاء الإجازات

حسن شقراني

تنحرف الأوضاع السياسية والأمنية في ساحل العاج على نحو مثير للقلق. الأمور لم تكن مثالية أصلاً منذ اندلاع الحرب الأهلية في عام 2002 وانقسام البلد الأفريقي الغربي بين شمال وجنوب. لكن الانتخابات الرئاسية الأخيرة حوّلت المشهد سريعاً إلى دموي بامتياز.
في هذا المشهد المخيف، يجد المغتربون اللبنانيّون أنفسهم في حجر زاوية الإهمال، بل حتّى الاستغلال. فالأزمة الحالية التي يمرّ بها أكبر مصدّر للكاكاو عالمياً تبعث الرعب (المختبر من قبل!) لدى الجميع: كلّ عائلة تتخيّل الرصاص العشوائي والسكاكين المنتشرة في الشوارع واقتحام المنازل والمحالّ التجارية وحتّى المعامل لسرقتها والتنكيل بالأفراد والعائلات. وفي الوقت نفسه، يواجه هؤلاء معضلة الحسابات التجارية والحفاظ على هوامش الأرباح التي لا تمكّنهم من العودة إلى الوطن عبر شركة طيران الشرق الأوسط (MEA).
فوفقاً لما علمته «الأخبار» أمس، رفعت الشركة أسعار تذاكر السفر من أبيدجان إلى بيروت منذ أسبوع، لاستغلال موسم الأعياد ورأس السنة، فيما تسعى عائلات لبنانيّة في ساحل العاج إلى الهرب من الخطر المحدق وتدهور الأوضاع.
فالمشكلة هي أنّ عائلات كثيرة هناك لا تستطيع تحمّل أكلاف السفر، وخصوصاً أنّ الأوضاع الاقتصاديّة ليست كما يعتقد الكثيرون، وتعيش نسبة لا بأس بها من اللبنانيّين الذين يفوق عددهم 70 ألف نسمة، على الحافّة مباشرة.
«مع زيادة الاضطرابات، قرّرت إرسال عائلتي إلى لبنان، فتوجّهت إلى مكتب شركة«MEA» لحجز التذاكر، وفوجئت برفعها مجدّداً»، يقول المغترب اللبناني في البلد الأفريقي، أنور م. بغضب كبير. والأنكى هو أنّ «أيّاً من المكاتب (الخاصة بشؤون السفر) لا يقبل العمل بمبدأ التقسيط أو حتّى الشيكات».
ويوضح أنور أنّ الأسعار ارتفعت نحو 100 دولار أخيراً، حيث أصبحت تذكرة الذهاب والإياب 600 ألف فرنك (CFA BCAO Francs)، أي ما يساوي تقريباً 1200 دولار.
في المقابل، خفضت الخطوط الجوية المغربية أسعار رحلاتها ليُصبح سعر التذكرة إلى بيروت مروراً بالمغرب (Escale) مساوياً تقريباً لنصف كلفة التذكرة على خطوط «MEA».
لهذا، لجأ أنور م. إلى الشركة المغربية للحجز، موفّراً نحو ألف دولار على تذاكر عائلته، بعدما كانت الرسالة قد وصلته جيداً من مكتب الشركة اللبنانيّة، وتقول: «الموسم الآن هو موسم تزلّج وسياحة!». ويتابع: «أنا قادر على أن أرسل عائلتي، لكن هناك من يتقاضى راتباً بقيمة 1500 دولار وليس قادراً على تسديد ثمن بطاقات السفر، فماذا يفعل؟ هل ينتظر أن يصلوا إليه في منزله ويذبحوه؟».
واللافت هو أنّه منذ أقلّ من شهرين تقريباً، كانت الأسعار بين جميع الشركات متقاربة جداً، بل حتّى متساوية (هناك أيضاً الخطوط الجويّة التونسيّة). فقد حجزت المغتربة اللبنانيّة آمال م. تذكرة سفر ذهاباً وإياباً بقيمة 465 ألف فرنك (CFA) حينها (930 دولاراً).
وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ الفارق بين تذكرتي «ذهاب ـــــ إياب» و«ذهاب» لا يمثّل كثيراً من السعر الإجمالي، حيث يبلغ 100 دولار فقط.
أمّا الآن، فيما يزيد معدّل الفرار من البلد المضطرب، حيث سافر نحو 90% من الفرنسيّين (وفقاً لتقديرات لم يُتأكّد من صحتها) تسهّل الخطوط المغربيّة على رعايا بلادها في ساحل العاج إمكان الرحيل وتُرسل طائرات تعرض على من يريد الرحيل بأسعار منخفضة جداً أو حتّى مجاناً في بعض الحالات. لكن الشركة اللبنانيّة ترفع الأسعار على اللبنانيين بهدف استغلالهم.
والخطير هو أنّ الأوضاع في البلاد متّجهة أكثر صوب التأزّم وفقاً لما تُنبئ به التطوّرات. فمن جهة، هناك أخبار من الداخل عن أنّ الرئيس المنتهية ولايته والمتشبّث بالحكم، لوران غباغبو، يُحضر مرتزقة من ليبيريا للقتال، فيما يبدو أنّ الرئيس المنتخب (وفقاً للأرقام الرسميّة) الحسن واتارا، يزيد من تجهيزاته، وخصوصاً أنّ المخيّم العسكري الذي يدعمه في الشمال هو على حدود بلدان ممكن إمرار السلاح عبرها.
«لا أحد يعلم ماذا يمكن أن يحدث تحديداً، لكنّه سيئ في جميع الأحوال» يتحدّث أنور م.، فالأمور يُمكن أن تتدهور كلياً لتتحوّل إلى جولة سفك دماء جديدة في إطار الحرب الأهلية المستمرّة منذ 8 سنوات بأشكال مختلفة.
والأكثر خطورة هو أنّ هذه الجولة مرجّحة أن تمسّ الجالية اللبنانيّة، وحتّى الآن سُجّلت حوادث مختلفة تعرّض فيها عاجيّون غاضبون للبنانيّين في نتيجة مباشرة للتطوّرات السياسية الأخيرة، التي أدّت مواجهاتها إلى مقتل 50 شخصاً منذ إجراء الانتخابات الرئاسيّة في نهاية الشهر الماضي بعد تأجيل مرير، والتي فرّ بنتيجتها نحو 5 آلاف شخص من العاجيين إلى البلدان المجاورة.
وتُذكّر أوضاع اللبنانيّن بما حدث قبل 6 سنوات، حين اصطدم «النظام العاجي» مع الوصاية الفرنسيّة التي يخفت نجمها على نحو حاد. حينها، سارع اللبنانيّون إلى حجز التذاكر للهرب، لكنهم وقعوا في فخّ رفع أسعار التذاكر.
«في عام 2004، كان الوضع أكثر سوءاً، فلم نكن نستطيع التحرّك، هرب كثيرون (من المغتربين اللبنانيّين)، لكن هناك عائلات بقيت مرغمة لغياب تسهيلات السفر، بل حتّى رفع الأسعار!» يقول بغضب التاجر اللبناني سامر ز. ويتابع: «لا أحد يسأل عنا، وكلٌّ يعمل لمصلحته. فهناك مغتربون كثر لن يستطيعوا إرسال عائلاتهم إلى لبنان. ففي ظلّ تراجع الأعمال لن يستطيعوا أولاً تحمل أسعار البطاقات، وثانياً حتى لو تمكنوا من جمع كلفة السفر، كيف سيُعيلون عائلاتهم في البلاد ومنازلهم في بلد المهجر في الوقت نفسه... الأوضاع لم تعد كما كانت عليه من حيث الرخاء، فزمن البحبوحة ولّى، وكثيرون غير واعين لهذا التحوّل».
يوازي هذا الإهمال الرسمي اللبناني لأبنائه في المهجر تغنّي النظام اللبناني بتحويلات المغتربين التي يتوقّع البنك الدولي أن تفوق 8 مليارات دولار خلال العام الجاري، وأسهمت على نحو أساسي في تحقيق فوائض في ميزان المدفوعات ورفع احتياطات المصرف المركزي من العملات الأجنبية إلى 30.85 مليار دولار أخيراً، علماً بأنّ هذا المصرف يملك أكثر من 98% من أسهم«MEA»... إنّه التناقض اللبناني بعينه.


