أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

حل وشيك أم إضاعة المزيد من الوقــــت؟

الثلاثاء 21 كانون الأول , 2010 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,448 زائر

حل وشيك أم إضاعة المزيد من الوقــــت؟

يتلقّى أحد السياسيين المحليين اتصالاً من مكتب الرئيس سعد الحريري، ويسمع من يقول له إن موعده مع رئيس الحكومة قد تحدّد، فيجيب: «كنت قد طلبت موعداً قبل الانتخابات النيابية (عام 2009)، ولكن الآن لم يعد لدي ما أقوله، ولا أرغب في سماع أي شيء من دولة الرئيس». وبعد دقائق يتلقّى السياسي نفسه اتصالاً من رئيس الحكومة شخصياً، الذي يطيّب خاطره ويدعوه إلى لقائه.
خلال لقاء هذا السياسي مع رئيس الحكومة الذي كان يتأهب لزيارة العاصمة الإيرانية طهران، طلب الحريري من السياسي المحلي فتح قناة اتصال له مع العاصمة السورية، فيجيب السياسي بأن علاقته بسوريا مقطوعة منذ أعوام، وأنه لا يملك مدخلاً، ولكن نزولاً عند إصرار رئيس الحكومة سيقوم بجهده. وفعلاً يفتح السياسي الخط القديم الذي كان يربطه بأحد القياديين الرسميين في الدولة السورية، وينقل إليه طلب سعد الحريري. وبعد مراجعات يأتيه الجواب أن بثينة شعبان تفضّل عدم الإجابة على اتصالات مدير مكتب سعد الحريري نادر الحريري، وأن اللواء رستم غزالي ليس لديه ما يقوله لوسام الحسن، وأن الرئيس السوري قال موقفه في سوريا ولاحقاً في باريس، حين أعلن رداً على مراجعات المعنيين السوريين أن سعد الحريري يضع أمامنا التزامات على نفسه، ثم يتراجع عنها، وإن كان الأمر لالتقاط الصورة الرسمية فلا وقت لذلك، وإذا كان لديه جديد يقوله لنا فأهلاً وسهلاً به، ولكن خلاف ذلك فلا.
إذاً الخط المباشر الذي يجمع العاصمة السورية بحل الأزمة اللبنانية عبر رئيس حكومة لبنان مقطوع حالياً، وهو مفتوح عبر المملكة العربية السعودية.
لكن، من ناحية أعلى مرجع في الدولة، فقد انتقل هذا المرجع إلى العاصمة السورية مستخدماً المروحية خلال العاصفة الثلجية التي ضربت لبنان، في زيارة خاطفة، وبقيت من دون إعلان. وحينها، بحسب ما ينقل بعض من يعرفون بواطن الأمور في دمشق، لم يبد أعلى مرجع لبناني أي مانع من التصويت إلى جانب المعارضة اللبنانية في مجلس الوزراء لإحالة ملف شهود الزور على المجلس العدلي، ولكنه استغرب الإجابة السورية بأنه ما من داع لذلك حالياً.
ومن يعرفون بواطن الأمور ويطّلعون على المعطيات المتداولة في دمشق يتحدثون عن انتهاء جانب أساسي من التسوية بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية من جهة، ودمشق، وبنسبة أقل مع طهران، التي يكفي فتح باب التفاوض الضمني معها لتشهد المنطقة انفراجات.
ويقول هؤلاء إن الجانب اللبناني من التسوية قد أُنجز، وإن دفع الأمور إلى خواتيمها سيستغرق أياماً عدة فقط، وإلى ما بعد الأعياد حتى ينتهي التفاوض على جوانب أخرى من الاتفاق، وهي الجوانب الأكثر حساسية، من ملف العراق، إلى ملف السلطة الفلسطينية، ووضع الرئيس الفلسطيني محمود عباس وإعادة الشرعية إلى وضعه، وبدء البحث مجدداً في وضع غزة، إضافة إلى ملفات أخرى كالسودان وأفغانستان ووضع قوات الاحتلال هناك.
يضيف هؤلاء أن الاتفاق اللبناني ينتظر فقط توقيع سعد الحريري على مضمونه، أو بالأحرى استدعاء المملكة العربية السعودية لابنها سعد الحريري وإطلاعه على تفاصيل ما اتُّفق عليه، والطلب منه السير في الاتفاق، وبعدها يمكن أن نسمع صوت سعد الحريري من بيروت يقول: «أنا سعد رفيق الحريري أرى أن أي قرار اتهامي يشير إلى حزب الله مباشرة أو مداورة في عملية اغتيال والدي هو قرار مسيّس إلخ إلخ». يتابع: «استشهد والدي من أجل لبنان، وأنا أرفض القرار الاتهامي من أجل لبنان».
أو، منعاً لمزيد من الإحراج، يمكن مع عودة الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز إلى السعودية أن يعوده الحريري، وهناك تُعلن تباشير حلّ في بيان رسمي.
ومن النقاط التي يبدو أنه اتُّفق عليها، أو على وشك الاتفاق عليها، كيفية التعامل مع مقررات حكومة الرئيس السابق فؤاد السنيورة، وإيجاد آلية لاعتبارها قرارات نافذة ولا اعتراض عليها، إضافة إلى التعيينات والتشكيلات وغيرها من الأمور التي ستعطى لسعد الحريري مقابل إعادة النفوذ السياسي الفعلي لسوريا إلى لبنان، بمباركة سعودية وموافقة أميركية، ويكون عندها سعد الحريري قد حصل للمرة الأولى على موافقة على ممارسته دور رئيس الحكومة وإن بشروط وقيود.
ويقول هؤلاء إن سعد الحريري الذي يعلم أن الأمور في لبنان راكدة بانتظار انتهاء الاتفاق دولياً، ويعلم أن الولايات المتحدة لم تقرر بعد الموافقة على هذه التسويات، يرى أن اليوم هو الوقت الأفضل لتحسين شروطه، فيشنّ الهجمات الإعلامية على حزب الله وعلى رئيس تكتّل الإصلاح والتغيير ميشال عون، ثم يهادن ليومين ويشيع أجواءً من الاسترخاء، قبل أن يعود ويشنّ نواب من كتلة المستقبل هجمات على وزير الطاقة جبران باسيل، في إطار تنغيص حياة عون، وطمعاً في إشاعة جوّ مفاده أن سعد الحريري لا يريد جبران باسيل في أية حكومة مقبلة، ثم يتراجع الحريري، ويكون ثمن التسوية مع عون إقصاء شربل نحاس وعدد من الوزراء المزعجين الذين لا يكفّون عن الاعتراض على سياسات الحريري وفؤاد السنيورة، مقابل إقصاء القوات اللبنانية ووزير الدفاع الحالي الياس المر.
ويشير بعض من في تيار المستقبل إلى أن بداية الانفراجات أتت مع خطاب الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله ليلة العاشر من محرم وكلمته يوم المسيرة العاشورائية، حيث أعلن بعدها عدد من نواب المستقبل رؤيتهم الإيجابية للخطاب، بينما رأت فيه أطراف أخرى في قوى 14 آذار تهديداً مباشراً لدورها، إذ رأت أن القراءة الإيجابية للخطاب من قبل تيار المستقبل والتمهيد لحل إقليمي يعنيان نهاية دورها في المعطى المحلي، واختفاء مكاسبها الوزارية ولاحقاً النيابية.
إلا أن ما بناه المستقبليون على إيجابية في خطاب نصر الله مثار استغراب لدى من يعرفون القراءة والتحليل في حزب الله. فالأمين العام لم يكن أكثر سلبية ولا أقل إيجابية من مرات ماضية رفع فيها إصبعه ملوّحاً بوجه من يحاول تلويث المقاومة بجريمة اغتيال رفيق الحريري.