%40

القوّة الاقتصاديّة للمغتربين اللبنانيّين في ساحل العاج، وفقاً للأرقام المحافظة التي طرحها أخيراً رجل الأعمال والمستشار الاقتصادي والسياسي في البلد الأفريقي، رولان داغر. ففي قطاع الصناعة تصل حصّة اللبنانيّين إلى 50% تقريباً من النشاط الكلّي


الأسعار نفسها حتّى الإجلاء

فيما يتساءل اللبنانيّون في ساحل العاج: «لماذا نواجه هذا الاستغلال من جانب «MEA» في أوقات الأزمات؟»، ينفي رئيس مجلس إدارة الشركة محمد الحوت (الصورة) أن تكون أسعار التذاكر من أبيدجان إلى بيروت قد ارتفعت أخيراً، ويقول لـ«الأخبار» إنّ «الشركة حدّدت الأسعار منذ 4 أشهر ولم تُزَد منذ حينها». ويُشدّد على أنّ «أسعار تذاكر الرحلات التجارية ستبقى هي نفسها» مهما حدث «إلّا في حال خيار الإجلاء. فحينها يكون الوضع مختلفاً»، أي إنّ كلفة عودة اللبنانيّين ستترتّب على الدولة، التي ستُراعيها الشركة بالأسعار، لكون الوضع كارثة وطنيّة!

Script executed in 0.027091979980469