فأولاً: أشار الأمين العام لحزب الله بإصبعه إلى مجلس الوزراء المنعقد حينها بالقول إنه يحاول تغطية شهود الزور، في اتهام مباشر لرئاسة الحكومة ووزراء الأكثرية النيابية.
ثانياً: أعلن الأمين العام أن المحكمة عبر كبار شخصياتها غارقة في الفساد والرشى، ولديه الأدلة، وسرّيتها أمر خرافي؛ فوثائقها بيعت في السوق السوداء، وبالتالي أنزل مرة أخرى ضربة قاسية بالصدقية التي يقال إن المحكمة تتمتع بها.
ثالثاً: حين تحدث عن رفض الفتنة، لم يقل إن ذلك سيحصل بالسكوت عن مفتعليها، بل إن ضرب الفتنة يكون عبر ضرب مسبّبيها.
رابعاً: أتى الخطاب فقط بنقطتين إضافيتين، لأن المدى الزمني للنزاع مفتوح، وفي الوقت الطويل الباقي سيعلن في كل مرة الأمين العام للحزب المزيد من النقاط، كي لا يُسعّر النزاع ولا ينعكس المزيد من التحريض والتوتر على الأرض. فالأمين العام قدّم نقطتين فقط هما التغطية على شهود الزور وفساد التحقيق الدولي. وبالتعبير العسكري، فإنه رمى طلقة كي لا تحمى فوهة البندقية ويحترق الشارع.
خامساً: في رؤية قيادة حزب الله إن القرارات الدولية هي تمهيد لتغييرات تريد القوى العظمى إحداثها، وعادة ما تكون تغييراً في الأنظمة، كالعراق مثلاً، والمحكمة الدولية بشأن دارفور في السودان، وغيرهما، ومن ثم يجري الدخول من القرارات الدولية لجعل التغييرات أمراً واقعاً، كغزو العراق، وكالاستفتاء في السودان، وهنا لا يشذّ لبنان عن هذه المنظومة.
سادساً: تعلم قيادة الحزب أن ما يُنهي المحكمة ليس موقفاً من الحكومة اللبنانية ولا من رئيسها، بل قرار دولي آخر يُتّخذ لنقل الواقع من مكان إلى آخر. ولكن المحكمة اليوم في حالة المرض، بعد أن بدأ هجوم حزب الله عليها منذ أشهر، فانتقلت من حالة الشباب والصحة إلى مرحلة المرض، بانتظار أن تصبح في حالة العجز، وإلزام الأطراف الحاضنة لها باتخاذ موقف واضح للدفاع عن القرار الاتهامي أو التخلي عنه.
سابعاً: في سياسة العقاب من جنس العمل التي يتّبعها حزب الله، فقد رُدّ على محاولة تشويه صورة المقاومة (من أموال الولايات المتحدة وصولاً إلى القرار المرتقب للمحكمة الدولية) عبر مجموعة المعطيات التي أُفرج عنها تدريجاً، من ارتشاء غيرهارد ليمان وديتليف ميليس وبيع الأول وثائق رسمية، وصولاً إلى ما سيكون من ويكيليكس لبنانية. وقد اعتمدت المقاومة سياسة التدافع في هذا الحدّ، وتأكدت في الوقت عينه من بقاء وضعها (وخاصة العسكري القتالي مقابل العدو الإسرائيلي) محصّناً وبعيداً عن المخاطر السياسية.
ثامناً: إن قيادة المقاومة تعلم أن موقع سعد الحريري يضعف يوماً بعد يوم، وأن انتظاره للقرار الاتهامي قد يطول، بحسب التسويات الدولية، إضافة إلى أن القرار الاتهامي سيصدر مستنداً إلى ما نشر سابقاً في الصحف الدولية، وبحسب ما أعلن الأمين العام لحزب الله، وبالتالي فإن الوقت الضائع قد لا يأتي لرئيس الحكومة بما يريح أعصابه في نهاية النفق.
تاسعاً: إن إضاعة المزيد من الوقت أصبحت على حساب الأطراف الأكثر ضعفاً في المعادلة لدى قوى 14 آذار، وفي ظل التوافق الخارجي، في حال حصوله، لا محل لها سوى إطاحة المزيد من أصدقاء تيار المستقبل، ودفعهم إلى رفع الصوت صراخاً كما يحصل في الأيام الأخيرة.
عاشراً: ذكر نصر الله أنه لا أحد يُدان في لبنان، في إشارة إلى ملف شهود الزور، وهو قدّم ما يشبه المخرج والضمانة أن حزب الله لا يفكر في وضع الناس في السجون إذا أحيل ملف شهود الزور على المجلس العدلي، وبالتالي طمأنة من يجب طمأنته إلى أن دوره في ملف شهود الزور إعداداً وتدريباً وتمويلاً وإخراجاً لن يضعه (يضعهم) في السجن، علماً بأنه في لبنان أدين سمير جعجع، كما نُفي كلّ من الرئيس أمين الجميّل والجنرال ميشال عون، وذلك بحسب تغيّر موازين القوى.
حادي عشر: إن زيارة أمير قطر حمد بن خليفة آل ثاني إلى إيران، والتي كان أبرز ملفاتها المشكلة اللبنانية، والتصريحات الصادرة هناك، تشير إلى أن نسب الحل لا تزال متوازية مع نسب التعثّر.
إضافة إلى ما سبق، فإن الأمين العام لحزب الله لم يشر في خطابه إلى رئيس الجمهورية، ولا إلى دوره، أو موقفه الوسطي، علماً بأنه خاطب عدداً من السياسيين في الخطاب، ولكنه تجاهل تماماً رئيس البلاد، وفي ذلك دلالة خاصة، ولا سيما أن بعض الخبثاء من السياسيين لا ينفكون يروون ما سمعوه في تركيا، حين زارها رئيس البلاد في 21 من نيسان عام 2009 وطلب من المراسم هناك مقابلة مواطن ومواطنة تركيين، وبعد جهد اكتشفت المراسم هناك أن الشخصين اللذين طلب رئيس بلاد الأرز مقابلتهما ليسا إلا ممثّلين تركيين يُعرض مسلسل لهما في لبنان، وهؤلاء الخبثاء لا ينفكّون يرسمون هذه الصورة عن رئيس البلاد هنا وهناك.
يبقى أن من يتابعون الأمور محلياً يعلمون أن الاتجاه العام هو نحو تسوية محلية وإقليمية، ولكنهم يطرحون أسئلة عدة، أهمها عن مغزى كلام وزير الخارجية البريطاني وليم هيغ الذي ربط بين لبنان والسودان في مخاوفه من اندلاع أعمال عنف في كلا الدولتين مع بداية العام الجديد. وقد يكون هذا التصريح في سبيل تحسين شروط حلفاء بريطانيا والغرب في لبنان.
ومن الأسئلة أيضاً الثمن الذي يمكن أن تراه الولايات المتحدة مناسباً في لبنان. فعدا عن الملفات الأخرى، ما هي نتيجة العمل لخمسة أعوام في لبنان؟ وخاصة أن تصوير المشروع الأميركي في المنطقة مشروعاً منهاراً بالكامل فيه الكثير من المبالغة.
ولا يلمس هؤلاء أي تغيّر بعد في استراتيجية رئيس الحكومة سعد الحريري الذي كان يعتمد على إضاعة الوقت للوصول إلى القرار الاتهامي، قبل أن يجلس إلى طاولة المفاوضات متسلّحاً بهذا القرار. إلا أن من يعودون من دمشق يؤكدون أن الأمور لن تتعدى الأسابيع، قبل أن تبدأ مفاعيل التوافق بالظهور.

Script executed in 0.17981100082397